427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

التراث الشعبي
يحسم المسألة

اللي نعرفه أحسن‏..‏

لا يمكن لمخلوق في بر مصر مهما بلغت سنوات عمره أن يزعم بأنه شاهد أو حتي سمع عن عملية انتخاب حاكم للبلاد فقد كانت مصر تسمي المملكة المصرية‏.‏
ورغم البهجة التي حملتها ومازالت كتب التاريخ المدرسي بثورة يوليو‏1952‏ التي حولت مصر من مملكة مستعبدة إلي جمهورية حرة‏..‏ إلا أن المصريين أيضا لم يختاروا رئيس جمهوريتهم ولو مرة واحدة ـ علي سبيل التجربة ـ حتي جاءت خطوة الرئيس مبارك ليفتح بابا طال إغلاقه في أن يختار المصريون حاكمهم‏.‏فجرت تلك الخطوة براكين الآمال والطموحات في اللحاق بقطار دول العالم المتقدم‏.‏
وبين كثرة الأحاديث وسخونة الكلمات‏..‏ تدور التنبؤات وأسئلة الدهشة‏:‏ يا تري مين اللي ينفع رئيس للبلد؟‏!‏
وتطل رأس التراث الشعبي بصوت يقطع الأحاديث‏:‏ يا جماعة المثل بيقول‏:‏ اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش‏.‏
وصوت أكثر انبطاحا وخنوعا‏:‏ يا عم اللي يجوز أمي أقوله يا عمي‏.‏
هذا الإرث الشعبي الذي يبدو مظهره سلبيا فرض علينا حوارا مع متخصص في هذا المجال لنقترب أكثر ونعرف حكمة الأجداد في ذلك‏..‏ ولهذا التقينا الدكتور إبراهيم أحمد شعلان أستاذ الأدب الشعبي وصاحب الموسوعة الضخمة التي تضم أكثر من‏150‏ ألف مثل شعبي توضح صورة الشعب المصري في أمثاله وعلاقته مع حكامه‏.‏
‏**‏ في البداية إلي متي يعود اهتمامكم بدراسة التراث الشعبي؟
منذ عام‏1958‏ وأنا مهموم بدراسة الشخصية المصرية فقد كان موضوع رسالة الماجستير عن الأمثال الشعبية وأما رسالة الدكتوراه فقد كان موضوعها النوادر الشعبية‏.‏
‏**‏ د‏.‏ إبراهيم تري كم مرة اختار فيها المصريون حاكمهم؟
علميا منذ عام‏332‏ قبل الميلاد وحتي عام‏1952‏ كان الحاكم أجنبيا وليس مصريا فقد تعاقبت علي مصر قوي الاحتلال اليوناني والروماني وغيرهم حتي فتحها العرب‏.‏ وكما يقول التاريخ فإن الحاكم الأجنبي كان همه أن يبعد المصريين عن سدة الحكم سواء كان ذلك بالترغيب أم التسلط والتخويف والترهيب وحتي بعد ثورة يوليو‏1952‏ لم يعرف المصريون اختيارا لحاكمهم‏.‏
‏**‏ هل معني ذلك أن المصري بطبيعته لا يصلح للقيادة؟
علي الإطلاق وإلا ما نجحت ثورة يوليو وجاء عبد الناصر وانتصر الرئيس السادات علي الجيش الذي لا يقهر كما كانوا يزعمون وحاليا الرئيس مبارك ولكن الظروف السياسية علي اختلافها عبر التاريخ هي التي حالت دون ذلك‏.‏
د. إبراهيم شعلان
**‏ ولكن المثل الشعبي يقول‏:‏ يا فرعون إيش فرعنك قال مالقيتش حد يردني فهل معني ذلك أن خلف المصري تاريخا من الخضوع والخنوع للحاكم؟
مع الأسف نعم فقد كانت العلاقة بين المصري وحاكمه علي مدي التاريخ علاقة يتحكم فيها أسلوب الشك وعدم الثقة المتبادلة فلم يجد المصري في حاكمه إلا القوة الغاشمة التي انقضت عليه لتسلبه حقه في المعيشة الحرة والحياة الكريمة هذه القوة التي لا قبل لها بها ولا يستطيع بوسائله المحدودة أن يواجهها والتاريخ يسجل كثيرا من الانتفاضات التي كانت تنتهي بالفشل وازدياد سطوة الحاكم وعنفه وهذه الصورة طوال التاريخ دفعت بالمصري إلي تقديس حياته الخاصة في أسرته بل إن العلاقة السيئة بين الحاكم والمصريين جعلتهم لا يندفعون وراء الأماني حتي لا يصدم الناس بالواقع والتغيير يقول المثل‏:‏ماتفرحوش في اللي انعزل إلا لما تشوفوا اللي نزل أو المثل‏:‏اللي تقول عليه موسي يطلع فرعون‏.‏
‏**‏ هل أثرت تلك الحالة عبر قرون التاريخ في سلوكيات المصريين تجاه الحاكم؟
نعم ولكنه تأثير تحايل فيه المصري علي الواقع ليسلم من البطش والغدر هذه الثقة المعدومة ولدت الانعزالية والخوف حتي أنهم لا يستطيعون أن يواجهوه علنا فعليهم أن يتهامسوا بمشاعرهم فيقول المثل‏:‏الملك من هيبته بينشتم في غيبته إنهم يعرفون سطوته وظلمه وليس أمامهم إلا التعاون معه واحتمال إيذائه فيقولون في الأمثال‏:‏إن كان لك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي أو استخدام الرشوة فيقول المثل‏:‏ارشوا تشفوا أو البرطيل شيخ كبير وقد يقولون بعض الأمثال التي يواسون بها أنفسهم عما يصيبها من أذي وظلم ومنها ضرب الحاكم شرف وإذا كانت هذه طبيعة الحاكم مع الشعب فإن الشعب في كل وقت يري في زوال الحاكم إشباعا لرغباته الدفينة ومن ثم يري الموت أحد الحلول الحسنة للتخلص منه فالموت قد يكون أحد الأسلحة التي تعمل لصالح الشعب‏.‏
‏**‏ المثل الشعبي يقول‏:‏إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه أليس ذلك حبا للسلطة وتشوقا إليها يعكس ما قلناه من الاستسلام والبعد عن الحاكم والانزواء؟
المصري يعرف أن الحاكم لا يمكن أن يصل إلي هذه القوة إلا عن طريق الإدارة لذلك تراه يفضل العمل الحكومي لأنه يمنح صاحبه القوة والمنعة ويضفي عليه العزة والسطوة وفي ذلك يقول المثل‏:‏المنصب روح ولو كان في المسكة والمسكة هي ولامؤاخذة الجلة علي أنه تنبغي ملاحظة أنه لم تكن هناك عزلة تامة بين الحاكم أو الحكام وباقي الناس وأن هذه العزلة يمكن أن تكون موجودة بين الحكام والطبقات الدنيا التي تتحمل في كل الأوقات وتحت كل الظروف ألوان الضغوط المباشرة وغير المباشرة التي تقع علي مستوي الوطن‏..‏ ولأن الحاكم منذ آلاف السنين وحتي‏1952‏ غير مصري‏..‏ ذلك دفع الناس إلي محاولة إرضائه لدرء بطشه وظلمه يقول المثل‏:‏اربط الحمار مطرح ما يقول لك صاحبه وفي تطوير ساخر من الحاكم أي حاكم وعلي أي مستوي صغير‏:‏أربط الحمار مطرح ما يقول لك الحمار والحمار الأخير يقصد به الحاكم أو صاحب الأمر‏.‏
‏**‏ يقولون المناخ يخلق التفكير‏..‏ وها هو الرئيس مبارك يقدم مناخا جديدا وهو اختيار رئيس الدولة عن طريق الانتخاب المباشر تري في نظركم إلي أي مستوي من النجاح ستصل تلك التجربة؟
الحقيقة هي خطوة رائدة تخالف كل الثوابت التي حكمت بها مصر منذ آلاف السنين ولو قدر لها النجاح ستنتقل بالبلاد إلي مستقبل غير عادي ولكن التغيير ليس بقرار ولكن بتغيير مفاهيم وعلاقات وتغيير مستويات اجتماعية والحفاظ علي الطبقة الوسطي فهي حزام الأمان في المجتمع وهي القادرة علي الانطلاق بالمجتمع‏.‏ وذلك يتطلب أجيالا للمراجعة والتدريب ولكن ظاهر الحال الآن أن الطبقة الوسطي تتلاشي وذلك مكمن الخطورة وإذا حاولنا تقريب المفاهيم وضربنا مثلا لذلك‏:‏ إذا كان ابن البواب خريج الجامعة صاحب كفاءة عالية وابن المسئول الذي تخرج بدرجة أدني وبلا كفاءة لمن تقدم للوظيفة أو يسند إليه عمل ما‏.‏ إذا كانت صاحب الكفاءة ابن البواب فذلك خطوة علي طريق التصحيح والنهضة أما إذا كان العكس فهو قهر للطبقة الوسطي وضياع المجتمع لأنه في نهاية المطاف يكون مجموعة الحكام وأصحاب القرار من الشخصيات التافهة‏.‏
ومن هنا يولد الفساد‏.‏
‏**‏ دعنا نقترب أكثر تري لو كان هناك مرشحان في الانتخابات الرئاسية القادمة أمام الرئيس مبارك ـ إذا رشح نفسه ـ فلمن تكون أصوات المصريين؟
لا يمكن بين يوم وليلة أن يتغير ميراث آلاف السنين لابد لذلك من فترة زمنية كافية وليس أياما أو أشهرا لأن التراث لن يتركنا أو يمكن الانسلاخ عنه بهذه السرعة وستجدنا نتكيء علي هذا التراث ونحتمي به ونقول‏:‏اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش المسألة كما قلت العدالة الاجتماعية أولا والحفاظ علي الطبقة الوسطي حتي لا يكون مصير الكفاءات الانتحار النفسي وربما الجسدي لأنهم بلا حسب ونسب وواسطة كبيرة‏.‏ أقول لك حادثة طريفة متكررة وهي أنني ذهبت ذات مرة للاستفتاء لأضع صوتي فوجدتني قد أدليت بصوتي فماذا فعلت عدت إلي بيتي شأن جميع من ذهبوا ووجدوا أنفسهم قد أدلوا بأصواتهم‏.‏ لابد وأن تسقط مقولة‏:‏ إنت ابن مين؟‏!‏ وتلك أولي خطوات الإصلاح الحقيقي‏.‏
أما الانتخاب القادم فسيكون مع حريته التامة وضمان استقلاله وتوافر كل سبل الحرية للمواطن للرئيس مبارك ـ إذا رشح نفسه ـ لأن التغيير لم يحدث بعد ونحتاج بعض الوقت ـ كما قلت ـ إلي التدريب وتغيير المفاهيم والإصلاح‏*‏

‏5‏ عناصر تشكل وجدان المصريين


خمسة عناصر يمكن من خلالها معرفة الشخصية المصرية وسبر أغوارها‏..‏ عددها الدكتور إبراهيم أحمد شعلان ـ أستاذ الأدب الشعبي ـ وهي الأسرة والدين والحاكم والمكان والزمان‏..‏ وبشيء من التفصيل قال د‏.‏ إبراهيم‏:‏ المصري أسري بطبيعته بل إن الحفاظ علي الأسرة والعبور بها إلي بر الأمان كان من شأنه التنازل عن حقوق كثيرة علي مستوي العمل السياسي خوفا من تشرد وتفكك تلك الأسرة إذا ما حدث له مكروه أو أبعد عنها‏.‏ وحتي وقت قريب كانت دار العيلة تضم جميع الإخوة وزوجاتهم تحت عباءة الأب أو كبير العائلة كما يقول المثل‏:‏ اللي ملوش كبير يشتري له كبير‏.‏
أما الدين فالمصري متدين بطبعه فهو أول من عرف الآخرة والحياة الأخروية وعبادة الإله الواحد‏..‏ لأننا ببساطة مجتمع زراعي يرمي البذرة في الأرض وينتظر من الله إنباتها‏,‏ فالله عند المصري مالك كل شيء‏..‏ لأنهم خلقوا دون إرادتهم ويموتون أيضا دون إرادتهم‏.‏
أما الحاكم فكان ولابد من أن يكون حازما حتي يستطيع التحكم في توزيع مياه النيل وضبط وربط المجتمع‏..‏ ولكن حظ مصر منذ‏2400‏ عام وحاكمها أجنبي وذلك خلق حالة من العداء الخفي والكراهية للحاكم والانعزال خوفا علي الأسرة التي يري فيها ثمار حياته من بطش وظلم الحاكم‏.‏
أما العنصر الرابع فهو المكان‏..‏ فوحدة المساحة وعدم تقطعها وسهولة أراضيه وتشابه ظروفه وطقسه جعلت للمكان دورا كبيرا في الترابط‏.‏
نأتي إلي العنصر الخامس وهو الزمان‏..‏ ومعروف فرعونيا أن المصري يميل إلي الخلود الأخروي‏..‏ وأيضا الاتكاء علي الماضي اللي قبلنا قالوا وإن كلام الذين قبلنا هو الحكمة المطلقة التي نستسلم لها وكأنهم بمثابة بيت الخبرة الأمين‏.‏