إلي أي حد ينهض الإعلام العربي بمقتضيات الإصلاح المجتمعي الشامل في مواجهة التحديات المطروحة علي العرب, وما ومدي مساهمة الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع في تطوير الخطاب الإعلامي العربي وإثراء مضامينه, وكيف يتعامل الإعلام العربي مع الإشكاليات التنموية والثقافية والحضارية التي تطرحها العولمة والعلاقة بالآخر, وما هو دور الإعلام في دعم قضية الإصلاح في ظل الثوابت القومية والوطنية دفاعا عن مبدأ سيادة الدولة, تلك كانت المحاور الرئيسية الذي دارت حولها فعاليات نقاش وجلسات ندوة' الإعلام العربي والتحديات الراهنة' التي نظمها معهد الأهرام الإقليمي للصحافة بالتعاون مع مجلة أفكار أون لاين التونسية.شارك في جلساتها وحلقات النقاش نخبة من المفكرين والسياسيين وكبار الكتاب ورؤساء تحرير صحف من الجانبين المصري والتونسي وافتتحها السفير التو نسي بالقاهرة الشاذلي النفاتي الذي أكد أن التحديات والتطورات الكبيرة التي يواجهها العالم العربي في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة أفرزت عدة مفاهيم ومصطلحات جديدة وتوجهات وخيارات جديدة بما فيها قضية العولمة والإرهاب اللذين يمثلان تحديا حقيقيا لكل الكيانات الثقافية الوطنية وأضاف أن العالم شهد في السنوات الأخيرة تحولات وتطورات كبيرة وصراعات معقدة أثرت علي طبيعة التوازنات علي مستوي العلاقات الدولية عمقت من هذه الصراعات في منطقتنا العربية وفي عدد من مناطق العالم مشيرا إلي أن من أبرز القضايا التي أفرزتها هذه التحولات ظاهرة الإرهاب الذي طال كل دول العالم بدون استثناء وبات تهديدا خطيرا يقتضي أكثر من أي وقت مضي ضرورة تنسيق الجهود الإقليمية والدولية من أجل مواجهته والقضاء عليه مؤكدا علي دور الإعلام المهم في تطوير الخطاب الإعلامي العربي في مواجهة هذه التحديات حيث يمثل الإعلام أحد أهم أدوات التعبير عن هذه التحديات وكشف حقائقها وتوعية الشعوب بطريقة التعاطي معها. وأشارت خيرة الشيباني رئيس تحرير مجلة أفكار أون لاين إلي أن المشروع المجتمعي في تونس يقوم علي اعتبار الصحافة هي المبدأ والقاعدة وحرية الرأي والتعبير حق يكفله الدستور في تونس اليوم وذلك بالنظر إلي دور الإعلام في معركة الحاضر وتحديث بناه معركة المستقبل وأنه يمثل دعامة أساسية لتعزيز الديمقراطية وترسيخ التعددية. وأضافت أن القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي تحتضنها تونس وهي أول دولة عربية وأفريقية خلال هذه لألفية تتولي تنظيمها في نوفمبر2005, وأوضحت أن ظاهرة الإرهاب في اللحظة التاريخية الراهنة تمثل تحديا عالميا وإقليميا تعكف مراكز القرار البحثي والسياسي علي دراسة تجلياته وأسباب نموه وطرق مواجهته وأوضحت أن المقاربة الثقافية لظاهرة الإرهاب تقوم علي عاملين أساسيين الأولي مدي هيمنة موضوع الإرهاب علي المشهد الاتصال العربي والدولي والثاني مدي تعاظم سلطة الإعلام في الفترة الراهنة ونبهت إلي أن الاقتصار علي معالجة واقعة الإرهاب من خلال الحدث الأمني والسياسي اليومي لا يمكن إلا أن تصعد من وتائر رد الفعل غير المدروسة للحركات الراديكالية لذلك يقتضي تقويض المشروع الإرهابي بنشر ثقافة بديلة قادرة علي الخروج من الأوضاع الراهنة وأن المقاربة الثقافية للإرهاب هي أساسا مسئولية الفكر العربي والإسلامي والعاملين في الحقل الإعلامي من مفكرين وباحثين وكتاب قبل أن تكون مسئولية الفكر الغربي أو السياسات الأمريكية فالعرب والمسلمون هم أول ضحايا هذه الظاهرة حاضرا ومستقبلا من ناحية تأثيرها علي مساراتهم التنموية. وقال أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام العربي ومدير المعهد الإقليمي للصحافة إن الإعلام العربي بوسائله المتعددة واختلاف اتجاهاته وسرعة انتقال المعلومات وتداولها يؤثر تأثيرا كبيرا في توجيه الرأي العام ويعتبر وسيط التغير في المجتمع فالإعلام هو مرآة المجتمع وهو أداة لخلق الوعي لدي الأفراد من خلال التأكيد علي مبادئ المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية كما أن الإعلام عليه أن يقدم الصورة الموضوعية لديناميكية التحديث والتطوير وأن يضع رؤية للتعامل مع الإشكاليات التنموية والثقافية والحضارية وتصحيح صورة الأمة والوطن في مواجهة حملات التشويه الخارجي مع مراعاة أخلاقيات المهنة التي تحكمها في الأساس أخلاق عامة مثل الصدق والموضوعية والنزاهة والشرف ويجب ألا يتصادم حق وسائل الإعلام في الحصول علي الأخبار والمعلومات ونقل الثقافة والفنون والعلوم مع حق المجتمع في الحفاظ علي بنائه وآمنه وقيمه وتقاليده والالتزام بمسئولياتهم الاجتماعية حيال مجتمعهم وعدم تغليب الاعتبارات المهنية علي الاعتبارات الأخلاقية العامة. وأشارت الدكتورة هويدا مصطفي, أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة ومستشار معهد الأهرام الإقليمي للصحافة إلي ضرورة وجود استراتيجية إعلامية عربية لمواجهة التحديات التي يواجهها الواقع العربي في الفترة الراهنة مؤكدة علي دور الإعلام العربي في النهوض بمقتضيات الإصلاح المجتمعي الشامل وخلق حوار بين جميع الأطراف في المجتمع لفهم المتغيرات الحقيقية التي يشهدها العالم اليوم بحيث تستند علي احترام كل طرف من الأطراف الأفكار التي تطرحها الأطراف الأخري ليحدث التوازن الطردي بين العاملين والمتلقين في حقل الإعلام لأن الإعلام معني بالأساس بالوظائف السياسية والتعليمية والثقافية والتنموية. ونبه السيد ياسين أستاذ علم الاجتماع السياسي ومستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام إلي أنه لا يمكن وضع إستراتيجية عربية لتفعيل دور الإعلام في بناء واقع عربي جديد بغير تأمل للتغيرات الكبري التي حدثت في بنية المجتمع العالمي من ناحية ودراسة الوضع الراهن للمجتمع العربي من ناحية ثانية وأضاف أن دراسة التغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي تقتضي ممارسة التحليل الثقافي الذي أثبت كفاءته في وصف مشاهد العالم المعاصر بصورة تفوق التحليل السياسي النقدي والتحليل الإقتصادي الكلاسيكي مشيرا إلي أن دراسة الوضع الراهن للمجتمع العربي تحتاج إلي عديد من الدراسات العلمية الموضوعية وكثير منها متوافر في المكتبة العربية وأن الوضع العربي الراهن يحتاج أكثر ما يحتاج إلي ممارسة النقد الذاتي بصورة منهجية وبطريقة منتظمة والذي تقوم به النظم السياسية والنخب السياسية والمثقفين والمفكرون بشكل عام في المجتمع ونبه إلي أن ممارسة النقد الذاتي في الغرب يعد أحد أسباب التقدم الغربي. وأوضح إلي أن العالم العربي خلال الخمسين عاما الماضية شهد موجات من ممارسة النقد الذاتي, وانتهي السيد ياسين ضرورة وضع عناصر هذه الإستراتيجية يجب أن تتضمن حصر مشكلات التواصل الثقافي مع الغرب ورسم خرائط معرفية للاتجاهات الأيدلوجية في الوطن العربي والدعوة للإسهام العربي في المشكلات الإنسانية العالمية.
وأكدت الدكتورة هالة مصطفي رئيس تحرير مجلة الديمقراطية أن قضايا وإشكاليات التحديث في العالم العربي باتت قضايا ملحة تفرض نفسها علي الواقع العربي وأن الإعلام جزء لا يتجزأ من البنية السياسية وهي مرآة حقيقة لكل ما يشهده المجتمع العربي وأنه يمثل أحد المرتكزات الرئيسية في قضايا الإصلاح والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. مشيرة إلي أن قضية التحول الديمقراطي وتطورها علي مستوي النظم السياسية في الوطن العربي والعالم ستظل أبرز القضايا الحيوية التي تطرح نفسها بإلحاح علي الدوائر البحثية والسياسية علي السواء خاصة بعد أحداث11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث احتلت مكانة محورية في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة, وأضافت أن التحول نحو الديمقراطية في الحكم بات يشكل إحدي الموجات الكبري التي يشهدها العالم المعاصر وأوضحت الدكتورة هالة مصطفي أن عمليات التحول الديمقراطي إذا لم تصاحبها عمليات جادة للتحديث والتنوير الثقافي وتنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي وترسيخ الحريات المدنية والحقوق الفردية وتوفير المناخ الثقافي العام السائد في المجتمع الذي يتحكم في مسار التجربة السياسية والاقتصادية المجتمعية هي التي ستحدد مسار الديمقراطية في المجتمعات العربية وإلا فإن تأزم مراحل الانتقال ستكون واردة بقوة. وأشار الدكتور عبد الله السيد ولد أباه الكاتب السياسي وأستاذ الفلسفة إلي أن هناك غيابا لحوار فكري وسياسي حول مقومات الإصلاح وآلياته بعد أن أصبح الإصلاح نفسه عليه إجماع شامل وأضاف أن هناك بعض الإشكاليات المحورية الأساسية وتتعلق بسقف الإصلاح وتغيرات مجتمعية شاملة, أيضا طبيعة العلاقات بين ديناميكية التحول الداخلي ومطلب الإصلاح المفروض من الخارج ونبه إلي أن الديمقراطية ارتبطت بالوعي الفردي الحر وفكرة الإصلاح تقوم علي معالجة الإختلالات القائمة التي تعوق تجربة الإصلاح و طالب الدكتور فيصل السويسي مدير البرامج الإنجليزية بالتليفزيون التونسي بضرورة إسهام العرب في بناء مجتمع المعرفة والمشاركة في المصير الإنساني شأنه شأن سائر دول العالم مشيرا إلي أن خطاب الإعلام العربي عليه استغلال المنظومة الجديدة لعالم المعلومات والاتصالات في زمن العولمة والشراكة خاصة أن الحوار بين الحضارات كان ولا يزال قائما إلي يومنا هذا ويجسمه كل من مسار الشراكة الأورومتوسطية ومبادرة الشراكة بالشرق الأوسط وسوف يتجلي ذلك في قمة المعلومات الثانية بتونس من خلال التواصل بين الحضارات والثقافات في عالم أصبحت تطغي عليه العولمة الاقتصادية. وأشار الدكتور أسامة الغزالي رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية إلي أن الوضع الإقليمي العربي الراهن ارتبط بالتطورات السياسية والإستراتيجية التي لحقت بالمنطقة العربية وبالعالم ككل وظهور القطب الواحد ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية وهو أمر يحدث لأول مرة في التاريخ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وأضاف إننا إزاء تغيرات إقليمية أدت إلي أوضاع غير مسبوقة في العالم العربي زاد في قدراته عن التحدث عن الحرية وإن الإعلام لم يعد مجرد أداة للتثقيف أو الأخبار ولكن أصبح أداة للصراع السياسي والتغيير في المنطقة ويؤثر سلبا وإيجابا في تشكيل الرأي العام في مجتمعه في ظل ثورة المعلومات الهائلة والتطورات التي حدثت في مجتمع الاتصالات والإنترنت وتعدد الفضائيات وسرعة تداول الأخبار ونشرها. وأوضح الغزالي أن نظرة الآخر للمواطن العربي والنظرة الجدية للإسلام تمثل تحديا أساسيا أمام الإعلام في الوطن العربي وأن هذا المناخ سيفرز الصورة الحقيقة والاتهامات الملصقة بالدين الإسلامي والإعلام الذي يستطيع أن يساير هذا التطور ويلبي متطلبات الديمقراطية هو الذي سيستمر وينجح. وقال الهاشمي نويرة الصحفي والنا شط في مجال حقوق الإنسان إن الإقرار بحالة الإعلام العربي عموما لا تساعد علي تناول الظواهر تناولا موضوعيا وإن كانت السمة الأساسية التي تميز إعلامنا هي انعدام ملكة التقييم وهي لا تتطور نتيجة غياب مناخ سياسي عام وأشار إلي أن الخط الفاصل بين إعلام وآخر هو المهنية والحرفية وما نلمسه من الإعلام الغربي هوإنحراف عن القواعد المهنية للعمل الصحفي والإعلامي وهو ما نستطيع أن نطلق عليه أنه انحراف إعلامي موجه أو منظم وهذه العملية تتم في فضاء من الحرية والديمقراطية ليست وليدة اليوم وإن كان يشهد تراجعا لهذه القيم في الغرب*