427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص

إلا أن يشاء الله والموازنة

د‏.‏ مبروك عطية


الغد غيب‏,‏ ينظر إليه المتفائل علي أنه الصبح الجديد‏,‏ والأمل الوليد‏,‏ والسعادة القادمة من بعيد علي جناح البرق تنتظر فقط طلوع الفجر‏,‏ وينظر إليه المتشائم علي أنه أسوأ من اليوم كما كان اليوم أسوأ من الأمس‏,‏ ولارتفاع الأسعار الدائم دخل كبير في ذلك‏,‏ يقول لك المتشائم‏:‏ هل ارتفع سعر شيء وعاد فرخص؟ أبدا‏,‏ هكذا‏,‏ ومعدلات التضخم تطارد المشغولين بالاقتصاد‏,‏ فهم ينظرون إلي نسبة هذا التضخم التي ترتفع شيئا فشيئا كل عام‏,‏ وينظرون في ضوء ذلك إلي سعر الجنيه باعتبار قيمته الشرائية بعد خمسين عاما وأنه سيكون بمثابة المليم الآن‏,‏ ومن الناس من يقول‏:‏ ربنا يستر علي الأجيال القادمة‏,‏ إننا لا ننظر إلي المستقبل نظرة واحدة‏,‏ مادمنا مختلفين في زوايا النظر‏,‏ مثل الذين يحضرون محاضرة لعالم كبير‏,‏ لكل زاوية‏,‏ ينظر منها‏,‏ فمنهم من ينظر إلي الفكرة وعمقها ومنهم من ينظر إلي الأسلوب وطريقة العرض‏,‏ ومنهم من ينظر إلي عيني المحاضر‏,‏ هل تتجه إلي الفتيات الحاضرات‏,(‏ بيعاكس‏),‏ ومنهم من ينظر إلي أناقته ورباط عنقه‏,‏ ومنهم من خرج من المحاضرة حزينا لأنه لم يتمكن من رؤية الحذاء والجورب‏(‏ الشراب‏)‏ والقرآن الكريم يدعو الناس إلي زاوية واحدة ينظرون منها إلي الغد الذي هو غيب‏,‏ وهي زاوية الذي يؤمن بأن الغيب كله لله‏,‏ وأن علمه عنده وحده‏,‏ قال الله تعالي‏:‏ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون‏,‏ فلا أحد في السموات ولا أحد في الأرض يعلم الغيب إلا الله‏,‏ فقل لقاريء الفنجان اتق الله وقل لفاتح المندل اتق الله‏,‏ وقل لمن يوشوش الودع إن الودع لا ينطق في مسمعك إلا بما يوسوس به الشيطان إليك‏,‏ وقل للذين يدعون علم الغيب‏:‏ اتقوا يوما يعض الظالم فيه علي يديه‏,‏ولات ساعة مندم‏,‏ وقل للذين يصدقون هذا الخبل والدجل لقد قال النبي صلي الله عليه وسلم‏:‏ من ذهب إلي عراف‏,‏ فصدقه فقد كفر بما نزل علي محمد‏,‏ فاستغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏.‏
وفي القرآن الكريم يقول الله ـ تعالي ـ‏:‏ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ونفس نكرة‏,‏ والنكرة تدل علي العموم والشمول‏,‏ فلا نفس كائنة ما كانت تدري ماذا تكسب غدا‏,‏ ومع ذلك هي مأمورة بأن تكسب الخير‏,‏ وتسعي إليه لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏,‏ والسؤال الآن‏:‏ هل يجوز للمسلم أن يقول سأفعل ذلك غدا إذا كان لا يدري ماذا يكسب غدا فلماذا يقول؟
والجواب‏:‏ إن ذلك يجوز بشرط ذكره الله ـ تعالي ـ في القرآن الكريم في آية الكهف‏,‏ حيث قال تعالي‏:‏ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسي أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا فالإسلام لا يكتم الناس‏,‏ ولا يحول بينهم وبين تطلعاتهم‏,‏ وتحقيق آمالهم وأمانيهم بالسعي الحلال‏,‏ والفكر الصحيح‏,‏ لكن ذلك علي شرط الموازنة‏,‏ ولكي يتضح ذلك جيدا يجب أن نتأمل في الغيب وفق الاحتمالات التي صارت قدرا مقدورا‏,‏ وواقعا مشاهدا‏,‏ فكم من صحيح بات وأصبح مريضا‏,‏ وكم من غني بات غنيا وأصبح فقيرا‏,‏ والعكس‏,‏ وهذا معني ما ذكره المفسرون في قوله الله ـ تعالي ـ‏:‏ كل يوم هو في شأن حيث قالوا‏:‏ يغني الله قوما ويفقر آخرين‏,‏ ويعز الله قوما ويذل آخرين‏,‏ ويهدي قوما ويضل الظالمين‏:‏ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏,‏ ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء‏,‏ وليس معني ذلك أن ينتظر المسلم السوء‏,‏ مادام علي طاعة‏,‏ وذلك وعد الله ـ عز وجل ـ‏:‏ إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم‏.‏
والأمر الذي لا صلة له بحسن ولا بسوء هو الأجل‏,‏ الذي لا يعلم متي يأتي إلا الله وحده‏,‏ ووضع المسلم نصب عينيه‏,‏ وفي فكره‏,‏ وفي وجدانه أنه ميت‏,‏ ولا يعلم متي سيموت‏,‏ ولا أين يموت يتوازي ونظرته إلي العمل‏,‏ فهو يعمل العمل الذي ينفعه بعد موته فهو يجتهد أكثر‏,‏ ويقدم الخير أكثر‏,‏ ويتعجله أكثر‏,‏ ذكر المؤرخون أن عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ كان يمشي في ضيعة له‏,‏ وكان إلي جواره أحد أبنائه‏,‏ فقال له عمر‏:‏
ـ لقد نويت يا ولدي أن أضم هذه الضيعة إلي بيت مال المسلمين‏.‏
فقال الفتي لأبيه
ـ ومتي تفعل ذلك؟
فقال عمر‏:‏
ـ يوم الجمعة إن شاء الله
فقال الفتي‏:‏
ـ ولماذا يوم الجمعة؟
فقال عمر‏:‏
ـ حتي أشهد الناس علي ذلك
فقال الفتي‏:‏
ـ ومن يضمن لك عمرك يا أبي إلي الجمعة‏,‏ افعل ذلك من الآن وأنا عليك من الشاهدين
فقال عمر‏:‏
الحمد لله الذي جعل من ذرية عمر من يعينه علي طاعة الله إن أناسا كثيرين ينظرون إلي الحياة علي أن العمر فيها طويل وهذا وهم‏,‏ وقول بلا دليل‏,‏ وقد شاع علي ألسنة كثير من الناس‏.‏
‏*‏ الجيات أكثر من الريحات
‏*‏ الأيام بيننا
‏*‏ لسه بدري
‏*‏ بكره تعرف
‏*‏ بكره أوري لك
‏*‏ الشاطر اللي يضحك ف الآخر
‏*‏ الزمن بيننا طويل
‏*‏ يمكن أفكر ف الموضوع ده بعد سنة
وليس في ذلك مشيئة‏,‏ وإنما علي سبيل الجزم والقطع‏,‏ والذي يقول بعد سنة كده أو سنتين قد يكون في عداد الموتي بعد لحظة واحدة فضلا عن دقيقة وساعة وشهر وسنة‏,‏ ومن هنا يكون قولنا‏:‏ إلا أن يشاء الله استثناء واجبا يسفر عن عقيدة مستقرة في القلب بأن لله الغيب‏,‏ ومادام الغيب لله‏,‏ والموت فيه محتمل فقد وجب صالح العمل ودفع السوء‏,‏ وتطهير النية من الطمع في الدنيا‏,‏ ونقل هذا الطمع من القلب إلي السواعد‏,‏ حتي تعمل وتنشط وتبني وتعمر‏,‏ وتزرع وتخضر‏,‏ وتشق الأنهار‏,‏ وتغرس الأشجار‏,‏ ويسيل الندي في الوديان بعدما لمع فوق الأباطح‏,‏ فإن استقرار فكرة الخلود في القلب انتزاع للإيمان منه‏,‏ وتعجيل بفناء الحياة‏:‏ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها‏,‏ فضلوا عن آيات الله‏,‏ واتبعوا الشياطين‏,‏ فضلوا عن سواء السبيل‏,‏ وما عرفوا الهدي‏,‏ ولذلك تأتي الآية بعدها من سورة يونس مبينة الفرق بين هؤلاء الكافرين وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏,‏ يقول الله ـ تعالي ـ‏:‏ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم‏,‏ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فالإيمان يهدي المؤمنين إلي ما ينفعهم في الآخرة من زراعة الدنيا بعمل الصالحات‏,‏ فهم لا ينظرون إلي الغد نظرة من اشتري كفنه استعدادا للموت‏,‏ ولكن من اشتري خبزا لليتامي والمساكين ولن يعدم أحدا يشتري له الكفن ساعة يموت‏.‏