427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
الاختبار الأوروبي في فرنسا‏!!‏

عبد المنعم سعيد


ينقسم الفكر العربي إزاء تجربة الاتحاد الأوروبي إلي مدرستين‏,‏ الأولي منها هي الذائعة والأكثر انتشارا بين النخبة والعامة وتقوم علي أن اتجاه أوروبا نحو الوحدة هو تطبيق لقانون تاريخي يقول بضرورة ظهور قوي عالمية تتوازن فيما بينها بينما تدير العالم في نفس الوقت‏,‏ ولذا فإن قيام أوروبا واتساعها وتعميق تكاملها ووحدتها هو في الحقيقة المقابل الموضوعي لانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم منذ انتهاء الحرب الباردة وانتهاء القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ أما الثانية وهي الأقل ذيوعا والأقل انتشارا فإنها تري التجربة كلها تشكل تاريخا جديدا لا يقوم علي الأقطاب وتصارعها وتنافسها علي مناطق النفوذ والثروات وإنما يقوم علي سيادة النموذج الرأسمالي الديمقراطي علي مستوي العالم‏,‏ هنا فإن القضية ليست إلي أي حد تتناقض أوروبا مع الولايات المتحدة‏,‏وإنما إلي أي حد تتكامل معها من خلال مؤسسات أمنية ـ حلف الأطلنطي ـ ومؤسسات سياسية واقتصادية ـ مجموعة السبعة والثمانية ومجموعة الدول الصناعية والشركات متعددة الجنسية ـ وقيم ديمقراطية وعلمانية‏.‏
ومن منطلق هاتين المدرستين تكون النظرة إلي الاستفتاء الفرنسي علي الدستور الأوروبي‏,‏ فبينما يري أنصار المدرسة الأولي أن تصويت الفرنسيين علي الدستور سوف يشكل كارثة للمشروع الأوروبي لمناهضة الولايات المتحدة‏,‏ فإن أنصار المدرسة الثانية سوف يرون في الموضوع مجرد نكسة صغيرة علي صعيد الاندماج السياسي الأوروبي‏,‏ ففي النهاية فإن قرارات فرنسا المالية سوف تعتمد علي البنك المركزي الأوروبي‏,‏ كما أن عملتها المالية سوف تظل اليورو‏,‏ كما أن الدخول والخروج من فرنسا سوف يظل رهنا بتأشيرات الشينجن التي تشترك فيها فرنسا مع دول أوروبية أخري‏,‏ كما أن الاقتصاد الفرنسي كله من حيث التجارة والاستثمارات سوف تظل مرتبطة بالقرارات التي يتم اتخاذها في بروكسل من خلال الهيئة الأوروبية والبرلمان الأوروبي‏,‏ ولا يستبعد إطلاقا أن يكون القرار الفرنسي المعبر عن الرفض هو في الحقيقة نوعا من المقاومة لاتجاه الغالبية الأوروبية في الاقتراب الإستراتيجي الاندماجي مع الولايات المتحدة وليس التنافس والخلاف معها وهو ما نتج عن انقلاب الأوضاع وتوازنات القوي داخل أوروبا نفسها نتيجة انضمام دول وسط وشرق أوروبا إلي الاتحاد الأوروبي لصالح واشنطن‏.‏ أما إذا قال الفرنسيون بنعم وهو الأرجح فإن ذلك سوف يعني أنهم قرروا في النهاية اللحاق بالسفينة الأوروبية في صيغتها المعدلة‏,‏ أو في صيغتها الأصيلة بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ والتي تجعلها جزءا من ساحة إستراتيجية هائلة تشمل أوروبا وأمريكا الشمالية عبر المحيط الأطلنطي‏.‏
وعلي أي الأحوال فإن الاستفتاء الفرنسي سوف يشكل مع المناقشات السائدة حوله داخل فرنسا وخارجها ساحة اختبار للأفكار الأوروبية حول التجربة التي استمرت قرابة نصف قرن من الزمان‏,‏ وعلي مدي ثمانية وأربعين عاما منذ توقيع اتفاقية روما في شهر مارس‏1957,‏ فإن المحطات الرئيسية في تغلب أوروبا علي ماضيها الدموي كان عبر تحقيق التوسع الأفقي بضم دول جديدة إلي طريق السلام والتعاون الاقتصادي‏,‏ والتوسع الرأسي بتعميق مستويات العلاقة بين الدول المنضمة ومجتمعاتها‏,‏ وقد حدث ذلك عندما تم توحيد التجمعات الأوروبية التكاملية الثلاثة ـ الحديد والصلب‏,‏ والجماعة الاقتصادية‏,‏ والجماعة الأوروبية للطاقة النووية ـ عام‏1966‏ فيما أصبح معروفا بالجماعة الأوروبية حيث تم ضم ثلاث دول عام‏1973‏ هي بريطانيا وأيرلندا والدنمارك‏,‏ وخلال الثمانينيات تم ضم ثلاث دول أخري ـ اليونان وأسبانيا والبرتغال ـ في الوقت الذي تم فيه إقرار مشروع الحريات الأربع الخاصة بانتقال العمل والخدمات والبضائع ورأس المال بحيث يتم استكمال خطوات‏:‏ السوق الأوروبية المشتركة قبل حلول عام‏.1992‏
ولا شك أن أوروبا كانت علي موعد مع القدر مع نهاية الثمانينيات حيث أصبح تقسيم أوروبا في طريقه إلي النهاية‏,‏ فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تولدت في أوروبا فرص تاريخية عمدت علي انتهازها‏,‏ وبينما كانت السوق المشتركة قد تم تحقيقها فإن معاهدتي ماستريخت ثم أمستردام بعد ذلك بدأت مسيرة أخري لتحقيق الوحدة المالية الأوروبية من خلال إنشاء بنك مركزي وعملة أوروبية واحدة هي اليورو وهو ما تحقق بالفعل عام‏2000,‏ وكما هي العادة فإن التعميق صاحبه التوسع بانضمام السويد وفنلندا والنمسا‏,‏ وعندما بدأ التفكير في الخطوة الأوروبية التالية نحو الوحدة بوضع دستور أوروبي كانت المفاوضات تجري عند مستويات مختلفة مع أربع عشرة دولة بأشكال مختلفة انضم منها عشر دول بالفعل وبقي أربع دول هي بلغاريا ورومانيا وكرواتيا وتركيا‏.‏
لقد حدث في أوروبا أكبر عملية هندسة سياسية في التاريخ لصنع سلام دائم في قارة لم تعرف سوي الحروب والغزوات والمذابح المتنوعة علي مدي الألفي عام الأخيرة من التاريخ تحت رايات ومذاهب شتي كانت الجيوش فيها تذهب في الاتجاهات الأربعة دون تمييز لخلق مجال أوروبي قائم علي القوة‏,‏ ومنذ الإمبراطورية الرومانية كانت القارة الصغيرة نسبيا قد شهدت عملية تجزئة قائمة علي القوميات والمذاهب الدينية والحدود غير المؤكد انتماؤها والتفاوت في مستويات القوة خلقت رغبة في التوسع لدي القوي وخوفا عدوانيا لدي الضعيف‏,‏ وربما كانت الحرب العالمية الثانية هي آخر الحروب الأوروبية التي كانت من العنف بما يكفي لخلق جيل من السياسيين يطالب بأن تكون هذه الحرب آخر الحروب‏,‏ وقد حدث ذلك بالفعل لأسباب متنوعة منها توازن الرعب النووي والحرب الباردة وانقسام أوروبا‏,‏ ولكن المؤكد أيضا أن خلق مشروع أوروبي للتكامل والوحدة قد خلق أملا دائما بأوروبا جديدة حقا قائمة علي التعاون والسلام‏.‏
وكان ذلك حلما بالفعل للدول التي وقعت تحت وطأة الأقدام الثقيلة لحلف وارسو والتي استمر حلمها في الحرية والانعتاق حتي انهارت الامبراطورية السوفيتية كلها فتدافعت نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي شكل أول تجمع إنساني يستند إلي مباديء ـ كوبنهاجن ـ تقوم علي الديمقراطية واحترام القانون وحقوق الإنسان وحماية الأقليات واقتصاد السوق الفعال والموافقة علي قوانين الاتحاد التي تم التوصل إليها في اتفاقيات سابقة وهي الواقعة في‏31‏ موضوعا حيويا للاتحاد كله‏,‏ فكما نجح الآباء الأوائل لحركة التكامل الأوروبي في إنشاء الجماعات الأوروبية الأولي وطرحها كبديل تعاوني لسياسات القوة في القارة الأوروبية‏,‏ فإن قيادات الحركة نجحت خلال ما يقرب من نصف قرن في التأكيد علي أن التجمع الأوروبي ليس ناديا مسيحيا أو جماعة للدول الغنية فقط‏.‏
لقد أصبح الاتحاد الأوروبي الآن يضم خمسا وعشرين دولة لديها‏370‏ مليونا من السكان يشكلون أكبر سوق اقتصادية في العالم ولكن المسيرة الأوروبية لم تنته بعد‏,‏ ورغم أن معظم الساسة الأوروبيين سوف يستبعدون قيام الولايات المتحدة الأوروبية في المستقبل المنظور إلا أنهم لن يستبعدوا أبدا درجات أعلي من الوحدة الأوروبية واتساعا للاتحاد لكي يشمل دول البلقان التي كانت متحاربة حتي وقت قريب‏,‏ وربما يستمر التمدد شرقا حتي أوكرانيا وتركيا‏,‏ مع علاقات خاصة مع دول الجوار القريب في جنوب البحر المتوسط حيث تجري بالفعل عملية لإقامة منطقة للتجارة الحرة في إطار إعلان برشلونة‏.‏
ومن يعش سوف يري الكثير من أوروبا‏,‏ ليس بالضرورة في صيغة صورة قطبية عسكرية وتكنولوجية قائمة علي المنافسة والمناطحة‏,‏ وإنما في صور جديدة للتفاعل الإنساني بين ثقافات وقوميات وحضارات متنوعة‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا