427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لحظات تاريخية فاصلة

نتعلم من قراءة التاريخ كيف أن سير الأحداث بطريقة معينة يؤدي إلي نتائج محددة وبالتالي يمكن رد أو تفسير بعض وقائع التاريخ والنتائج التي ترتبت عليها إلي الطريقة التي سارت بها الأحداث في ذلك الحين‏.‏
كما تعلمنا فلسفة التاريخ أن من أهم التفسيرات والنظريات التي تفسر كيفية نجاح وازدهار أو فشل وانهيار الحضارات أو الثقافات أو الدول هي نظرية التحدي والاستجابة بمعني أنه حين تواجه حضارة ما أو ثقافة ما أو دولة ما بتحديات معينة فإن مستقبل هذه الحضارة أو الثقافة أو الدولة يتوقف حتما علي طريقة وأسلوب ودرجة استجابتها وطرق مواجهتها لهذه التحديات وبهذا نفهم كيف انهارت حضارات وتلاشت ثقافات وغابت دول عبر التاريخ لا لشيء إلا لأن استجابتها لما واجهها من تحديات لم يكن بالشكل المناسب لتلك التحديات ومن هنا نصل إلي نتيجة مؤداها أن في عمر كل حضارة أو ثقافة أو دولة لحظات تاريخية فاصلة إما أن تنجح هذه الحضارة أو الثقافة أو الدولة في مواجهتها وتجاوزها فتستمر في الوجود‏,‏ أو تفشل في مواجهتها فتنتهي وتتحول إلي سطور مظلمة في كتاب التاريخ‏.‏
ومن أهم اللحظات التاريخية الفاصلة التي واجهتها مصر في القرن الماضي يمكن الإشارة إلي أزمة مارس‏1954‏ وكيف أن أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو قد انقسموا إلي فريقين إزاء تصورهم لمستقبل مصر في ظل الثورة وبينما رأي أحد الفريقين أن يعود الجيش إلي ثكناته بعد إعلان الجمهورية ووضع دستور جديد لدولة برلمانية متعددة الأحزاب ـ قاد هذا الفريق يوسف صديق وخالد محيي الدين ومحمد نجيب ـ بينما رأي الفريق الآخر من أعضاء مجلس قيادة الثورة ومعهم جمال عبد الناصر أن الديكتاتورية وحكم الفرد هو الطريق الأصوب والأنسب للتحرر من الاستعمار والقضاء علي التخلف الاجتماعي وإنجاز الأهداف التنموية المطلوبة‏,‏ وكان هذا الرأي هو الشائع في تلك الفترة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية‏.‏
وكانت الغلبة لأنصار الرأي الثاني وتم إقصاء أنصار الرأي الأول الديمقراطي من المسرح السياسي بل تم التنكيل ببعضهم كما حدث مع يوسف صديق الذي لولا تحركه المبكر بقواته ليلة قيام الثورة لما نجحت الثورة ومحمد نجيب أول رئيس للجمهورية والذي قضي حياته نسيا منسيا قيد الإقامة الجبرية حتي وفاته‏.‏
وربما لو كتب النجاح لأنصار هذا الرأي الديمقراطي لتغيرت الأمور في مصر بشكل مغاير لما حدث طوال النصف الثاني من القرن العشرين‏,‏ ولما عانت مصر من كوارث ونكبات الحكم الفردي والتي تبلورت وتجسدت في هزيمة يونيو‏1967‏ المروعة‏.‏
وهذه الأيام تمر مصر بلحظات فاصلة أخري بعد أكثر من نصف قرن من اللحظات الفاصلة إبان أزمة مارس‏1954,‏ ومن هنا فإن الفهم الواعي للتاريخ يدعونا إلي التمسك بهذه الفرصة التاريخية النادرة التي تمر بها مصر الآن نتيجة للمتغيرات والعوامل الضاغطة الداخلية والتي تتمثل في الغليان والاحتقان الاجتماعي والتململ من نتائج وآليات حكم النظام الفردي وغياب التعددية الحزبية والديمقراطية الحقيقية‏,‏ والرغبة الحقيقية في إحداث التغيير الديمقراطي الحقيقي والشامل لإصلاح أوجه الحياة المختلفة في مصر‏,‏ والعوامل والمتغيرات الضاغطة خارجيا والتي تتمثل في مواجهة رياح التغيير الديمقراطي التي تسود أرجاء العالم شرقا وغربا في السنوات الأخيرة‏.‏
وينبغي علي الجميع في مصر أن يكونوا علي مستوي الأحداث والتحديات التي تواجهنا‏,‏ وأن يقوم كل منا بدوره وواجبه كي تكون استجابتنا لهذه اللحظات التاريخية الفاصلة علي مستوي ما يواجهنا من تحديات‏,‏ لكي تعبر مصر هذه المرحلة الصعبة من تاريخها بنجاح‏,‏ وإلا سنواجه مصيرا مجهولا لا عصمة ولا نجاة لأحد من ملاقاته‏.‏
أيمن عبد العزيز