427‏السنة 123-العدد2005مايو28‏20 ربيع ثان 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مأتم بعد عرس

الطيب صالح


قبيل عيد الميلاد ونهاية العام في لندن‏,‏ كان حسين سعيدا جدا في تلك الليلة‏,‏ لا عجب فقد كان الحفل حفل زواج ابنته‏,‏ وصل من القاهرة في اليوم نفسه‏,‏ كان أنيقا يلبس بدلة كاملة‏,‏ أول مرة أراه في بدلة كاملة‏,‏ وله شارب أنيق أيضا مقصوص بعناية‏,‏ لم أر له شاربا من قبل‏.‏
كان حفلا بهيجا عامرا من آل المهدي وكثيرين ليسوا من آل المهدي‏,‏ الفنان العبقري إبراهيم الصلحي خرج من عزلته في اكسفورد‏,‏ والصحفي الكبير محمد الحسن أحمد‏,‏ والسياسي الجنوبي البارز بونا ملوال‏,‏ شيوخ وشباب ونساء وأطفال‏.‏
كانت زوجة حسين الفاضلة شامة المهدي‏,‏ ابنة خاله وأخت السيد الصادق المهدي تقف فخورة بجانبه في ثوب سوداني زاهي الألوان بوقارها المعهود وابنتاه العروس والثانية التي احتفلوا بزفافها في السودان منذ عام‏.‏
لم يمكث غير بضعة أيام في لندن‏,‏ تعجل العودة إلي القاهرة تواعدنا علي اللقاء في القاهرة ثم أثناء إقامتي القصيرة في البحرين‏,‏ وأنا أشاهد القناة الفضائية السودانية ثاني يوم أو ثالث يوم عيد الأضحي‏,‏ إذا بالمذيع يقول‏:‏السيد وزير الثقافة يحتسب إلي الله الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي حسين مأمون حسين شريف‏...‏
إنا لله وإنا إليه راجعون‏,‏ بلي إن الموت حق‏,‏ وهو حقيقة تفرض نفسها صباح مساء في زحمة الحياة‏,‏ إنما كل مرة تبدو كأنها أول مرة‏,‏ ونأخذ وقتا قبل أن نعتاد قول يرحمه الله‏,‏ وقبل أن نتعود أنه هذه المرة غياب وأبدي‏,‏ وأن الخيوط التي كانت تربطنا بذلك الإنسان العزيز قد تقطعت إلي الأبد‏..‏ والحمد لله‏,‏ ولكن ما أقسي الأبد‏!.‏
كان حسين ـ رحمه الله ـ إنسانا عظيم التهذيب غامر الإنسانية متعدد المواهب‏,‏ وكان من أذكي السودانيين الذين عرفتهم‏,‏ وكان من أفصحهم في اللغة الإنجليزية‏,‏ عرفته أول مرة في لندن أوائل الخمسينيات حين كان يدرس في جامعة كيمبردج ثم توثقت الصلة بين عائلتينا في الخرطوم في الستينيات وكانت دارهم البسيطة الجميلة علي طريق المطار‏,‏ ملتقي السودانيين وغير السودانيين كانت الخرطوم جميلة حقا تلك الأيام‏,‏ وكانت دارهم من مراكز جاذبية الخرطوم‏.‏
أقام حسين معرضا للوحاته الفنية في لندن وهو دون الثلاثين من العمر‏,‏ وهو معرض لفت إليه أنظار النقاد الإنجليز‏,‏ ولو أراد لمضي في درب الفن التشكيلي ولأصبح فنانا كبيرا يقارب الفنان السوداني العبقري إبراهيم الصلحي‏.‏
ولو أراد لاستفاد من وضعه العائلي في أسرة المهدي‏,‏ ولعاش حياة مريحة في السلك الدبلوماسي أو غيره‏,‏ إنما حسين مأمون ـ رحمه الله ـ لم يأبه لأي من ذلك ولعله بأسلوبه الهادئ الودود كان متمردا علي وضعه العائلي‏.‏
لم يلبث أن ترك الفن التشكيلي بعد أن أحرز فيه نجاحا ليس قليلا في وقت مبكر‏,‏ اتجه إلي السينما ودخل معهد الفنون السينمائية الشهير في لندن‏,‏ وبعد تخرجه انصرف إلي إنتاج أفلام قليلة أنجزها علي فترات متباعدة لم يسع إلي ترويجها‏,‏ وكأنه لم يرد من ورائها إلا إرضاء نفسه وحسب‏.‏
في سنواته الأخيرة‏,‏ اتخذ القاهرة مقرا له‏,‏ وبدأ يتعاون مع المخرجة المصرية الموهوبة عطيات الأبنودي‏,‏ التي درست هي أيضا في معهد الفنون السينمائية في لندن وبدأ تعاونهما بفيلم تسجيلي هو يوميات المنفي‏.‏
كان بيني وبينه تقدير متبادل‏,‏ وود متبادل‏,‏ وكنت أرثي لحاله أحيانا‏.‏
كنت أحس أن جسمه النحيل ينوء بعبء مواهبه العديدة‏,‏ كأنه لا يدري ماذا يصنع بها‏,‏ وأي وجهة يتجه بها‏,‏ وكنت أحس أيضا أنه اعتبر كل ما أنجزه محض تجارب يستعد بها لإنجاز عمل كبير‏,‏ ربما في الفن التشكيلي وربما في السينما‏,‏ وفي السينما علي الأرجح‏.‏
رحمه الله رحمة واسعة‏,‏ وألهم ذويه وأصدقاءه الكثيرين الصبر الجميل علي فقده‏.‏
الروائي الكبير ـ السودان