
|
هامش غياب رجل السياسة عن حياتنا!! |
 | |
نبيل عبد الفتاح لا تستطيع أن تكتشف كارثة التجريف السياسي التي تمت في مصر طيلة عقود عديدة, إلا عندما تطلب من أحد المهتمين بالسياسة أن يعدد بعض الشخصيات الحزبية, أو السياسية ذات التاريخ, والوزن كي تنافس علي المقعد الرئاسي ـ بكل هيبته واحترامه لدي المصريين ـ أمام الرئيس حسني مبارك أسماء عديدة طرحت من بعض أحزاب المعارضة, ومن عناصر تنتمي إلي قوي المعارضة الجديدة التي برزت أخيرا في الشارع كالحركة المصرية من أجل التغيير الشهيرة بتعبير كفاية, أو من صفوف المستقلين, أو عندما تسأل المثقفين, ثمة تخبط بصراحة, أو اختبارات عشوائية وبلا معايير أو اختيار شخصيات عامة أو أساتذة جامعات أو قضاة كبار سابقين. وهؤلاء وأولئك في الغالب الأعم قد يكونون بارزين في مجالات تخصصهم المهني القضائي أو الأكاديمي في الأدب أو النقد أو الاقتصاد والقانون والإدارة... إلخ, إلا أن التميز في مجال التخصص العلمي أو التكنوقراطي لا يصلح بذاته لكي تكون الشخصية صالحة لأن تنافس علي موقع رئيس الجمهورية في انتخابات حرة وتوافرت لها ضمانات قانونية وأمنية وإدارية, ورفعت فيها جميع القيود علي حرية الاقتراع, بل وكانت شفافة وتحت إشراف قضائي, لماذا, لأن التكوين السياسي شيء, والخبرة الوظيفية التكنوقراطية والإدارية شيء آخر تماما. هذا لا يعني أن هؤلاء جميعا ليس لهم الحق في دخول معترك التنافس الرئاسي, حتي وإن لم تكن هناك قيود ومطاعن علي المادة76 المقترحة التي تخالف نصوصا دستورية أخري. سأفترض أن لا قيود ولا ضوابط, وأننا إزاء سوق انتخابي رئاسي حر تماما, هل الفئات التكنوقراطية, وكبار الموظفين الذين شغلوا مواقع وزارية أو رؤساء حكومات طيلة نظام يوليو, صالحون أساسا للعمل السياسي في إطار سوق تعددي وتنافسي, بالقطع, لأن السياسي لا يعين بقرار, وإنما هو نتاج تكوين وتدريب وثقافة وتعلم ومهارات, وتراكم للخبرات السياسية والتنظيمية. نعم السياسي لا يمكن صناعته في أنابيب, ولا يمكن استنساخ خبراته, وذاكرته, ومهاراته, ولا يمكن إنتاج أو إعادة إنتاج خياله السياسي المرهف. السياسي هو ابن لحياة سياسية حرة وتنافسية, وليس فقط لدهاليز السلطة ومناوراتها علي أهمية ذلك, ولا هو نتاج للوساطات في تشكيل الوزارات, ولا في التعينيات في المواقع القيادية في الإعلام المرئي والمسموع, ولا في الصحف, أو في أجهزة الدولة, أو مواقعها المهمة. هو أهم وأكثر خطورة من الآليات الزبائنية أو المحسوبية في التجنيد السياسي, والأحري القول البيروقراطي للصفوة السياسية الحاكمة. غياب مرشحين بارزين قادرين علي التنافس علي الموقع الرئاسي السامي, هو حالة كاشفة عن تزامن وترابط ظاهرتي التجريف السياسي, والشيخوخة السياسية الجبلية. توحش أهل الثقة, وأصبحوا الحكام الحقيقيون, وتناسلوا فلم يقتصروا فقط علي استيلائهم علي مقاعد أهل السياسة الكفاءة, والعلم والخبرة, وإنما اختاروا من هم أقل كفاءة منهم هم محدودوها, وهكذا يختار كل مسئول من هو الأقل كفاءة منهم حتي وصلنا إلي الوضع الحالي ذي الأجواء شبه الكارثية استبعادات ممنهجة للكفاءات والمواهب, واعتبارها خطرا داهما علي استقرار النظام السياسي, وسلطة الحكم, والأجهزة البيروقراطية والإعلامية! تعيد السياسة الممنهجة للتجريف السياسي إلي الذاكرة ما قيل عن عميل من كبار قيادات الاتحاد السوفيتي السابق عمل لصالح الاستخبارات المركزية الأمريكية, وعندما اكتشف لم يكن دوره إفشاء أسرار الدولة العسكرية أو الاقتصادية, أو السياسية... إلخ! وإنما اختيار المستويات المتدنية من الكفاءات وترشيحها للمواقع القيادية الشاغرة! هذا هدف استخباراتي بالغ الخطورة, ونتائجه بالغة الجسامة والتأثير, وهو تفريغ الاتحاد السوفيتي من العناصر الكفؤة والموهبة من أن تفيد بلادها, ومن تعظيم ميزانية المواهب في البلاد. ما الذي أدت إليه ظاهرة التجريف السياسي في مصر؟ 1ـ غياب بدائل من القيادات, وصفوف تلو أخري من الكفاءات وذو الخبرة والمهارة, لأن قياداتهم كانت تخشي من هؤلاء المنافسين المحتملين, وبديلا عن تبني المواهب وتدريبها وإعطائها الفرص للتعلم, قامت باستبعادهم أو تحطيمهم, ولم يستطع الافلات من مقصلة قتل المواهب واغتيالها إلا من عصم ربك, ونادر حينا وأفلت أحيانا, وأصيب بالأمراض والطعنات أحيانا عديدة وهكذا.. إلخ. 2ـ أدي التجريف السياسي إلي الجمود السياسي تحت دعاوي شتي علي رأسها الاستقرار وتحقيق الإصلاح الاقتصادي, وحينا آخر بالدعوة إلي مواجهة الإرهاب وجماعاته المسلحة, ووقف غالبية المثقفين والكتاب مع الحكم ضد الجماعات التي تمارس العنف والإرهاب باسم الدين الحنيف, لكن حربا ضد الإرهاب بالسلاح والأقلام, ودونما تغييرات حقيقية, وإنما استمرار استبعاد المواهب والكفاءات والخبرات المصرية. 3ـ استمرارية نمط من الشيخوخة الجيلية, وسطوة كبار السن في جميع المواقع القيادية في البلاد, في الوزارة وتشكيلاتها العديدة, وفي المواقع الصحفية, وفي جميع المرافق العامة, والمؤسسات القومية, وكان من أبرز نتائج سلطة الشيخوخة, الجمود وغياب الهوية السياسية, وهيمنة أفكار وتقاليد وخبرات وظيفية تقاوم بها الزمن, ومرور الوقت, والترهل من خلال الجلوس علي المقاعد القيادية الوثيرة, فلم تعد قيادات فوق سن الستين والسبعين, تري العالم حولها ومتغيراته وتحولاته وعواصفه الكبري. إن نظرة علي طريقة أداء الحكومة والحزب الحاكم في صياغة ومناقشة تعديل المادة76 من الدستور كشفت وبوضوح عن كارثة الشيخوخة السياسية للقيادات التي تريد البقاء علي مقاعدها حتي آخر لحظة في حياتها, أطال الله عمر الجميع, لكن الخطورة أن البعض يتصور إن المواقع القيادية هي حكر عليهم, ويمتنع علي الأجيال الجديدة أن تصل إليها, وهو أمر يكشف عن أنانية سياسية وإنسانية لاشك أن هذه النزعة الأنانية بالغة الخطورة لأنها تؤدي إلي فجوات بين الأجيال, وتجعل أجيالا محظوظة وأخري مهمشة, ولا تؤدي إلي نقل الخبرات وتدفع إلي العدمية السياسية, والنزعة الانتحارية التي تتأسس علي اللامبالاة بالصالح العام للأمة, والأهمال, وغياب المسئولية الفردية والجماعية في جميع التصرفات! من هنا نستطيع أن نلاحظ غياب الاهتمام بالصالح العام للأمة وشيوع الأثرة, والمصالح الخاصة وراء تصرفات غالبية المسئولين ورجال الحكم واهتمامهم بشأنهم الخاص لا بالمسئولية عن جميع المواطنين, وتحول المواقع إلي وسيلة للتمتع بالسلطة والنفوذ ومزاياهم, ونقلها إلي الأبناء, وتخفيض الوظائف العامة في مجالات حساسة بلا مسوغ, واللامبالاة بدولة القانون, وقواعده علي اختلافها.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|