427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

يطرقون باب السائح قبل أن يأتي إليهم عاشقا

تونس‏..‏ سيدة المروج الخضراء

رسالة تونس ـ عاطف حزين


كنت أعلم أنني سأسعد كثيرا بزيارة سيدة المروج الخضراء تونس‏,‏ لكنني لم أتصور أن الأمر سيتجاوز السعادة إلي الحب‏..‏ إلي الأسر‏..‏ فمن يتحدث إليكم الآن واحد من ملايين الأسري الذي غرقوا في حب تونس وسيدي بوسعيد وسوسه والحمامات‏.‏
وتبقي مشكلتي الكبري أنني لا أستطيع التعبير عن حبي بقلمي‏,‏ فكل ما سأقوله في وصف حبيبتي الجديدة سبقني إليه ـ حتما ـ ملايين العشاق‏,‏ فأي جديد أصبح لدي سوي أنني كنت أقف علي بابها في آخر صف طويل وعندما أصابني الدور‏..‏ أصابني ما أصاب من كانوا يتقدمونني‏.‏
ربما يكون الحب أشكالا وألوانا‏,‏ وربما تختلف تأثيراته من شخص إلي آخر‏,‏ إلا ذلك الحب التونسي الذي يصيب قلبك‏..‏ فهونفسه الذي سيصب قلبي وقلبه وقلب كل من يستنشق أوكسجين الجمال ويطرد ثاني أكسيد القبح‏.‏
لا أخفيكم أن هذه ألذ مهمة عمل صادفتها منذ احترافي للعمل الصحفي‏,‏ ذهبت لتغطية انتخابات المجالس البلدية مؤجلا استنشاق المتعة إلي ما بعد الانتخابات فإذا بتونس تفرض شروطها علينا جميعا‏:‏ العمل مع المتعة لا يفترقان ولا يتقدم أحدهما علي الآخر‏.‏ وطبعا قبلنا هذا الشرط الأسطوري لنجرب لأول مرة في حياتنا العمل الشاق حين يصبح عملا لذيذا مبهرا منعشا تتمني ألا ينتهي أبدا لأنك لا تشعر بذرة تعب تجعلك تحلم بغرفتك وسريرك‏.‏
إنه سر تونس الذي اكتشفه أهلها فاستثمروه خير استثمار حتي أصبحت بلادهم أحد أهم القبلات السياحية التي يؤمها عشاق الفسح والبهجة والمعرفة من شتي أنحاء العالم‏.‏
ولأنني أحب مصر أكثر من أي مكان في الدنيا وأراها تمتلك مؤهلات لا يملكها مكان غيرها في العالم كانت لحظات استمتاعي وأنا في تونس تتوقف أحيانا أمام محطات الألم والحسرة علي بلدي الذي يضم ثلثي آثار العالم ولكنه ـ لخيبتنا القوية ـ لا يستقبل ثلث سياح تونس واللهم لا حسد وعيني عليك باردة يا تونس يا حبيبتي‏.‏
فهل كان عبطا مني ومن أحد الزملاء المصريين حين قلنا مازحين للأستاذ التيجاني الحداد وزير السياحة التونسي‏:‏ أعطنا مما أعطاك الله؟‏,‏ وفهم الرجل المزحة المصرية وقال وهو يمسك الخشب من حقه‏:‏ اتفقت بالفعل مع وزير السياحة المصري علي دعم التعاون بين وزارتينا وتبادل التجارب والخبرات في المجالات الفندقية وتخطيط المناطق السياحية والتعامل مع الأسواق الخارجية‏,‏ وزير السياحة المصري أصر علي تنشيط حركة تبادل الخبرات بين الجانبين‏.‏
نسيت أن أقول إن التيجاني الحداد رجل السياحة الأول في تونس كان كاتبا صحفيا متخصصا في السياحة فقال له الرئيس التونسي زين العابدين بن علي تعال وتسلم حقيبة السياحة لتطبق كل أفكارك وملاحظاتك وانتقاداتك‏,‏ لذلك كان يجب أن نسأل الرجل عن الفرق بين موقعه الآن كوزير سياحة وموقعه السابق ككاتب سياحي‏.‏
قال‏:‏ الفرق أكبر من التصور‏.‏ إنه ـ باختصار ـ الفرق بين الكاتب والمسئول‏,‏ وشتان ما بين الجلوس فوق ربوة ممسكا بالقلم والورقة منتقدا ومحللا ومقترحا وبين أن تصبح يدك في نار المسئولية عليك تحمل كل أنواع النقد‏.‏ واعترف بأن رؤيتي تغيرت بعدما أصبحت مسئولا‏,‏ خاصة إزاء الأشياء التي تتحكم فيها الإمكانات‏.‏ ولذلك كان من أهم الأشياء التي حرصت عليها تنمية الوعي السياحي لدي المواطن ليعرف أن السياحة تسهم بدور كبير في الدورة الاقتصادية في البلاد التي لا تمتلك ثروات أخري وبالتالي يصبح المواطن هو العين الساهرة علي السياحة إلي جانب المسئولين الذي يقومون بواجبهم في التسويق والترويج والتفاعل مع المحيط السياحي الذي يعيش فيه‏.‏
لم يشأ وزير السياحة التونسي وضع دور المواطن في النهضة السياحية بين قوسين بل كان واضحا حين وضعه جنبا إلي جنب المسئولين الرسميين علي السياحة‏,‏ ولأن الذي في رأسه بطحة يحسس عليها وضعت يدي فوق رأسي مسترجعا المضايقات التي يتعرض لها السائح في مصر من متسولين واستغلال سائقي التاكسي ونصب أصحاب الدواب في منطقة الهرم و‏....‏ و‏.....‏
ولم نفق من البطحة إلا علي تنبيه الوزير التيجاني بأن الصورة الوردية التي نراها الآن لم تكن كذلك قبل عام‏2004,‏ فمنذ أحداث سبتمبر والعالم السياحي في حركة ركود لم تنته ـ علي حد قول وزير السياحة ـ إلا مع إطلالة عام‏2004‏ حيث استقبلت تونس ستة ملايين سائح انعشوا خزينة الدولة بملياري دولار‏.‏
يضيف الوزير‏:‏ أصبح لدينا الآن‏225‏ ألف سرير سياحي و‏125‏ ألف غرفة فندقية و‏380‏ ألف عامل مباشر في القطاع السياحي إلي جانب عمال غير مباشرين ومتداخلين متعددين يتوقف دخلهم علي انتعاش السياحة‏.‏
ولأن الأسعار مرتفعة في تونس بصورة ملحوظة اهتم الوزير بأن يوضح أن مسألة الأسعار محل نظر دائم مع الوضع في الاعتبار شيئين في غاية الأهمية‏,‏ أولهما أن القطاع السياحي في تونس قطاع خاص‏,‏ والثاني أن دور الدولة هو العمل علي ارتفاع المداخيل السياحية دون الإضرار بقدوم السياح إلي البلد‏,‏ لقد كانت هناك معاناة من تدني الأسعار قبل عام‏2004‏ وهي المعاناة التي تشاطرنا فيها مع أسبانيا وتركيا‏,‏ الآن يجب علينا إعادة الاعتبار للأسعار وفي الوقت نفسه توفير الطلب علي السياحة التونسية‏.‏
السياح في تونس من كل أنحاء الدنيا كما رأينا بعيوننا‏,‏ لكن الوزير التونسي لا يخفي أمانيه بأن تشهد السياحة العربية البينية انتعاشا كبيرا قائلا‏:‏ نعم كنا نضع السائح الأجنبي كهدف أول ولم نكن نتبادل السياحة إلا مع مصر لكن بدأنا ندرس الآن مع وزراء النقل العرب كيفية فتح الأبواب العربية في وجه شركات الطيران العربية وصولا إلي أسعار مقبولة متماشية مع السائح العربي‏,‏ كذلك ندرس إمكانية منح التسهيلات في مجال منح التأشرات وتسهيل مرور المواطن العربي من بلد إلي آخر‏,‏ هذا الملف سيظل مفتوحا حتي نجد له حلا مريحا لكل الأطراف‏,‏ ومع ذلك يجب التأكيد علي أن أكبر عدد من السياح يأتون إلي تونس من ليبيا حيث استقبلنا هذا العام مليونا و‏250‏ ألف سائح ليبي‏,‏ يليهم في العدد السائح الجزائري ثم يأتي في المرتبة الثالثة السائح الفرنسي حيث استقبلنا مليون سائح فرنسي‏,‏ ثم تأتي السوق الألمانية تليها السوق الإنجليزية‏.‏
‏**‏ سؤال مباشر يا معالي الوزير‏:‏ ماذا تنفقون من دعاية ليأتي إليكم السائح؟
ويجيب الوزير إجابة مباشرة أيضا‏:‏ مثلا ننفق علي السائح الألماني‏17‏ دينارا فتأتي إلينا‏500‏ دولارا‏..‏ وإذا شئت رقما إجماليا فهو‏50‏ مليون دينار وهو لا يساوي شيئا إذا قارنته بالدخل من السياحة‏.‏
**‏ ماذا تقولون في دعايتكم لأنفسكم؟
يقول التيجاني الحداد‏:‏ العالم كله أصبح يعرف أن تونس منتج سياحي غني بالحضارات العريقة التي مرت من هذا البلد مخلفة وراءها مخزونا حضاريا كبيرا‏,‏ تونس أنعم الله عليها بجمالها المتنوع‏,‏ فالطبيعة في الشمال تختلف عنها في الجنوب‏,‏ لدينا كل المناظر التي تشكل المنتوج السياحي فأثريناها بمنتوج آخر يعتمد علي السياحة البحرية وسياحة الجولف والسياحة العلاجية بالمياه المعدنية والسياحة الصحراوية التي حققنا فيها قفزة نوعية لأن السياح الصحراويين يزداد عددهم بصورة كبيرة‏,‏ كما أن هناك عنصرا آخر يساعدنا علي ترويج تونس وهو موقعها فنحن علي بعد خطوات إذا صح التعبير من السوق الأوروبية فالمسافة بيننا وبين مرسليا وروما مثلا تقاس بالدقائق وليس بالساعات‏,‏ ودعني أضيف عنصرا مهما يحسم المسألة وهو أن تونس ليست لديها موارد طبيعية تحتية فكان لابد أن نعوض ذلك بثروة أخري‏..‏ كل الشعب التونسي يدرك ذلك‏..‏ ولذلك السياحة بالنسبة لهذا البلد هدف استراتيجي لأنه وسيلة الحياة الأهم ولا أقول الوحيدة‏.‏ وربما انعكس ذلك علي طبيعة الشعب التونسي الذي تجده مضيافا بشوشا يتقبل السائح بتسامح وعقل متفتح كل ذلك جعل تونس الاختيار الأول لدي السائح في كل مكان‏.‏ ولذلك أقول إننا لم نعد ننفق الكثير علي الترويج والتسويق‏.‏
‏**‏ فما المجهود الذي تبذله الدولة إذن؟
ـ كل مجهود الدولة ـ يجيب الوزير ـ مركز علي تنمية السياحة‏.‏ الحكومة هي حاجة الفندق والمطعم ووكالات الأسواق‏..‏ ننعش هذه الأماكن أولا ثم نسلمها إلي القطاع الخاص‏.‏ دور الدولة هو البحث عن أسواق جديدة للسياحة‏..‏ هناك‏30‏ مليون سائح صيني يجوبون العالم ونحن نعمل الآن علي أن يكون لنا نصيب من هذه الكعكة فأينما يوجد السائح نحن نطرق بابه حيثما كان‏,‏ إنني وزير منذ ستة أشهر فقط ولا أدعي أنني حققت أحلاما كثيرة خلال هذه الفترة القصيرة‏,‏ لكنني أستطيع أن أدعي أنني جعلت التنوع السياحي هدفي فذهبت إلي الصين واليابان وقطر والسعودية بحثا عن سياح‏.‏ نحن نعرف أن السياحة الخليجية لديها متطلبات خاصة يجب أن نكون جاهزين لها وهناك تجاوب من الأمير سلطان بن سلمان وزير السياحة السعودي الذي دعوناه إلي تونس ليري بنفسه‏,‏ كما أنني أؤمن بضرورة مشاركة القطاع الخاص لأن الدولة وحدها لا يجب أن تفعل كل شيء‏.‏
‏**‏ ما أحدث طبعة من السياحة التونسية؟
يجيب الوزير‏:‏ في فرنسا‏%80‏ من السياحة تعتمد علي المؤتمرات والمعارض والأزياء والصالونات‏.‏ ونحن لسنا أقل منهم فقد دخلت تونس هذا المضمار بالفعل وأصبحنا نستضيف عددا كبيرا من المؤتمرات الدولية والتظاهرات العالمية والبطولات الرياضية‏,‏ لقد نظمنا كأس العالم لكرة اليد وحققنا نجاحا كبيرا شهد به الجميع ونستعد لاستضافة قمة مجتمع المعلومات حيث من المتوقع أن يأتينا‏80‏ رئيس دولة و‏20‏ ألفا من المشاركين‏,‏ هذا النوع من السياحة يقفز بنا إلي أعلي ولذلك سنركز عليه أكثر وأكثر‏.‏
‏**‏ وماذا عن السياحة العلاجية والاستشفائية؟
نحن في المرتبة الثانية بعد فرنسا في السياحة العلاجية التي تعتمد علي البحر حيث لدينا‏35‏ مركزا للعلاج وننشيء عشرة مراكز أخري تدخل الخدمة السنة المقبلة بالإضافة إلي السياحة الاستشفائية بالمياه الجوفية‏,‏ولا أخفي سرا إذا قلت إن الخطوة القادمة هي السياحة الطبية حيث نستعد لبناء مدن طبية نستغل فيها موقعنا وكفاءات تونس الطبية وأعتقد أن هذا النوع سيجلب عددا كبيرا من السياحة‏.‏
خرجت من مكتب وزير السياحة التونسي ولا أملك إلا شيئين‏..‏ أولهما تعظيم سلام لأشقاء استثمروا إمكاناتهم أعظم الاستثمار‏,‏ ودمعة علي وطن أهدرت ثرواته علي اسوأ ما يكون الإهدار‏..‏ تعظيم سلام لتونس‏,‏ ودمعة من أجل مصر‏*‏