427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

بعد فشل محاولة
إجهاض الاستفتاء

مصر تخوض معركة الرئــــاسـة

‏ أحمد عبدالحكم


لم تتجاوز بعض أطراف العمل السياسي في مصر مرحلة لطم الخدود وشق الجيوب‏,‏ فالمتتبع لحركة أحزاب المعارضة الثلاثة الوفد والناصري والتجمع خلال الأسبوعين الماضيين يشعر وكأن طامة كبري علي الوطن قد حلت‏,‏ وأن الجفاف السياسي قد ضربت جميعها ربوع البلاد‏.‏
لكن المحصلة النهائية أن الشعب خرج إلي لجان الاستفتاء وقال نعم لتعديل الماد‏76..‏ والشاهد أن مصر ستختار رئيسها لأول مرة بين أكثر من مرشح‏..‏ بين الرئيس مبارك وخالد محيي الدين وربما يدخل السباق مرشحون آخرون‏.‏مانشتات الأحزاب الثلاثة وصفت يوم الأربعاء الماضي ـ يوم الاستفتاء ـ بأنه يوم الحداد الوطني وأخري بأنه يوم الخراب‏,‏ وثالثة بأنه يوم النكسة‏,‏ نكسة‏67,‏ في حين ظل الحزب الوطني الديمقراطي ومعه‏11‏ حزبا آخر في خندق آخر تطالب بالفعل الإيجابي والخروج لصناديق الاقتراع كطريق آمن للتحول السياسي الديمقراطي‏,‏ وما بين تشنج المعارضة وإصرار الأغلبية علي مواصلة الطريق جري الاستفتاء في موعده وأصبح النص الجديد للمادة‏76‏ ساريا منذ مساء الأربعاء الماضي لكن ما فعلته أحزاب المعارضة الثلاثة لا يمكن أن يمر دون استخلاص تداعياته المستقبلية علي مجمل العملية السياسية‏,‏ فلأول مرة ترفع المعارضة راية العصيان المدني‏,‏ أو بمعني آخر دعوة المواطنين ليس فقط لمقاطعة الاستفتاء ولكن لعدم الخروج من البيوت‏,‏ في هذا اليوم‏,‏ وهذا تطور غريب يجافي منطق العلاقة بين المعارضة والوطني كما أنه تصعيد في غير محله وقفز في المجهول‏,‏ حالة العصيان هذه هي ما دعت إليه بالضبط جماعة الإخوان المسلمين المحظورة‏,‏ بعد أن دخلت ـ ومازالت ـ في مرحلة تصعيد مع النظام طمعا في الفوز بأية مساحة علي خريطة اللعبة السياسية في مصر‏.‏
القفز إلي المجهول أيضا كان فعل المعارضة بمقاطعتها لجلسات الحوار الوطني بعد خمس جلسات كاملة‏,‏ تم التطرق فيها لتفاصيل في العملية الانتخابية والإصلاحات المنشودة بما يضمن عدم تزوير الانتخابات وتم بالفعل الاستجابة لكثير من البنود التي طرحتها المعارضة وتنازل الوطني عن عدد من أطروحاته‏,‏ وتم تضمين ميثاق الشرف الانتخابي كل مطالب المعارضة تقريبا‏,‏ حتي قانون الطواريء ساري المفعول تم الاتفاق علي إيقاف العمل به أثناء العملية الانتخابية في مجملها وعدم سريان بنوده علي كل ما يمت للانتخابات بصلة‏.‏
وقد اعترفت الأحزاب نفسها بأن الحوار الوطني عجل بإصلاحات سياسية كانت معطلة أو غير متوقع إجراؤها في الوقت الراهن‏,‏ لكن أطرافا في المعارضة نفسها اعترفت بأن استعجال التغييرات وخطي الإصلاح دون استيعاب لوجهات نظر كل الأطراف الفاعلة علي الساحة السياسية‏,‏ ربما أتي بنتائج مغايرة ومختلفة وربما انقلابية‏,‏ ولو وضعت المعارضة نفسها في السلطة‏,‏ وتصورت الوضع والأمر علي حقيقته لما قدمت أكثر ما قدمه الوطني‏,‏ ولما فعلت مثلما فعله نظام الرئيس مبارك‏,‏ لقد قذفت المعارضة بالكرة في وجه الوطني‏,‏ وقفزت من السفينة بعدما شرعت في طريق الإصلاح وصولا إلي بر المشاركة والشراكة في القرار أو بتعبير آخر في السلطة وإدارة الثروة‏,‏ وتناست المعارضة القاعدة الذهبية والمتعارف عليها في كل الديمقراطيات الناشئة‏,‏ أن الإصلاح دائما يأتي بالتدريج وأن ما لا يدرك كله لا يترك كله‏,‏ فقد وضعت الأحزاب الثلاثة نفسها في نفس الخندق مع جماعة الإخوان المحظورة‏,‏ ورغم التبريرات التي تسوقها تلك الأحزاب‏,‏ فإنها لم تقدم حتي الآن تبريرا موضوعيا ومقنعا عن حالة الانسحاب الوطني من الساحة السياسية‏,‏ إذ كيف يمكن أن يكون الانسحاب والتزام البيوت مشاركة وطنية‏,‏ وكيف يمكن تفسير أو قبول دعوة تلك الأحزاب بحالة العصيان الوطني‏,‏ فعلي مر التاريخ كنا نعرف أن العصيان دائما يكون في مواجهة المحتل الأجنبي وكان حزب الوفد له السبق في هذا في مرحلة الاحتلال الإنجليزي قبل عام‏1952,‏ مصدر برلماني كبير قال‏:‏ المعارضة تخلط الأوراق ولم يعد لديها خط فاصل بين ما هو وطني وما هو أجنبي‏,‏ فكيف يصور هؤلاء للمواطن المصري أن النظام الحاكم يقف في خندق الأجنبي‏,‏ أو يتساوي معه‏,‏ ولابد أن يعامل بنفس وسائل مقاومة المحتلين‏,‏ هذا نكوص عن مسيرة الديمقراطية‏,‏ وليست المادة‏76‏ نهاية المطاف‏,‏ فالباب فتح ولن يغلق أمام عملية الإصلاح التي لا يستطيع أحد إيقافها‏,‏ ليس لضغوط من هنا أو هناك‏,‏ وإنما لمقتضيات داخلية وثورة عالمية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة المجتمعية‏,‏ والتي أصبحت جميعها مدخلا وشرطا أساسيا لازما لقدوم الاستثمارات الأجنبية‏,‏ ووضع الدول علي خريطة الاقتصاديات الجديدة‏,‏ كما أن اللغط الكثير عن انتهاك حقوق الإنسان وتزوير الانتخابات وتأخر عمليات الإصلاح كلها تصب في طريق واحد هو عزوف المستثمر الأجنبي وحتي المستثمر المحلي نفسه عن توجيه أمواله للسوق المحلي‏,‏ ما يعني هجرة المال الخاص الذي أصبح عماد التنمية في معظم الدول حاليا إلي بلدان أخري تنعم بديمقراطية جديدة وتقدم مزايا تنافسية كثيرة‏,‏ هذه البلدان ليست بعيدة عن المنطقة بل في دول الجوار‏,‏ والخسائر الاقتصادية لاشك أنها تضيف أعباء لا قبل لنا بها‏.‏
إذا كانت هذه الصفحة ـ صفحة الاستفتاء ـ قد طويت فإن تداعياتها ستصل حتما إلي الانتخابات الرئاسية والانتخابات النيابية أيضا‏.‏
مصادر عديدة داخل أحزاب المعارضة أكدت أن المعارضة لم تقرر مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة والتي ستجري في غضون أربعة شهور‏,‏ ما يؤكد ذلك أن حزب التجمع المتحالف حاليا مع الحزبين الناصري والوفد مازال علي ترشيحه لزعيمه خالد محيي الدين ولم ينسحب أو يعلن رسميا عن عدم خوض الانتخابات حتي الآن مؤكدا أن الأمر معلق علي قانون انتخابات رئيس الجمهورية الذي سيناقشه مجلسا الشعب والشوري أواخر الشهر القادم علي أقصي تقدير‏,‏ وواضح أن التجمع مازال مصرا علي ترشيح زعيمه الذي يتمسك هو نفسه بهذا الترشيح ليس طمعا في الفوز وإنما ليكون أول مرشح رسمي معارض علي منصب رئيس الجمهورية في مواجهة مرشح الحزب الوطني الديمقراطي صاحب الأغلبية‏.‏
وفي هذا الصدد لن تستطيع أو لن يحبذ حزبا الوفد والناصري مقاطعة تلك الانتخابات كنوع من رد الجميل لحزب التجمع‏,‏ أو علي الأقل الظهور كجبهة معارضة متماسكة في مواجهة حزب الأغلبية‏.‏
الأمر الآخر أن تلك الأحزاب قد دخلت بالفعل مرحلة الاستعداد والتحرك السريع باتجاه انتخابات مجلس الشعب القادمة‏,‏ حزب الوفد علي لسان رئيسه الدكتور نعمان جمعة أكد أنه سيخوض الانتخابات في جميع الدوائر الانتخابية وذلك ربما لأول مرة بعد عودته للحياة السياسية‏,‏ التجمع نفسه بدأ حملة جادة كمحاولة لمضاعفة عدد مقاعده في المجلس القادم‏,‏ والناصري دخل الحلبة بعد أن خسر كل نوابه الذين خاضوا الانتخابات الماضية تحت مبادئه ولافتته وكان آخرهم حيدر بغدادي‏.‏
إذن المناخ مهيأ وفيه متسع للجميع‏,‏ ولس مجرد تعديل مادة في الدستور هو نهاية المطاف‏,‏ هناك حزمة من قوانين الإصلاح السياسي التي ستصب في خانة التعديل الدستوري‏,‏ وستدخل البرلمان تباعا خلال الشهر القادم وهي تعديلات علي قوانين مجلسي الشعب والشوري ومباشرة الحقوق السياسية والانتخابات‏,‏ وهي وإن كانت تصب في خانة إصلاح بعض العيوب والثغرات التي كشفتها الممارسة العملية وكانت مثار دعاوي قضائية وإشكالات قانونية مازال بعضها قيد النظر والتقاضي‏.‏
كل الأحزاب إذن علي المحك ولا مجال للانسحاب السياسي من ساحة العمل الوطني‏,‏ فأدوات الماضي لم تعد صالحة لاقتحام الحاضر والمستقبل‏*‏