427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

ساترفيلد طالب حزب الله بعدم التدخل في الشئون اللبنانية

إدارة لبنان من مبني السفارة الأمريكية

‏ بيروت ـ فتحي محمود


عندما تصاعدت الأصوات المعترضة علي إجراء الانتخابات النيابية في لبنان وفقا للقانون الحالي الصادر عام‏2000,‏ وطالبت بتأجيل الانتخابات لاتاحة الفرصة أمام مجلس النواب لدرس وإقرار قانون آخر أكثر عدالة‏,‏ رد نبيه بري رئيس مجلس النواب بجملة واحدة تفيد أن موضوع إجراء الانتخابات في موعدها بدون تأجيل هو قرار أمريكي فرنسي‏.‏ وجسد هذا الموقف حقيقة التدخل الأجنبي وخاصة الأمريكي في لبنان‏,‏ والذي تصاعد منذ التمديد للرئيس إميل لحود برغبة سورية‏,‏ وبلغ ذروته بعد جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري‏,‏ ليصل إلي حد الإدارة المباشرة للأزمة اللبنانية‏,‏ فبعد صدور قرار مجلس الأمن‏1559‏ بدعم أمريكي فرنسي‏,‏ بدأت التحركات الأمريكية للضغط من أجل تنفيذ بنود القرار وعلي رأسها انسحاب القوات السورية من لبنان‏,‏ وعندما وقعت جريمة اغتيال الحريري وهب الشعب اللبناني في انتفاضة الاستقلال‏,‏ انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة الضغوط الدبلوماسية المختلفة‏,‏ إلي مرحلة المساهمة بشكل مباشر في إدارة الأزمة اللبنانية‏,‏ للوصول إلي أهداف معينة تبدأ بنزع الوصاية السورية تماما من لبنان‏,‏ وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية اللبنانية بما يتناسب مع الظروف الجديدة‏,‏ ويتسق مع المتغيرات الاقليمية والدولية‏.‏
ووصل نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ديفيد ساترفيلد إلي بيروت‏,‏ ليقود من داخل السفارة الامريكية بمنطقة عوكر بوصلة التغييرات الجديدة في لبنان‏,‏ وبشكل مباشر من خلال الاتصالات والنصائح اليومية لمختلف الأطراف‏,‏ وعندما اعترض حزب الله وحلفاء سوريا علي هذا التدخل الأمريكي الفج‏,‏ بعد تصريح شهير لساترفيلد طالب فيه حزب الله بعدم التدخل في الشئون اللبنانية‏,‏ ووصل هذا الاعتراض إلي مظاهرات الشوارع‏,‏ غادر ساترفيلد بيروت ليحل محله في نفس اليوم زميله نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط سكوت كاربنتر‏,‏ ليواصل نفس المهمة لعدة أسابيع‏.‏
وحتي بعد تحقق معظم مطالب المعارضة‏,‏ وانسحاب القوات السورية والاتجاه نحو إجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب‏,‏ استمر السفير الأمريكي لدي لبنان جيفري فيلتمان في تحركه لاعادة صياغة المستقبل السياسي للبنان‏,‏ وبعد لقائه أخيرا البطريرك الماروني مار نصرالله صفير ثم الجنرال العائد ميشال عون‏,‏ قال السفير‏:‏ لقد تحقق الكثير حتي الآن‏,‏ لكن من المهم أن نشير إلي أن عملية التغيير في لبنان لا تنتهي بانتهاء الانتخابات النيابية‏.‏
وبهذا التصريح يتجاوز الحديث عن التغيير حدود الشعارات المنمقة التي تحرص علي مداعبة آمال اللبنانيين وطموحاتهم‏,‏ إلي ما هو عملي ومنهجي ومبرمج‏,‏ وقد ينفذ وفق أجندة واضحة تحاول أن ترفع عنوان‏'‏ لبنان الجديد‏'.‏
لكن الوصول إلي هذا الهدف يمر بمحطات كثيرة تقوم علي الهدم واعادة البناء‏,‏ وترسم خطين أساسيين‏:‏ تصفية التركة السورية في لبنان كليا‏,‏ وتصحيح مسار تطبيق اتفاق الطائف الذي يرسي توازنات جديدة يفترض أن تشكل اقتناعا راسخا عند كل الفرقاء‏.‏
وتشير المعلومات المتداولة إلي أن عملية التغيير سوف تبدأ مع انتهاء الانتخابات النيابية أيا تكن نتائجها‏,‏ وذلك بانتخاب رئيس جديد للجمهورية يوحي بالثقة في الداخل والخارج‏,‏ وبتأليف أول حكومة وفاق وطني حقيقي وشامل وفقا لما نص عليه اتفاق الطائف‏,‏ وانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب‏,‏ بحيث يكون كل ذلك مؤشرا لبداية التغيير في لبنان التي تعوض الشوائب والنواقص في قانون الانتخابات التي شكا منها الجميع‏.‏
نبيه برى
وقد تباينت المواقف اللبنانية حيال التدخل الأمريكي السافر في الشأن اللبناني الداخلي‏,‏ حيث يعرب رئيس الوزراء السابق عمر كرامي عن استيائه من هذا التدخل‏,‏ وعندما قاطع الانتخابات قال‏:‏ نحن نري أن المجلس النيابي القادم كما يصرح السفير الأمريكي علي التلفزيونات أن الانتخابات هي البداية وبعدها وفورا ستكون هناك خطوات لاحقة وهي معروفة‏,‏ أولا تطبيق ما تبقي من القرار‏1559‏ وثانيا الصلح مع إسرائيل‏,‏ وما يليه من توطين وتطبيع‏,‏ هذا ما نراه ونرجو أن يكون ظننا في غير محله‏.‏
أما وزير الإعلام شارل رزق فعندما سأله الصحفيون عن رأيه في تصريحات السفير الأمريكي المستمرة عن ترتيب الأوضاع اللبنانية‏,‏ قال‏:‏ ليست وظيفة الحكومة تفسير كلام السفراء‏.‏ وفي بلد كلبنان‏,‏ السفراء أحرار في أن يقولوا ما يريدون‏,‏ ونحن نصغي إليهم‏,‏ علما أننا قد نطبق أو نأخذ بما يقولون وقد لا نأخذ به‏.‏ وأشعر كوزير أن لا وصاية علي من أحد إطلاقا‏.‏ ومن جهة أخري‏,‏ يجب ألا يصل بنا التزمت إلي حد الرد علي كل سفير‏,‏ ومن مصلحتنا جميعا كلبنانيين أن نسمع ما يقول السفراء‏,‏ لأنهم يمثلون رأيا مهما في العالم‏,‏ وذلك كي نعرف إلي أين يتجه العالم‏.‏ وبعد ذلك نبني بحسب مصلحتنا ورؤيتنا‏.‏
بينما نفي رئيس‏'‏ اللقاء الديموقراطي‏'‏ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط‏,‏ أن يكون إجراء الانتخابات وفق القانون الحالي هو مطلب أمريكي‏,‏ موضحا أننا كنا مع قانون الـ‏1960,‏ هذا القانون ركب عندما انهزم العرب عام‏1967,‏ أنتج عام‏1968‏ ما سمي الحلف الثلاثي كميل شمعون وبيار الجميل وسليمان فرنجيه‏(‏ ريمون اده‏).‏ وهذا الحلف الثلاثي الذي قضي علي الاعتدال المسيحي آنذاك أي الشهابية وأسس مع عناصر أخري للحرب الأهلية في لبنان‏,‏ إذا الموضوع ليس موضوع قانون‏,‏ موضوع جو عام‏,‏ أعتقد جو الاحتلال الاسرائيلي انتهي مع سوريا لابد من فتح صفحة أخوية صادقة جديدة ولابد من مناقشة مستقبل لبنان الحديث في جو هادئ بعد الانتخابات‏.‏
وعما يقال من أن السفيرالأمريكي قد تحول إلي رستم غزالة‏(‏ المسئول السابق عن المخابرات السورية في لبنان‏)‏ آخر‏,‏ رد جنبلاط‏:‏ لا‏,‏ هذه مزايدة‏.‏ صحيح أننا تعودنا نمطا معينا‏,‏ بالارتباط بسوريا‏,‏ وهناك فراغ لابد من تعبئته رويدا رويدا‏,‏ الانتخابات ستكون المحطة الأولي ثم لاحقا سنري وسنتعاطي بايجابية مع النفس الغربي من اجل تحديث لبنان ومعالجة الوضع الاقتصادي‏.‏
جنبلاط
وبعض الأطراف اللبنانية تتعامل مع التدخل الأمريكي علي أنه أمر طبيعي‏,‏ فالعماد ميشال عون مثلا لا يبدو مرتاحا إلي مدي اهتمام السفير الأمريكي جيفري فيلتمان به‏,‏ ويلاحظ أن السفيرحضرمتأخرا إليه للتحدث في موضوع الانتخابات‏,‏ مع أن اتصالاته بفرقاء آخرين في المعارضة تكاد تكون يومية‏,‏ أي أن عون لا يقلقه التدخل الأمريكي وإنما فقط يري أنه يجب أن يعطي له السفير أولوية في الاتصالات والتنسيق عن الباقين‏.‏
أما السفير الأمريكي نفسه فيرفض اعتبار ما يقوم به تدخلا في الشئون اللبنانية‏,‏ ويقول نحن لدينا بعض الدبلوماسيين وبعض الموظفين الأمريكيين هنا‏,‏ وليست لدينا القوة لنفعل ما يتهمنا به الناس‏,‏ لكن ما تفعله الولايات المتحدة هو دعم العملية التي علي الشعب اللبناني من خلالها تقرير مصير لبنان‏,‏ نحن لا نريد أن نري القرارات الأمريكية تنفذ داخل لبنان‏,‏ فالقرارات المهمة للبنان‏,‏ مثل قانون الانتخاب ومن سيكون في اللوائح يجب أن يتخذها الشعب اللبناني‏,‏ وهو يعلم ما هو أفضل لبلده‏,‏ لدينا إيمان بحكمة الشعب اللبناني ليصنع قراره بنفسه‏.‏
ومنذ أيام قام السفير الأمريكي فيلتمان بزيارة مبني محطة تليفزيون‏'‏ إم تي في‏'‏ المسيحية المعارضة المغلقة منذ نحو ثلاثة اعوام‏,‏ واشار إلي أن حكومة الولايات المتحدة عارضت إقفال المحطة يومها واعتبرته غير عادل وخصوصا اننا نقف إلي جانب الإعلام الحر في كل بلدان العالم‏.‏
وقال إن إقفال المحطة يتنافي مع مبادئ الديمقراطية والحرية وأن الناخبين اللبنانيين هم أحوج مع اقتراب الانتخابات النيابية إلي محطات اإعلامية يستطيعون من خلالها التعبير عن آرائهم وأفكارهم‏,‏ مشيرا إلي أنه لا يمكن أن تقوم ديموقراطية من دون إعلام حر ونزيه‏.‏
ولفت إلي أنه بحث مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الإعلام شارل رزق في قضية الـ‏MTV‏ وتعاطي الإعلام مع الانتخابات النيابية‏,‏ معربا عن ثقته بتفهم الحكومة اللبنانية لدور الإعلام في الانتخابات‏.‏
وقد أثار ذلك نقيب الصحافة محمد بعلبكي‏,‏ الذي رد علي هذا الموقف بالقول إن الغيرة التي أبداها السفير الاميركي جيفري فيلتمان علي حرية الإعلام في لبنان لا يمكن إلا أن تكون موضع الترحيب‏,‏ لولا أن سعادة السفير سمح لنفسه بأن يتجاوزها إلي حد التدخل السافر في موضوع مؤسسة إعلامية لبنانية مرئية صدر في حقها قرار قضائي بالإقفال النهائي هي قناة‏'‏ ام‏.‏ تي‏.‏ في‏'.‏
ولم تنجح المظاهرات الأسبوعية المتواصلة التي ينظمها شباب الأحزاب أمام السفارة الأمريكية‏,‏ في وقف التدخل الأمريكي السافر‏,‏ لأن بعض الأطراف اللبنانية ترحب بهذا التدخل وتشجعه‏,‏ وتلجأ إليه لأنه الوسيلة الوحيدة أمامها للوصول إلي كرسي السلطة‏,‏ وهو الهدف الحقيقي الذي يداعب خيال الجميع‏.‏