
|
غواص
إلا أن يشاء الله والموازنة |
د. مبروك عطية الغد غيب, ينظر إليه المتفائل علي أنه الصبح الجديد, والأمل الوليد, والسعادة القادمة من بعيد علي جناح البرق تنتظر فقط طلوع الفجر, وينظر إليه المتشائم علي أنه أسوأ من اليوم كما كان اليوم أسوأ من الأمس, ولارتفاع الأسعار الدائم دخل كبير في ذلك, يقول لك المتشائم: هل ارتفع سعر شيء وعاد فرخص؟ أبدا, هكذا, ومعدلات التضخم تطارد المشغولين بالاقتصاد, فهم ينظرون إلي نسبة هذا التضخم التي ترتفع شيئا فشيئا كل عام, وينظرون في ضوء ذلك إلي سعر الجنيه باعتبار قيمته الشرائية بعد خمسين عاما وأنه سيكون بمثابة المليم الآن, ومن الناس من يقول: ربنا يستر علي الأجيال القادمة, إننا لا ننظر إلي المستقبل نظرة واحدة, مادمنا مختلفين في زوايا النظر, مثل الذين يحضرون محاضرة لعالم كبير, لكل زاوية, ينظر منها, فمنهم من ينظر إلي الفكرة وعمقها ومنهم من ينظر إلي الأسلوب وطريقة العرض, ومنهم من ينظر إلي عيني المحاضر, هل تتجه إلي الفتيات الحاضرات,( بيعاكس), ومنهم من ينظر إلي أناقته ورباط عنقه, ومنهم من خرج من المحاضرة حزينا لأنه لم يتمكن من رؤية الحذاء والجورب( الشراب) والقرآن الكريم يدعو الناس إلي زاوية واحدة ينظرون منها إلي الغد الذي هو غيب, وهي زاوية الذي يؤمن بأن الغيب كله لله, وأن علمه عنده وحده, قال الله تعالي: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون, فلا أحد في السموات ولا أحد في الأرض يعلم الغيب إلا الله, فقل لقاريء الفنجان اتق الله وقل لفاتح المندل اتق الله, وقل لمن يوشوش الودع إن الودع لا ينطق في مسمعك إلا بما يوسوس به الشيطان إليك, وقل للذين يدعون علم الغيب: اتقوا يوما يعض الظالم فيه علي يديه,ولات ساعة مندم, وقل للذين يصدقون هذا الخبل والدجل لقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: من ذهب إلي عراف, فصدقه فقد كفر بما نزل علي محمد, فاستغفروا ربكم ثم توبوا إليه. وفي القرآن الكريم يقول الله ـ تعالي ـ: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ونفس نكرة, والنكرة تدل علي العموم والشمول, فلا نفس كائنة ما كانت تدري ماذا تكسب غدا, ومع ذلك هي مأمورة بأن تكسب الخير, وتسعي إليه لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت, والسؤال الآن: هل يجوز للمسلم أن يقول سأفعل ذلك غدا إذا كان لا يدري ماذا يكسب غدا فلماذا يقول؟ والجواب: إن ذلك يجوز بشرط ذكره الله ـ تعالي ـ في القرآن الكريم في آية الكهف, حيث قال تعالي: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسي أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا فالإسلام لا يكتم الناس, ولا يحول بينهم وبين تطلعاتهم, وتحقيق آمالهم وأمانيهم بالسعي الحلال, والفكر الصحيح, لكن ذلك علي شرط الموازنة, ولكي يتضح ذلك جيدا يجب أن نتأمل في الغيب وفق الاحتمالات التي صارت قدرا مقدورا, وواقعا مشاهدا, فكم من صحيح بات وأصبح مريضا, وكم من غني بات غنيا وأصبح فقيرا, والعكس, وهذا معني ما ذكره المفسرون في قوله الله ـ تعالي ـ: كل يوم هو في شأن حيث قالوا: يغني الله قوما ويفقر آخرين, ويعز الله قوما ويذل آخرين, ويهدي قوما ويضل الظالمين: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة, ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء, وليس معني ذلك أن ينتظر المسلم السوء, مادام علي طاعة, وذلك وعد الله ـ عز وجل ـ: إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم. والأمر الذي لا صلة له بحسن ولا بسوء هو الأجل, الذي لا يعلم متي يأتي إلا الله وحده, ووضع المسلم نصب عينيه, وفي فكره, وفي وجدانه أنه ميت, ولا يعلم متي سيموت, ولا أين يموت يتوازي ونظرته إلي العمل, فهو يعمل العمل الذي ينفعه بعد موته فهو يجتهد أكثر, ويقدم الخير أكثر, ويتعجله أكثر, ذكر المؤرخون أن عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ كان يمشي في ضيعة له, وكان إلي جواره أحد أبنائه, فقال له عمر: ـ لقد نويت يا ولدي أن أضم هذه الضيعة إلي بيت مال المسلمين. فقال الفتي لأبيه ـ ومتي تفعل ذلك؟ فقال عمر: ـ يوم الجمعة إن شاء الله فقال الفتي: ـ ولماذا يوم الجمعة؟ فقال عمر: ـ حتي أشهد الناس علي ذلك فقال الفتي: ـ ومن يضمن لك عمرك يا أبي إلي الجمعة, افعل ذلك من الآن وأنا عليك من الشاهدين فقال عمر: الحمد لله الذي جعل من ذرية عمر من يعينه علي طاعة الله إن أناسا كثيرين ينظرون إلي الحياة علي أن العمر فيها طويل وهذا وهم, وقول بلا دليل, وقد شاع علي ألسنة كثير من الناس. * الجيات أكثر من الريحات * الأيام بيننا * لسه بدري * بكره تعرف * بكره أوري لك * الشاطر اللي يضحك ف الآخر * الزمن بيننا طويل * يمكن أفكر ف الموضوع ده بعد سنة وليس في ذلك مشيئة, وإنما علي سبيل الجزم والقطع, والذي يقول بعد سنة كده أو سنتين قد يكون في عداد الموتي بعد لحظة واحدة فضلا عن دقيقة وساعة وشهر وسنة, ومن هنا يكون قولنا: إلا أن يشاء الله استثناء واجبا يسفر عن عقيدة مستقرة في القلب بأن لله الغيب, ومادام الغيب لله, والموت فيه محتمل فقد وجب صالح العمل ودفع السوء, وتطهير النية من الطمع في الدنيا, ونقل هذا الطمع من القلب إلي السواعد, حتي تعمل وتنشط وتبني وتعمر, وتزرع وتخضر, وتشق الأنهار, وتغرس الأشجار, ويسيل الندي في الوديان بعدما لمع فوق الأباطح, فإن استقرار فكرة الخلود في القلب انتزاع للإيمان منه, وتعجيل بفناء الحياة: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها, فضلوا عن آيات الله, واتبعوا الشياطين, فضلوا عن سواء السبيل, وما عرفوا الهدي, ولذلك تأتي الآية بعدها من سورة يونس مبينة الفرق بين هؤلاء الكافرين وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات, يقول الله ـ تعالي ـ: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم, دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فالإيمان يهدي المؤمنين إلي ما ينفعهم في الآخرة من زراعة الدنيا بعمل الصالحات, فهم لا ينظرون إلي الغد نظرة من اشتري كفنه استعدادا للموت, ولكن من اشتري خبزا لليتامي والمساكين ولن يعدم أحدا يشتري له الكفن ساعة يموت.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|