427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

التاريخ لغرف النوم والوطن كافيتريا علي الطريق السريع

خطة واشنطن لمستقبل العرب‏:‏ المتعة مقابل السلام‏!!‏

كلينتون

‏ رسالة دبي ـ أسامة الدليل


ربما لأنهم نسوا أن يطالعوا بصمة عيني في صالة المطار‏,‏ أو لعيب في أجهزة البحث عن الممنوعات‏,‏ أو لأنهم انشغلوا علي متن طائرة الإمارات بمطاردة المدخنين في دورات المياه‏..‏ سافرت إلي المستقبل ولم يبال ولو واحد من‏900‏ ألف نسمة يقيمون في دبي‏..‏ بأسئلتي المحرمة‏,‏ التي كنت أخفيها في الجيوب السرية لذاكرتي‏,‏ وحده هذا السائق الأفغاني الذي استوقفته بعد دقائق من استقراري بالفندق الفاخر هو الذي اهتم بقراءة ما بين سطور ارتباك غربتي‏,‏ سألته أن يقودني لمطعم‏..‏ فساقني إلي حيث توجد‏'‏ الحرمة‏'!!‏ وفي صخب الليل الأحمر بصالة الديسكو الملحقة بأفخم فندق يطل علي‏'‏ الديرة‏'‏ التي هي قلب دبي‏,‏ كان واضحا بداية من ذلك اللبناني ضخم الجثة الذي استوقفني للتفتيش بحثا عن سلاح‏,‏ ومرورا بالساقي الهندي نافذ الصبر علي البار‏..‏ انتهاء بعشرات الأجساد اللينة العارية التي فتشت في كل غرائزي بحثا عن دولار الرغبة‏..‏ إن الكرة في ملعبي‏..‏ وإن مزاجي الشخصي هو سيد المكان‏..‏ وإن أسئلتي المهربة التي كنت أعتبرها ثروتي في هذه الرحلة‏,‏ هي أبخس سلعة في هذا السوق‏,‏ فبادرت إحداهن‏:‏ تعرفي كلينتون؟‏..‏ فلمعت عيناها دهشة من هاجس أن تكون بي رغبة في صنف الفحش الذي تعاطاه الرئيس الأمريكي السابق مع مونيكا ليونسكي علي أرضية المكتب البيضاوي بجوار الثلاجة القريبة من باب الحمام‏..‏ وردت‏:‏ هذا يكلفك‏80‏ دولارا‏!!‏
كان بيل كلينتون قد سبقني إلي دبي في منتصف ديسمبر الماضي‏,‏ وأمام المنتدي الإستراتيجي العربي الذي عقد بعنوان العالم العربي عام‏2020,‏ قال بالحرف‏:‏ إن الشرق الأوسط أمام خيارين للمستقبل‏,‏ الأول سلبي يفترض بقاء الإرهاب واستمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ وعدم قيام دولة فلسطينية‏,‏ وانتشار الأمية والتخلف السياسي‏,‏ أما الآخر فإيجابي يتضمن حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل‏,‏ وحل مشاكل البطالة والأمية لتصبح المنطقة في عام‏2020..‏ مثل دبي حاليا‏..!!‏
نجم النيويورك تايمز توماس فريدمان كان حاضرا‏..‏ وكذلك مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا السابقة والجنرال تومي فرانكس القائد الأعلي للقيادة المركزية الأمريكية والجنرال ويسلي كلارك قائد حلف الناتو السابق ومورين داركس نائب رئيس مجموعة جنرال موتورز وروديجر جروب عضو مجلس إدارة شركة دايملر كريسلر الألمانية وريتشارد نيو مدير عام مؤسسة راند للأبحاث في قطر‏,‏ وغيرهم من أبرز وجوه السياسة والصحافة والمال والأعمال في الشرق الأوسط والعالم‏..‏ وجميعهم لم يعترض علي أن مستقبل الشرق الأوسط هو أن يكون كله‏(‏ دبي‏)..‏ ومن هنا كنت أبحث في كل دقيقة من زمن رحلتي إلي هذه الإمارة التي تتجاوز نسبة الرطوبة بها‏90‏ درجة وتصل درجة حرارة صيفها‏55‏ درجة فتمتليء أراضيها بالعناكب الحمراء السامة‏..‏ عن غد العرب وفقا لكراسة الشروط التي صاغها كلينتون وارتضاها لنا مجلس إدارة الكون‏.‏
الانكار الآلي

السؤال الأخطر‏..‏ هل يمكن أن تفلت المنطقة من الاتهام بتصدير الإرهاب والتخلف السياسي لمجرد أن تنصرف تماما عن السياسة كما هو الحال في دبي‏,‏ وهل يمكن أن يفلت الشرق الأوسط من البطش الأمريكي إذا ما تجاهل الطموح النووي وسمح فقط بتمرير صفقات بيع الأسرار والمواد النووية عبر أراضيه‏..‏ كما فعلت أمريكا مع دبي عندما تفجرت فضيحة العالم الباكستاني عبد القدير خان؟‏!!‏
وكان مقال نشر في الرابع من مارس‏2004‏ في النيويورك تايمز كتبه جاري ميلهولين وكيلي موتز مديرا مشروع ويسكونسن الأمريكي للتحكم في انتشار الأسلحة النووية بعنوان‏:‏ لماذا لم يعاقب أحد دبي؟‏..‏ تناول فيه دورها المحوري في الشبكة التي أقامها العالم الباكستاني الكبير عبد القدير خان لتهريب المواد النووية لأكثر من عقدين من الزمان‏..‏ وتورط شركة مقرها دبي تدعي صناعات الخليج التقنية في أعمال إعادة تصدير المواد النووية التي يتم تجميعها في ماليزيا‏..‏ وأكد المقال أن دبي هي أسهل بقاع الأرض ابتلاعا لطعم التعتيم علي جهة المنشأ وجهة التصدير‏..‏ وإن سلطات دبي تقدم أفضل التسهيلات علي الأرض للحكومات والشركات‏:‏ الإنكار الأوتوماتيكي‏..‏ والأخطر ما عدده الكاتبان من أن دبي كانت نقطة عبور‏70‏ طنا من الماء الثقيل قام بشحنها عام‏82‏ العالم الألماني والنازي الأسبق ألفريد همبل من الصين قبل أن تذهب للهند و‏15‏ طنا أخري قام الشخص ذاته بشحنها عبر دبي عام‏83‏ من النرويج والاتحاد السوفيتي إلي الهند أيضا‏..‏ وفي‏95‏ وانتهاكا لقوانين الحظر الأمريكية مررت دبي صفقة غاز أعصاب لحساب عميل إيراني وقد تم الكشف عن العملية بأكملها عندما وقع الوسطاء في أيدي رجال المخابرات الأمريكية‏..‏ وفي العام نفسه صنفت الحكومة الألمانية‏6‏ شركات في دبي علي أنها واجهات لشركات تعمل في تصدير و استيراد المواد النووية لحساب إيران‏,‏ ومن‏98‏ إلي‏2001‏ كانت دبي محطة ترانزيت لشحنات وقود صواريخ من الهند لنظام صدام حسين بالمخالفة للحظر الأمريكي‏,‏ وفي‏2003‏ تجاهلت دبي احتجاجات أمريكا علي شحنة معدات تفجير للأسلحة النووية أمريكية الصنع عددها‏66‏ مفجرا باعها إسرائيلي يدعي‏(‏ آشر كارني‏)‏ إلي رجل أعمال في باكستان علي صلة وثيقة بالجيش الباكستاني‏..‏ الصفقة انطلقت من نيو جيرسي الأمريكية إلي جنوب أفريقيا قبل أن تصل إلي دبي المحطة الأخيرة قبل التسليم‏!!‏
وانتهي المقال إلي أن حرب الرئيس بوش علي الدول المارقة لا بد أن تبدأ بمعاقبة البلد التي تؤوي الشركات والأفراد الذين يقومون بتهريب الأسلحة المحظورة لهذه الأنظمة‏,‏ مرة أخري‏..‏ المقال نشر في النيويورك تايمز قبل‏9‏ اشهر من وجود نجمها توماس فريدمان في دبي لتكريس هذه الإمارة نموذجا لمستقبل الشرق الأوسط‏..‏ كما تريده أمريكا‏!!‏
سحب الضباب

الأكثر إثارة‏..‏ يمكن أن تراه في دبي تحت وهج الشمس‏,‏ بنايات فارهة تشق عنان السماء سكبوا فيها مئات الملايين من الدولارات‏..‏ وعليها لافتة‏(‏ للإيجار‏),‏ أراض شاسعة مازالت رملية في هذه الإمارة التي تمتد لنحو‏3500‏ كيلومتر مربع‏..‏ ومع ذلك تنهمر الملايين لتجفيف مياه الخليج لخلق جزر علي شكل نخلة أو خريطة العالم وإقامة تجمعات سكانية عليها تباع أقل وحدة سكنية فيها بما لا يقل عن‏12‏ مليون دولار‏..‏ ملايين الزوار وآلاف النساء شبه العاريات في الأسواق يخطرن بالميكروجيب والسراويل الفاضحة في سلام إلي جوار العقال الإماراتي وثوب المواطنات الأسود التقليدي وعشرات المليارات تنهمر من السماء علي اقتصاد بلا أي بنية تحتية ولا أي مبرر لحركة السوق وسلوك الأموال والسندات فيها‏..!!‏
وعندما تغيب الشمس علي خور دبي الذي يقسم المدينة نصفين‏..‏ يسلب السحر عقلك إذا اعتليت الطوابق العليا للفنادق والبنوك والمصالح البلدية المطلة علي الخور بسفنه التقليدية‏..‏ فتنسي الأمر كله وتصاب بانبهار يعمي الأبصار عن معاناة العمال الذين ينتهي يومهم في ذلك الوقت‏..‏ أو يمتد للتاسعة لغير سبب مفهوم‏,‏ العاملات الإماراتيات في بعض المصارف يشكين من صلف المدراء الآسيويين‏..‏ وهيمنتهم علي قطاعات واسعة من الأعمال وتعمدهم إهانة المواطنين‏..‏ العمال في غالبيتهم ومشاكل تعطل صرف أجورهم ومستحقاتهم موضوع بارز في الصحيفة العربية الأولي في دبي‏(‏ البيان‏)..‏ التأمين الصحي علي الموظفين موضوع جدل حتي وقت كتابة هذه السطور‏..‏ حتي بعد أن ترك أحد العاملين زوجته في المستشفي وهرب لعدم قدرته علي دفع قيمة العلاج الباهظ غالبا‏..‏ مقدما‏..‏ البنوك تخفض أسعار الفائدة بحثا عن مقترضين لتشغيل هذا المال‏..‏ وأحد البنوك الإسلامية ينشر لافتات علي الطرق يقول فيها‏:‏ نحن علي عكس الآخرين الذين يقولون نعم‏,‏ نقول لا للفوائد المتراكمة ولا للتهاون في تطبيق الشريعة‏!!‏
لكن المثير‏,‏ أن عدوي ظاهرة‏(‏ دبي‏)‏ الترفيهية تنتشر بسرعة الريح في الشارقة ورأس الخيمة وفي البحرين وبدرجة ما في الكويت والسعودية‏,‏ ومن قبل أن تلتقط الأموال أنفاسها‏..‏ يبدأ الترويج لإقامة نموذج استطلاعي بالفلوس ذاتها في المغرب‏!!‏
وعندما يحل الليل علي دبي‏,‏ يصعب علي المرء أن يتصور الشرق الأوسط بنفس انتظام شارع الرقة وجمال هندسته بينما تتسكع بنات الليل من كل الجنسيات علي جوانبه لصيد دولارات البقاء علي قيد الحياة في اليوم التالي‏..‏ موزعات بين رغبة في العيش ورهبة من القوادين ومن الشرطة التي تظهر فجأة عندما يكون وجودها لا مفر منه‏..‏ هذه الفضيحة الليلية التي تبدأ مع سدول الظلام ولا تنتهي قبل الثالثة صباحا من ورائها قصص مرعبة نشرت في الصحف العالمية وتداولتها وكالات أنباء‏..‏ أخطرها فضيحة بيع الإيرانيات في مزادات سرية في موقع بين دبي والشارقة‏..‏ وهي القصة التي كشفتها دونا هيوجز أستاذة الدراسات النسوية بجامعة رود آيلاندز الامريكية والتي نشرت في‏11‏ يونيو من العام الماضي في مجلة فرونت بيج الأمريكية بعنوان‏:‏ الفضيحة الجنسية للجمهورية الإسلامية‏..‏ و نقلتها وكالة الصحافة الإيرانية المستقلة ولا يزال المقال علي موقع الوكالة علي الإنترنت لليوم‏..!!‏
لقد لمست جانبا من هذا العالم في الملاهي الليلية المصرح فيها بالخمور في مناطق عدة في دبي‏,‏ وفي كل مرة كنت أقابل فيها وجوه نساء الرق باسم الترفيه والحداثة وتنمية السياحة للنخب الثرية من كل أنحاء العالم‏,‏ كنت أصطدم بمنظومة سبق وأن خبرتها في حواري ليل باريس‏..‏ هناك لغة واحدة للغواية وسعر موحد للشهوة وطرق موحدة للمتعة بل وفئة عمرية موحدة للخدمة‏..‏ إنها عولمة المتعة‏..‏ ولكن من دون مشاكل العولمة التقليدية‏,‏ فلا يزال دبي بلدا يحتفي بتراثه العربي والإسلامي ويباهي به‏..‏ و من فوق سريري في غرفة الفندق الفارهة التي كنت أقطنها‏..‏ كنت أجد دائما صورا تراثية لأطلال بيوت قديمة‏..‏ توجز كل المجد الذي تبقي بعد أن تحقق السلام الشامل بين البداوة و الميكروجيب‏..!!‏
السؤال الذي تكبدت مشقة تهريبه دون داع عدت به إلي القاهرة وإلي جواره هاجس أخطر‏..‏ هل خدعنا كلينتون؟‏..‏ لقد سبق أن اعترف الرجل للتليفزيون الأمريكي بأن أكبر حماقاته وقعت لمجرد قدرته علي فعلها‏..‏ فهل حمل دبي أكثر مما تطيق‏..‏ أم أنه كان مكلفا بإبلاغ رسالة مفادها أن ما تريده أمريكا من الشرق الأوسط أن يكون مجرد استراحة لخدمة العابرين علي الطريق السريع بين واشنطن‏..‏ وآخر العالم؟‏!!‏