
|
مأتم بعد عرس
|
 | |
الطيب صالح قبيل عيد الميلاد ونهاية العام في لندن, كان حسين سعيدا جدا في تلك الليلة, لا عجب فقد كان الحفل حفل زواج ابنته, وصل من القاهرة في اليوم نفسه, كان أنيقا يلبس بدلة كاملة, أول مرة أراه في بدلة كاملة, وله شارب أنيق أيضا مقصوص بعناية, لم أر له شاربا من قبل. كان حفلا بهيجا عامرا من آل المهدي وكثيرين ليسوا من آل المهدي, الفنان العبقري إبراهيم الصلحي خرج من عزلته في اكسفورد, والصحفي الكبير محمد الحسن أحمد, والسياسي الجنوبي البارز بونا ملوال, شيوخ وشباب ونساء وأطفال. كانت زوجة حسين الفاضلة شامة المهدي, ابنة خاله وأخت السيد الصادق المهدي تقف فخورة بجانبه في ثوب سوداني زاهي الألوان بوقارها المعهود وابنتاه العروس والثانية التي احتفلوا بزفافها في السودان منذ عام. لم يمكث غير بضعة أيام في لندن, تعجل العودة إلي القاهرة تواعدنا علي اللقاء في القاهرة ثم أثناء إقامتي القصيرة في البحرين, وأنا أشاهد القناة الفضائية السودانية ثاني يوم أو ثالث يوم عيد الأضحي, إذا بالمذيع يقول:السيد وزير الثقافة يحتسب إلي الله الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي حسين مأمون حسين شريف... إنا لله وإنا إليه راجعون, بلي إن الموت حق, وهو حقيقة تفرض نفسها صباح مساء في زحمة الحياة, إنما كل مرة تبدو كأنها أول مرة, ونأخذ وقتا قبل أن نعتاد قول يرحمه الله, وقبل أن نتعود أنه هذه المرة غياب وأبدي, وأن الخيوط التي كانت تربطنا بذلك الإنسان العزيز قد تقطعت إلي الأبد.. والحمد لله, ولكن ما أقسي الأبد!. كان حسين ـ رحمه الله ـ إنسانا عظيم التهذيب غامر الإنسانية متعدد المواهب, وكان من أذكي السودانيين الذين عرفتهم, وكان من أفصحهم في اللغة الإنجليزية, عرفته أول مرة في لندن أوائل الخمسينيات حين كان يدرس في جامعة كيمبردج ثم توثقت الصلة بين عائلتينا في الخرطوم في الستينيات وكانت دارهم البسيطة الجميلة علي طريق المطار, ملتقي السودانيين وغير السودانيين كانت الخرطوم جميلة حقا تلك الأيام, وكانت دارهم من مراكز جاذبية الخرطوم. أقام حسين معرضا للوحاته الفنية في لندن وهو دون الثلاثين من العمر, وهو معرض لفت إليه أنظار النقاد الإنجليز, ولو أراد لمضي في درب الفن التشكيلي ولأصبح فنانا كبيرا يقارب الفنان السوداني العبقري إبراهيم الصلحي. ولو أراد لاستفاد من وضعه العائلي في أسرة المهدي, ولعاش حياة مريحة في السلك الدبلوماسي أو غيره, إنما حسين مأمون ـ رحمه الله ـ لم يأبه لأي من ذلك ولعله بأسلوبه الهادئ الودود كان متمردا علي وضعه العائلي. لم يلبث أن ترك الفن التشكيلي بعد أن أحرز فيه نجاحا ليس قليلا في وقت مبكر, اتجه إلي السينما ودخل معهد الفنون السينمائية الشهير في لندن, وبعد تخرجه انصرف إلي إنتاج أفلام قليلة أنجزها علي فترات متباعدة لم يسع إلي ترويجها, وكأنه لم يرد من ورائها إلا إرضاء نفسه وحسب. في سنواته الأخيرة, اتخذ القاهرة مقرا له, وبدأ يتعاون مع المخرجة المصرية الموهوبة عطيات الأبنودي, التي درست هي أيضا في معهد الفنون السينمائية في لندن وبدأ تعاونهما بفيلم تسجيلي هو يوميات المنفي. كان بيني وبينه تقدير متبادل, وود متبادل, وكنت أرثي لحاله أحيانا. كنت أحس أن جسمه النحيل ينوء بعبء مواهبه العديدة, كأنه لا يدري ماذا يصنع بها, وأي وجهة يتجه بها, وكنت أحس أيضا أنه اعتبر كل ما أنجزه محض تجارب يستعد بها لإنجاز عمل كبير, ربما في الفن التشكيلي وربما في السينما, وفي السينما علي الأرجح. رحمه الله رحمة واسعة, وألهم ذويه وأصدقاءه الكثيرين الصبر الجميل علي فقده.
الروائي الكبير ـ السودان |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|