
|
فتاوي القرضاوي دية المرأة نصف دية الرجل لايسنده نص صحيح الثبوت صريح الدلالة
لم يميز القرآن بين المرأة والرجل في وجوب الدية والكفارة |
إعداد ـ د. حسن علي دبا hassandaba@hotmail.com إنها قضية كبيرة ورثها التراث الفقهي دون تمحيص علمي وبلا اجتهاد حقيقي:لم تكون دية المرأة نصف دية الرجل؟ هذا ما كان محلا للإثارة لدي الفقيه المعاصر د. يوسف القرضاوي التي تواردت إلينا أسئلة عدة تطلب منا أن نتوجه إليه ليجيب عنها.. حتي وإن كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله قد أثارها من قبل فإن تحقيق القرضاوي عبر إجاباته كان أكثر إجابة عن تساؤلات المسلم غير المتخصص والمتخصص في الوقت نفسه.. بدأ إجاباته عما ورد إلينا من م.ع.وسلمي م. وآخرين من بلاد عدة راجعا إلي أصل القضية. اشتهر في تراثنا الفقهي: حكم شرعي, شاع بين المسلمين, وهو أن دية المرأة نصف دية الرجل, وقد أخذت به مذاهبهم المتبوعة كلها: المذاهب الأربعة الشهيرة, والمذهب الظاهري والمذهب الزيدي, والمذهب الجعفري, والمذهب الإباضي. واستقر هذا الحكم طيلة القرون الماضية, حتي ظن الكثيرون أن هذا من الأحكام القطعية, التي لا يجوز الاجتهاد فيها, وقد نقل بعض الأئمة: أنه مجمع عليه! فهل يجوز لنا أن نجدباب اجتهاد في هذه المسألة: بأن ننظر فيها نظرة جديدة من خلال مصادر تشريعنا, وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس, والمصادر التبعية الأخري الاستصلاح وغيره. ** هل يجوز لنا نحن المعاصرين التفكير في البحث والاجتهاد في مثل هذه القضية من جديد؟ نعم.. فمن المعروف: أن عندنا في الفقه الإسلامي دائرتين متمايزتين أولاهما: دائرة مفتوحة, يدخلها الاجتهاد والتجديد, وتتغير فيها الفتوي بتغير الزمان والمكان والحال والعرف. وهي دائرة الأحكام الظنية, التي أخذ الحكم فيها من نصوص ظنية الثبوت, أو ظنية الدلالة, أو ظنيتهما معا. أو استنبطت مما لا نص فيه عن طريق القياس والاستصلاح وغيرها. وهذه الدائرة يدخل فيها معظم أحكام الشريعة. وهذا من فضل الله ورحمته بالأمة: أن جعل في مصادر شريعتها ـ وبالتالي في أحكامها ـ متسعا للاجتهاد واختلاف الآراء, ليتسع صدر الشريعة للمشدد والميسر, والآخذ بالظاهر, والناظر إلي المقصد, ولهذا لم يرد الله أن يثبت الأحكام بنصوص قطعية الثبوت والدلالة, حتي لا يقطع الطريق علي الاجتهادات المتجددة بتجدد الزمان والمكان والإنسان. ومن هنا وجدت الأحكام المتعددة: والمذاهب المختلفة, والأقوال المتباينة, بين المذاهب بعضها وبعض, وداخل المذهب الواحد. وربما ضاق بعض الناس بهذا الخلاف المنتشر, ولكنه لو أنصف وتدبر, لوجد في هذا سعة ورحمه للأمة, فقد يصلح مذهب أو قول لزمن, ولا يصلح لغيره, ويصلح لبلد, ولا يصلح لآخر, ويصلح في حال ولا يصلح في أخري. ولهذا ألف بعض العلماء كتابا أسموه رحمة الأمة باختلاف الأمة والدائرة الأخري: دائرة مغلقة, لا يدخلها الاجتهاد ولا التجديد, ولا تتغير أحكامها بتغير الزمان أو المكان أو الحال, لأنها تمثل الثوابت العقدية والفكرية والعملية للأمة, وهي التي تمسكها علي الجادة. حتي لا تتحول إلي( أمم), بل تبقي أمة واحدة في الظاهر والباطن.وهذه الأحكام هي( القطعيات) أي التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, وهي قليلة جدا, ولكنها مهمة جدا, لأنها التي تحفظ علي الأمة وحدتها العقلية والوجدانية والسلوكية.ولهذا يجمع العلماء علي أن من أنكر هذه الأحكام القطعية, أو استخف بها: يحكم عليه بالكفر, لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة, وهو بهذا يكذب الله تعالي ويكذب رسوله, ومثل هذا لا يصدر إلا من كافر. ** في أي الدائرتين نضع حكم هذه القضية: دية المرأة علي النصف من دية الرجل؟ تقع في الدائرة الأولي. ** من أين كان المصدر الأول لهذه المفارقة بين دية المرأة ودية الرجل؟ كان تشريع الديات في القتل الخطأ, مما تعارف عليه العرب في الجاهلية, وكان منهج الإسلام مع ما كان عليه أهل الجاهلية يتمثل في واحدة من ثلاث: إما أن يقر ما كانوا عليه, إذا وجده صالحا, كما أقر نظام( المضاربة) أو( القراض) وهو اشتراك العمل والخبرة من جانب, ورأس المال من جانب آخر, للقيام بمشروع مشترك. ** هل الدية من الأمور التي أقرها الإسلام علي ما كانت عليه في الجاهلية؟ موضوع الديات من الموضوعات التي أقرها الإسلام من عمل الجاهلية, إلا أنه ضبطه بمجموعة من الأحكام تحدد نطاقه, وتحفظ حدوده.وقد عني القرآن الكريم نفسه بهذا الأمر, وجاءت فيه آية محكمة من كتاب الله: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلي أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلي أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما( النساء92). ** كيف تتم محاولة إعادة النظر والاجتهاد الآن في مثل هذه القضية؟ لا بد لمن يريد تجديد الاجتهاد في هذه القضية دية المرأة: أن ينظر فيها من خلال أدلة الأحكام أو مصادر التشريع كلها: القرآن والسنة والإجماع والقياس. والمصادر التبعية كله: المصلحة المرسلة والاستحسان وغيرهما. ومن نظر في القرآن: وجد فيه الآية الكريمة التي ذكرناها من سورة النساء, وهي آية بينة محكمة واضحة الدلالة. والمتأمل في هذه الآية القرآنية: يري أنها لم تميز في الحكم بين رجل وامرأة في وجوب الدية والكفارة, والدية هي: حق أولياء الدم, والكفارة هي: حق الله.إنما فرقت بين المؤمن الذي يعيش في دار الإسلام ومجتمع المسلمين, والمؤمن الذي يعيش في دار الأعداء المحاربين.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|