مع ارتفاع وتيرة الاحتقان السياسي بين القاهرة وواشنطن تطفو إلي السطح دائما قضية المعونة الأمريكية إلي مصر فيخرج علينا العديد من أعضاء الكونجرس المرتبطين باللوبي الصهيوني وبعض كتاب الصحف ليطالبوا بقطع المعونات عن مصر, وفي أحسن الأحوال التخفيض التدريجي والذي بدأ بالفعل منذ عدة سنوات ربما يصل إلي نهايته عام2008, فهذا الوضع بتداعياته يرشح سؤالا مهما هو هل يمكن لمصر أن تعيش بدون المعونة الأمريكية؟ وهل المعونة بوضعها الراهن تستحق ما يدفع فيها من ثمن سياسي؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نعرف ما حكاية المعونة الأمريكية؟لقد تشكلت هيئة المعونة الأمريكية عام1955 بوصفها جزءا من وزارة الخارجية الأمريكية وقد حددت الوكالة أهداف برنامجها للمعونات علي النحو التالي: 1ـ تقوية أمن أمريكا القومي وتنمية دورها الدولي كقوة عظمي. 2ـ مساعدة إسرائيل علي تفوقها العسكري علي البلدان العربية. 3ـ مساعدة أمريكا للوصول إلي أسواق العالم الرئيسية ومصادر الطاقة والمعادن الإستراتيجية. 4ـ مواجهة التحديات السوفيتية وإضعاف الاعظم الشيوعية في العالم. وعندما سئل روبرت بوليترو مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشئون الشرق الأوسط عن أهداف المعونة الأمريكية للشرق الأوسط فأكد علي نفس المعاني السابقة بوضوح أكثر هي حماية أمن إسرائيل وتأمين أمنها ورفاهيتها, ودعم الجهود الرامية لحل صراع الشرق الأوسط بالطرق السلمية ودعم الاستقرار في المنطقة الإستراتيجية وضمان وصول العالم الحر إلي مصادر النفط الحيوية في الخليج ومساعدة لادول الصديقة لتوفير متطلبات أمنها. تلك هي أهداف المعونة الأمريكية والمراقبون يرون أن أمريكا لم تعط المعونة لخدمة التنمية لأنها في الغالب تحدد عناصر وأهداف المعونة وعندما أرادت أمريكا أن تنمي أوروبا تقدمت بمشروع مارشال في12 مارس1947 وخصصت بمقتضاه400 مليون دولار لتمويل حالة التنمية واستفادت منه دول أوروبا الغربية ونجح مشروع مارشال بالفعل في نقل أوروبا علي سلم التنمية بينما ما قدم للدول العربية حرصت واشنطن أن يكون في إطار دائرة الاستهلاك فأغلبه يتركز علي المعونات العسكرية والغذائية. وهذا المعني يؤكده الدكتور أحمد جويلي ـ أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ـ الذي يري أن المعونة هي مصدر إضافي من مصادر التنمية وأي دولة إذا وجدت بدائل للتنمية بعيدا عن المعونة فهذا بلا شك أفضل لأن المعونة في الغالب تكون مشروطة ببعض الشروط التي قد لا تكون مقبولة بل قد تكون بالغة القسوة عندما توجه المعونة إلي الخبراء الأجانب وشراء الأجهزة والاحتياجات من الدولة المانحة وبالتالي لا تحصل الدولة المستفيدة إلا علي النذر القليل من تلك المعونة كما أن المشروعات التي تشملها المعونة هي مشروعات منتقاة من الدولة المانحة باختصار فإن الدول المانحة هي التي تحدد المعونة وتحدد المشروعات وتحدد الخبراء وتحدد الشروط وعلي المستفيد أن يقرر القبول أو الرفض وفي الغالب يقبل يضاف إلي ما سبق أن المعونة تستخدم كورقة ضغط ومساومة ضد الدولة المستفيدة. الدكتور جودة عبدالخالق الخبير الاقتصادي يقول: مصر تستطيع أن تستغني عن المعونة الأمريكية ويجب أن تعمل بكل الجدية علي الاستغناء عنها في أقرب وقت. الدكتور إسماعيل صبري عبدالله ـ وزير التخطيط الأسبق والخبير الاقتصادي ـ يقول إن الأصل هو الاعتماد علي الذات والدولة التي تريد أن تكون لها مكانة بين الأمم لابد من اعتمادها علي الذات. الدكتورميلاد حنا ـ المفكر والخبير الإسكاني ـ يري أن إقلال المعونة أو قطعها أو استمرارها هو قرار سياسي في المقام الأول وهومرتبط بظروف وقرارات تولد في لحظات تاريخية معينة وبمناخ سياسي معين فإذا أقدمت أمريكا علي قطع المعونة في إطار إجراءات لضغط المصروفات فلابد أن يكون عبرتفاوض وحوار. أما إذا أقدمت أمريكا علي ذلك لأي سبب يمس الاستقلال والعزة الوطنية فإن الشعب المصري سيقف وراء الدولة.