427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مصر رفضت القواعد والتبعية وغزو العراق

الماكياج الأمريكي يفقد سحره في شوارع القاهرة

نظيف يواجه الصحافة الأمريكية

سوزي الجنيدي


لا يمكنك أن تتغلب علي شئ من خلال لاشئ‏,‏ مقولة تنطبق علي العلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية‏,‏ فالقاهرة تسعي لتحسين العلاقات مع واشنطن في الفترة القادمة‏,‏ لكن هذا السعي لايزال غير ناجح بشكل كاف في إشعار الأمريكيين بوجود مصالح مشتركة قوية تسمح بتحسين العلاقات وإعادتها إلي عصرها الذهبي في السبعينيات والثمانينيات‏.‏ كما أن أمريكا من جانبها تريد التغلب علي مشاعر الرفض لها في الشارع المصري و العربي‏,‏ لكنها تكتفي باللجوء إلي الأسلوب الخطأ والاعتماد علي آلة الإعلام الرسمي والتركيز علي مسألة الديمقراطية وحدها‏.‏فمهما حاولت أمريكا وضع ماكياج علي وجهها لتحسين صورتها‏,‏ إلا أن خبرا واحدا مثل تدنيس القرآن الكريم في معتقل جوانتانامو الأمريكي بإظهار حقيقة الوجه الأمريكي لدي الشارع المصري والعربي‏.‏
والواضح أن الأساس الإستراتيجي للعلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية قد تغير تماما‏,‏ فبعد عودة العلاقات عام‏1973,‏ كان هذا الأساس هو المصالح المشتركة المتقاربة‏,‏ لأن واشنطن كانت تحتاج إلي الدور المصري في المنطقة لبدء عملية السلام وتعزيز تيار الاعتدال والاستقرار في الشرق الأوسط‏.‏
والقاهرة كانت تحتاج إلي الدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي الأمريكي والمساندة في حل القضية الفلسطينية‏,‏ واستمرت تلك المعادلة بشكل معقول إلي عام‏1990‏ عندما غزا العراق الكويت‏,‏ وكانت فرصة أمريكا الذهبية لزيادة وجودها العسكري في المنطقة عبر قواعد لها في الخليج العربي‏,‏ وجاء ذلك بطلب عربي وجهود مصرية‏,‏ وتمت إزالة جزء كبير من الديون علي مصر‏,‏ واستمرت العلاقة بين الطرفين مستقرة حتي اختلت المعادلة في الوقت الراهن‏,‏ فأمريكا لم تعد في حاجة إلي مصر‏,‏ بنفس الدرجة في السابق‏,‏ بعد زن أصبح تعاونها مع الدول العربية بشكل مباشر‏,‏ وأصبحت لها قواتها العسكرية المتمركزة في المنطقة في السعودية‏,‏ وقطر والبحرين والكويت وغيرها من الدول‏,‏ في حين رفضت مصر مسألة وجود قواعد أمريكية علي أرضها تماما علي الرغم من تقدم واشنطن بذلك الطلب بشكل غير مباشر‏.‏
أيضا القبضة الأمريكية علي النفط العربي زادت والحاجة إلي دور مصري في عملية السلام قلت‏,‏ خاصة بعد فشل الرئيس السابق بيل كلينتون في التوصل إلي اتفاق سلام وتفضيل إدارة جورج بوش الابن الابتعاد عن عملية السلام في بداية ولايته الأولي‏.‏
وعلي الجانب الإسرائيلي نجحت تل أبيب في إقامة علاقات تجارية مستترة مع عدد من الدول العربية‏,‏ سواء في المشرق أم المغرب العربي‏,‏ بعضها بشكل علني مع الأردن وموريتانيا‏,‏ والآخر بشكل مستتر مع دول مثل تونس والمغرب والإمارات وقطر التي طلبت مساندة تل أبيب في الحصول علي مقعد غير دائم في الأمم المتحدة‏,‏ وكان لها ما أرادت‏,‏ وبالتالي لم تعد إسرائيل في حاجة قوية إلي البوابة المصرية للتطبيع مع العرب‏.‏
إذن الحاجة الأمريكية للدور المصري تقلصت وجاءت أحداث‏11‏ سبتمبر لتعصف بمعادلة العلاقات الإستراتيجية الأمريكية المصرية تماما‏.‏ فإدارة بوش أصبحت لها إستراتيجية جديدة تنص علي ضرورة اقتلاع أسباب الإرهاب من جذوره‏,‏ ورفضت واشنطن بفضل سيطرة المحافظين الجدد لمبرر أن عدم العدالة الأمريكية في حل القضية الفلسطينية والانحياز لإسرائيل هو السبب وراء الإرهاب‏,‏ كما رفضت مقولة إن الفقر هو السبب‏,‏ لأن أسامة بن لادن أو أيمن الظواهري أو محمد عطا لم يكونوا أبدا فقراء‏,‏ وبالتالي توصلت أن انعدام الديمقراطية هو السبب خلف الإرهاب‏,‏ وأن مساندة أمريكا للأنظمة الديكتاتورية هو السبب خلف كراهية العرب لها‏.‏
وقد قالها الرئيس الأمريكي جورج بوش بوضوح في خطابه الأخير في مدينة ريجا عاصمة لاتيفيا في بداية مايو الحالي‏,‏ حيث أكد أن بقاء الشرق الأوسط داخل دائرة العطب واليأس والراديكالية والقمع سيؤدي إلي ظهور الإرهاب وقوي تدميرية أخري أكبر‏,‏ وطالب بوش مصر بحملة انتخابية رئاسية حقيقية تتفق مع القواعد المستقرة لذلك‏,‏ ووجود مراقبين دوليين‏.‏
السؤال مجددا‏,‏ ماذا تحتاج أمريكا من مصر؟ وكيف يمكن أن نقنع واشنطن بأهمية وحاجتها للدور المصري؟ وفي أي المجالات؟ والإجابة‏,‏ ربما تكون في تكثيف الاتصالات علي كل المستويات وبشكل مستمر‏,‏ فواشنطن مازالت تحتاج إلي دور مصري في مكافحة الإرهاب وفي العراق و في عملية السلام‏,‏ ربما بدرجة أقل من السبعينيات و الثمانينيات‏,‏ لكن لايزال الدور المصري مطلوبا‏,‏ خاصة أن الإدارة الأمريكية أصبحت تشعر بالحيرة‏,‏ وفقدان الصبر حول كيفية الخروج بشكل مشرف من العراق بعد تداعي الأوضاع وارتفاع نسبة الرفض الشعبي الأمريكي‏,‏ كما تحتاج واشنطن إلي مصر في تحسين الصورة الأمريكية‏,‏ فخبر مثل الذي نشر في مجلة نيوزويك عن تدنيس القرآن الكريم في جوانتانامو يقوض جهود واشنطن في تحسين صورتها لسنوات قادمة‏,‏ ويزيد من مشاعر الرفض لها في المنطقة‏,‏ وأيضا مسألة نشر الديمقراطية في المنطقة والعراق كنموذج لها باءت بالفشل الذريع‏,‏ فتلك الديمقراطية علي الطريقة العراقية لم تحل الأوضاع ولم تجعل الشعب العر اقي أكثر سعادة وأمنا‏,‏ بل علي العكس‏,‏ كما أن الديمقراطية لم تنتشر في الشارع العربي والفوضي فقط هي التي أصبحت علي الأبواب‏,‏ لكنها للأسف ليست فوضي خلاقة كما تمنت كوندليزا رايس‏,‏ بل فوضي مستترة قد تؤدي إلي عواقب‏,‏ لأن الفكر الإستراتيجي الأمريكي حاليا حول أسباب الإرهاب والنابع من آراء المحافظين الجدد ليس دقيقا‏,‏ فالإرهاب والعنف ليسا صنيعة إسلامية‏,‏ وليسا بسبب الديكتاتورية فقط‏,‏ بل لعدة أسباب صنعتها أمريكا بيدها‏,‏ فهي التي ساندت هؤلاء المتطرفين في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان‏,‏ ثم عادت وتخلت عنهم‏,‏ وهي التي تنحاز إلي إسرائيل بشكل مطلق‏,‏ وتعطيها وحدها الحق في التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي وحيازة أسلحة نووية دون غيرها في المنطقة‏.‏
فالفقر والديكتاتورية مجرد ضلعين في مستطيل متساوي الأضلاع للكراهية للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط‏.‏
أما بالنسبة للإجابة عن السؤال هل أمريكا متربصة بمصر حاليا؟ فقد نفي أحمد نظيف ذلك‏,‏ وقال إن لكل دولة مصالحها والشطارة ألا نصنع أعداء ونحن نحقق مصالحنا التي لا يصح أن نستأذن فيها أحدا‏,‏ وهناك سعي مصري حثيث حاليا لتحسين العلاقات مع واشنطن‏,‏ لكن ذلك السعي أصبح مثل السير فوق الأشواك‏,‏ وكلما هدأت الأمور سارع مسئول أمريكي بانتقاد مصر مثلما فعلت كوندليزا رايس منذ أسبوعين عندما قالت إنه لا يهمنا من يحكم جماعات إسلامية أو أنظمة مستبدة‏,‏ المهم وجود ديمقراطية‏.‏
كما أكد ريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية السابق لشئون الشرق الأوسط‏,‏ من عام‏1983‏ إلي‏1989‏ في مقال لجريدة الديلي ستار الأمريكية‏,‏ أن علي حكومات الدول الصناعية الثماني الكبري أن تفتح حوارا ولو بشكل غير مباشر مع الحركات الإسلامية وإدخالهم في إطار مبادرة الشرق الأوسط الكبير‏,‏ حتي لا يحدث صدام بين الحضارات‏,‏ أي بين الإسلام والغرب‏,‏ أو الأسوأ من ذلك بين الإسلام داخل الغرب نفسه‏,‏ وذلك إذا كنا جادين في موضوع الإصلاح داخل الشرق الأوسط‏.‏
أحمد نظيف حاول في زيارته الأخيرة إلي واشنطن شرح نية الحكومة المصرية في الأشهر القادمة لتطبيق الإصلاح السياسي والاقتصادي بعد تعديل المادة‏76,‏ وقد وصف نظيف في حديث لمجلة أمريكا اليوم الخلافات المصرية‏-‏ الأمريكية الحالية أنها أشبه بمطب جوي في علاقة لا تحتمل إلا أن تكون جيدة‏.‏
والواضح أن أمريكا بعد أن أصبحت إمبراطورية وحيدة تريد أن تصبح هي العالم‏,‏ وأن تدمج العالم وتندمج به‏,‏ لكن مصر مازالت ترفض أن تكون دمية تحركها الأهواء الأمريكية كما تريد أو كما قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك بوضوح نرفض أن نكون خدما في بلاط الإمبراطورية الأمريكية‏.‏