
|
باولو كويللو صاحب الرواية الناطقة بـ45 لغة:
الأهرامات شلت تفكيري.. وألف ليلة وليلة ألهمتني |
 | |
أجرت الحديث ـ رشا عامر تصوير ـ موسي محمود عشرون دقيقة هي فترة لقائي به, لكنها مرت علي وكأنها عشرون ثانية, وإن كانت قد أكسبتني خبرة عشرين عاما. فهو شخصية حالمة ساحرة, طالما تمنيت لقاءها أو مصافحتها, أو حتي مجرد النظر إليها. وها هو الحلم يتحقق وأجلس أمامه وأحاوره, وأطرح عليه أسئلتي, أما هو فيجيب عنها بأشد درجات البساطة والتواضع التي تذيبني خجلا. أشعر أمامه بأنني قزم صغير في عالم العمالقة.إنه ساحر الصحراء الذي جلس علي نهر بيدرا هناك يبكي فيرونيكا التي تقرر أن تموت من فوق الجبل الخامس. إنه الأديب البرازيلي العالمي المبدع باولو كويللو, الذي أمتعنا بزيارته لمصر أخيرا, وأمتعنا أكثر بحواره مع الأهرام العربي عندما ترجمت رواية ساحر الصحراء أو السيميائي كما يطلقون أحيانا عليها, لاقت نجاحا منقطع النظير في مصر والدول العربية. ** لماذا كل هذا النجاح من وجهة نظركم. هل لأن أحداثها فقط تدور ما بين مصر والمغرب والصحراء؟ رواية ساحر ا لصحراء ترجمت إلي أكثر من45 لغة ولاقت نجاحات في شتي أنحاء العالم, وأعتقد أن سبب نجاحها في الوطن العربي ومصر خاصة هو أنها لامست نقاطا شديدة الحساسية لدي المواطن المصري الذي يسعي بكد وشقاء للحصول علي لقمة عيشه, فالبحث عن الكنز هو في الواقع بحث عن الهدف أو لقمة العيش, بمعني أدق, والتحديات والعراقيل التي يواجهها بطل الرواية للوصول إلي كنزه هي نفسها المصاعب التي تواجه الإنسان للوصول إلي ما يريد. إذن فالرواية تعبر عن الحقيقة والواقع المصري, لكن بشئ من الفانتازيا والخيال الذي يخرجها من روح الكآبة أو الحزن. وبالمناسبة هي ليست تجسيدا للمواطن المصري, الذي يريد أن يجد الكنز المدفون ليصبح ثريا بين عشية وضحاها دون بذل أدني جهد كما يتصور البعض, فأنا هنا لست بصدد سرد حكاوي علي بابا, الذي فجأة وجد كل ما يتمناه في طرفة عين, وأصبح رمزا لكل إنسان ينتظر حدوث المعجزة التي تنقله إلي عالم النعيم. فالإنسان المصري رغم أنني لم أجلس معه كثيرا, لا يمتلك هذه الروح التواكلية, بل إنه كما شعرت يسعي إلي الهدف بكل كفاح وجهد, لأنه يعلم علم اليقين أن عصر المعجزات قد انتهي وأنه لن يحصل علي أي شئ أو علي الأقل علي ما يريده إلا إذا تعب وسعي بكل جهده لأنه يجب علينا أن نحارب للوصول إلي ما نريد. ** ماذا إذن عن لغة الرموز والعلامات.. هل هي موجودة بالفعل؟ بالطبع إنها هي التي تدير هذا الكون الهائل, فبدونها لا نستطيع أن نعي أنها الرمز لكل شئ. إنها وسيلتنا للحوار مع العالم الآخر, فمثلا لو نظرنا إلي الأهرمات كرمز سنجد أنها ليست مجرد هيكل بنائي, فكل حجر بها له معني ورمز مختلف عن الباقي, بمعني أن بناءها الهندسي له تأثير, ووضعها التاريخي له تأثير أكبر. إنها وسيلة حوار مع عوالم أخري لا نعلم عنها شيئا. إنها أيضا وسيلة لأخذ القرارات علي الأقل بالنسبة لي, فأنا أعتبرها رمزا للحياة البشرية. إن لم تكن رمزا لكل شئ في الحياة. المشكلة أنني حتي الآن لا أعرف كيف اكتسبت هذا السحر ومن أين أتت بكل هذه الرموز؟! ** إلي هذا الحد أنتم متأثرون بالأهرامات؟ يا إلهي إن لها سحرا طاغيا لا أستطيع أن أعبر عنه. إنني حتي لا أستطيع أن أعبر عن كل ما أشعر به حينما أنظر إليها, ربما أنتم المصريون لا تشعرون بذلك. تعتبرون زيارتها مجرد فسحة في الهواء. لكن الأشخاص الذين يحبون التأمل ويعتقدون بوجود عوالم خفية وعلامات رمزية للقدر يعرفون مدي أهمية الأهرامات وتأثيرها ربما بسبب أنها ترسل لنا إشارات غيبية لا يستطيع فهمها إلا الأشخاص الموكل إليهم هذه المهمة أو الذين يؤمنون بأن لكل فرد أسطورة شخصية يجب عليه أن يحقق ذاته من خلالها. المهم أنني أحسد مصر والمصريين علي تمتعهم بهذه الأهرامات المليئة بالأسرار والإشارات والغيبيات التي لم يفصح عنها التاريخ بعد. بالمناسبة لقد تأثرت بشدة عندما زرت الأهرامات أول مرة, ولعل هذا التأثير يظهر واضحا في روايتي التي تكلمنا عنها في البداية ساحر الصحراء فأحداث الرواية تجسيد لما شعرت به أمام هذا الصرح الهندسي الخلاب. أتذكر يومها أنني وقفت مذهولا ومندهشا لا أعرف ماذا أقول أو كيف أفكر كأن شيئا ما شل تفكيري. حتي الجمل الدينية أو التراتيل التي يجب أن تقال في مثل هذه الحالات نسيتها أو فقدتها. بالفعل شعرت بأن الجمود أصابني وأصاب تفكيري لدرجة أنني طلبت من مرافقي بعد تمكني من التغلب علي شلل تفكيري أن يتلو هو أي نوع من أنواع الصلوات التي يراها مناسبة لهذا الحدث, وهذا الموقف الذي نعيشه.
|
 | |
** كانت لكم جملة مشهورة.. قلتم فيها إن أي تغيير يأتي من الخارج هو إرهاب. هل فعلا تقصدون هذه الجملة وما رأيكم فيما يحدث في الشرق الأوسط الآن؟ لا أنا لم أستخدم كلمة إرهاب في تشبيهي هذا كل ما قلته إن أي تغيير لا ينبع من الداخل, لا فائدة ترجي منه, فالتغيير الخارجي يكون شيئا مفروضا, سواء كان التغيير يهدف إلي تغيير فرد أو مجتمع أو دولة بأكملها, وطبعا بالنسبة للأوضاع في الشرق الأوسط فهي سيئة للغاية, وأنا حزين لكل ما يحدث من حروب تدور رحاها في شتي بقاع الأرض عندكم. فعندما أنظر إلي هذه المدن الجميلة التي تعني لي الكثير وأري النيران تحرقها والرصاص يخترق جدرانها وجوانبها, أشعر بأسي فظيع خاصة أنه ليس هناك أدني أمل في إحلال السلام قريبا أو حتي التخفيف من وطأة هذه الحروب الدامية. المشكلة أنه لا يوجد نظام ولا يوجد تعاون عربي أو دولي من أي نوع, فالفوضي هي التي تسود والأخلاقيات في ظل الفوضي تكاد تكون منعدمة, لأن العلاقات الإنسانية الجيدة, هي أهم شئ, أهم من القراءة والتعليم وكل ما نتصور أنه مهم. فالناس بخبراتهم هم الذين يعطونك مذاقا للحياة, هم الذين يرسمون حياتك, فليس هناك من يستطيع أن يعيش وحده علي ظهر هذه الأرض, فحتي عندما خلق الله آدم خلق له حواء, لكي تعيش معه, إذن لا نستطيع أن نعيش وحدنا ولا نستطيع أن نعيش بمنأي عن خبرات الآخرين, فهذه الخبرات تفوق قراءة عشرات الكتب من وجهة نظري أنا علي الأقل. ** ما الروايات العربية التي قرأتها؟ قولي لي من هو الأديب العربي الذي تعشقه, أقل لك إنه صاحب نوبل العبقري نجيب محفوظ, وبالمناسبة لقد التقيت به وكم كانت سعادتي ودهشتي في نفس الوقت من هذه البساطة والعفوية التي يتمتع بها هذا الرجل المبدع. إنه لا يتعامل مطلقا علي أنه صاحب جائزة نوبل الأدبية التي كنت أتصور أن من يفوز بها يجب أن يتعالي علي الناس, ويتعامل معهم علي أنه العبقري الوحيد في هذا الزمان, لكن بمقابلتي للأديب نجيب محفوظ أثبت لي عكس ذلك كله, لكنني اكتشفت السر وراء ذلك. فالشخص العظيم ليس في حاجة لأن يقول للناس ولا حتي لنفسه إنه عظيم, فأعماله تدل علي العظمة دون أدني محاولة منه لإثبات ذلك, وأعتقد أن نجيب محفوظ من هذا النوع الذي أتحدث عنه, لأن هذه العظمة عظمة حقيقية لا تحتاج إلي أي تظاهر. المهم أنني قرأت بالطبع بضع روايات لنجيب محفوظ كما قرأت ألف ليلة وليلة, وكذلك قرأت أعمالا كثيرة لمحمد حسنين هيكل, واستمتعت كثيرا بها, فهو شخصية جبارة بكل ما تحمل الكلمة من معان. لكن بشكل عام فللأسف الأدب العربي أو المصري ليس مترجما بالدرجة الكافية في البرازيل أو أمريكا اللاتينية. أنا لا أقول إنه لا يوجد أدب عربي مترجم. لكنه ضئيل مقارنة بكم الأدب الموجود غير المترجم. ** لماذا أشعر أن كل أعمالك مستوحاة أو علي الأقل متأثرة بألف ليلة وليلة؟ أنا بالطبع متأثر بها جدا, كما أن لها تأثيرا أقوي علي كل أعمالي, أنا لا أنكر هذا علي الإطلاق, لكن كل ما أريد قوله إن معظم الأدباء خاصة الذين لهم نفس دربي في الكتابة قد تأثروا بها وأثرت هي فيهم, وفي أعمالهم. فمثلا أريد أن أطرح عليك سؤالا مهما. هل يستطيع أحد أن يحدد لي بدقة التاريخ الذي كتبت فيه هذه الحكايات؟ بالطبع صعب جدا لأنني أعتقد أنه تم جمعها علي مر العصور. فكلما تظهر حكاية نضعها في الكتاب إلي أن تكون لدينا هذا الكتاب للمبدع الذي أري أنه ملأه بلغة الإشارات والعلامات إنها حجر الفلاسفة وإكسير الحياة والأسطورة الشخصية. كل ذلك في كتاب واحد. ** هل هناك فارق بين الثقافتين العربية واللاتينية أو البرازيلية تحديدا؟ يمكن القول إنه يوجد فارق ولا يوجد فارق في نفس الوقت فالثقافة العربية متشابهة مع الثقافة اللاتينية, لكنني أقصد بالثقافة هنا طباع الشعوب علي الرغم من أنني لم أمش فترة طويلة في المجتمعات العربية التي تمكنني من رسم صورة صحيحة لهذه الطباع, لكنني علي الأقل اكتسبت القليل منها في زياراتي القصيرة إلي الدول العربية, فمثلا عندما نزلت إلي القاهرة كانت الساعة الثالثة فجرا, وكم كانت دهشتي عندما وجدت أن الحياة مستمرة في صخبها واستمرارها وكأنها الثالثة ظهرا, لكن ربما زالت دهشتي بعد ذلك عندما علمت أن هذا هو الطبيعي, وتلك هي الروح المصرية أو العربية بشكل عام. |
 | | باولو كويللو يتحدث إلى رشا عامر |
نعود إلي الرد عن السؤال حول الفارق بين الثقافتين العربية واللاتينية. وأقول لك إنه في المجال الثقافي نفسه هناك فارق كبير, وهو أمر طبيعي بالطبع لأنه لا يمكن لأي ثقافة أن تتشابه مع ثقافة أخري. لكنني لا أستطيع أن أضع يدي أو أحدد لك بدقة فروق هذه الثقافة. فمثلا لا أستطيع أن أقول لك الفارق الثقافي الأول كذا, والفارق الثقافي الثاني كذا. لكن الاختلاف يعود بالطبع إلي الميراث الثقافي لكل دولة ويعود إلي التجارب الشخصية والأحوال السياسية والاقتصادية لكل مجتمع. فمثلا روايات مجتمعات الحروب مثلا لا يمكن أن تتشابه علي الإطلاق بروايات المجتمعات المخملية. ** نعلم أنك تدين بالكاثوليكية.. هل هذا جاء بالوراثة أم بالاقتناع؟ في البداية كانت المسألة وراثة, فأهلي يدينون بالكاثوليكية, ومن ثم ولدت أنا أيضا وأنا أدين بها. لكن مع مرور الوقت بدأت أشعر بالملل وأردت أن أغير حياتي, وكذلك ديانتي حتي أستطيع إما الاقتناع بالكاثوليكية أو اعتناق ديانة أخري, وبالفعل اعتنقت الكثير من المذاهب والديانات الأخري, ورحت أفتش عن الحقيقة والبحث عن إجابات لأسئلتي الحائرة لدرجة أن أهلي أدخلوني مستشفي الأمراض العقلية, وأنا لاأزال في السابعة عشرة من عمري, لتصورهم أنني أصبت بالجنون, لكن مع الوقت عدت إلي الكاثوليكية مرة أخري ليس لأنها الديانة العظيمة أو ما كنت أبحث عنه, لكن لأنها تجري في دمي, وفي عروقي, ربما بالوراثة, أو ربما بالتعود, صراحة لا أعلم. ** هل من الصعب علي الإنسان أن يترك ديانته في محاولة للبحث عن ديانة أخري؟ المسألة تختلف من فرد إلي آخر. فأغلبية الناس يستسهلون ما هم عليه, ولا يريدون تحميل أنفسهم عناء التفكير في تغيير ملتهم, لكن القلة القليلة من التي تريد البحث وتقصي الحقائق هي التي تفعل ذلك, وهي بالمناسبة تفعله عن حب و اقتناع, وهي عندما تؤمن بديانة ما بعد كل هذا البحث أتصور أنها تكون مقتنعة بها تمام الاقتناع. عموما أنا شخصيا لم أشعر بأي صعوبة أثناء ابتعادي عن ديانتي للبحث عن ديانة أخري. المشكلة أحيانا تكمن في المجتمع الذي ينظر إلي الشخص الذي يبحث في تلافيف دينه وتصفه بأنه ملحد أو زنديق خاصة بالطبع في المجتمعات العربية. ** هل يمكن أن نصف أبطال رواياتك بأنهم شخصيات متمردة؟ بالطبع كل شخصيات رواياتي يتصفون بالتمرد وأعتقد أنهم يعبرون عن ذاتي, لأنني بطبعي شخصية متمردة, فالتمرد بالنسبة لي يعني الاختلاف والاختلاف, يعني اكتشاف أشياء جديدة بعيدة عن الاستسهال والتواكل. وعموما التمرد شئ مهم جدا في حياة الفرد, خاصة عندما يكون أديبا مثلي, لأنه في كل مرة يجعله شخصا مختلفا ويخلق منه إبداعا مختلفا أيضا ينعكس علي أحداث رواياته وصفات شخصيات أبطاله التي يستقي منها المجتمع بدوره ثقافته الذاتية. ** هل الحياة السهلة الخالية من المشاكل والمليئة بالثراء والترف يمكن أن تكون طريقا للانتحار؟ نعم.. أنت تدللين علي هذه الإشارة برواية فيرونيكا التي حاولت بطلتها الانتحار رغم أنها تملك كل ما تتمناه أية فتاة من مال وجمال وجاه وسلطان وعشق من الآخرين. فعلا الحياة عندما تكون كذلك يمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلي الجنون الذي يؤدي بدوره إلي الموت انتحارا, لأن الإنسان في بعض هذه الحالات لا يقول أشكرك يارب علي ما أنعمت علي به, لكنه يشعر أنه بلا فائدة في الحياة. ولا معني له فيكون الانتحار هو الطريق الوحيد للخلاص من هذا الشعور, لذلك تجدينني في كل رواياتي أؤكد علي أن التعارك في الحياة شئ مهم, لأنه يجعل من الوصول إلي الهدف لذة خاصة وطعما مختلفا هو طعم النجاح, فرغم أننا في الغرب أو في أمريكا اللاتينية تحديدا لدينا الكثير من المشاكل مثلكم تماما. ورغم أن الشخص يمكن أن تمر عليه أيام عديدة دون أن يجد عملا يكسب منه قوت يومه إلا أننا في النهاية نشعر جميعا بالسعادة لأنه من المنطقي أننا سنكافح في يوم من الأيام وسنتعارك للوصول إلي الهدف, وعندما سنصل إليه سنشعر بلذة الانتصار رغم كل التحديات والمعوقات التي تسد الطريق أمامنا* |
|
 |
|
|
 |
|
|