احتفالية كبري في مناسبة أربعـين عـاما علـي رحـيـله
محمد مندور مفكر إصلاحي رفع مبكرا شعار العدالة الاجتماعية
محمد مندور
سيد محمود حسن
أكثر من سبب جعل الاحتفال الذي أقامه المجلس الأعلي للثقافة الأسبوع الماضي في ذكري مرور أربعين عاما علي وفاة الناقد والمفكر الكبير محمد مندور1907-1965)) يتجاوز الصيغ التقليدية التي جري اتباعها في المناسبات المشابهة, ذلك أن المشروع الفكري للمحتفي به بدا قادرا علي استقطاب جمهور مختلف عن جمهور المنتديات الأدبية لعله الجمهور نفسه الذي يسير الآن في شوراع القاهرة في كل مظاهرة تدعو للتغيير وهو الجمهور المنشغل بملف الإصلاح الشامل والباحث المتعطش الآن أكثر من أي وقت مضي لفك الارتباط بين مشروع الإصلاح بوصفه مشروعا وطنيا كان قائما طوال ما يزيد علي قرن ونصف القرن وبين المشروع الأمريكي الذي يروج للفكر الإصلاحي الآن بوصفه مشروعا أمريكيا كاملا وكأنه' إعادة اختراع للعجلة'. كانت دهشة الحاضرين كبيرة وهم يعيدون قراءة أفكار مندور السياسية في سياقها التاريخي ويكتشفون أن الكثير منها يصلح اليوم أساسا لمشروع وطني خالص كما أن بعضها لا يختلف عما يروج له تحت لافتة أفكار' الطريق الثالث' كما أن الكثير منهم تباكي علي السنوات' شبه الليبرالية' التي عاشتها مصر قبل الثورة وأفرزت مفكرين بقامة محمد مندور وأساتذته أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل وأحمد لطفي السيد ومحمود عزمي. ولاحظ المتابعون للندوة أن الجانب المتعلق بمساهمة مندور شيخ نقاد الأدب المصريين في تحديث تيارات النقد العربي لم يثر مناقشات مثيرة كتلك التي أثارتها أفكاره السياسية ربما لأن الفكر النقدي ذاته مر بتغييرات منهجية عميقة جعلت الكثيرمن الأفكار التي طرحها مندور تنتمي إلي الماضي باستثناء كتابه العمدة' النقد المنهجي عند العرب' وهو كتاب رأي نقاد عديدون شاركوا في الاحتفالية ومنهم جمال عبد الناصر وربيع مفتاح وجابر عصفور أنه لم يفقد قيمته ولا تأثيره العلمي الكبير فلا يزال يدرس إلي اليوم في الجامعات العربية وبالإضافة إلي التأكيد علي قيمة هذا الكتاب بالذات قدم أحمد سليم غانم قراءة مهمة' لوظيفة الناقد من خلال كتابات مندور' لفتت نظر الكثيرين خاصة وهو يؤكد أن مندور الناقد الأدبي انطلق من فرضية لاتزال صالح لليوم وهي أن مستويات وظيفة الناقد لديه اختلفت تبعا لتعدد واختلاف زوايا التلقي فهي وظيفة تثقيفية تقصد جمهور المثقفين وقراء الإبداع وهي أيضا وظيفة توجيهية عندما تتقصد المبدع وتحاول أن تضيء له الطريق وتنتهي لتتحول في النهاية لوظيفة معرفية تتبني إنتاج معرفة نقدية نظرية. وبينما كان الإلحاح كبيرا لاكتشاف مسارات مندور المفكر السياسي منذ الجلسة الافتتاحية للندوة والتي استطاع جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة خلالها أن يحدد بدقة جوهر مشروع مندور القائم علي فكرة' الإصلاح الوطني' ولفت الأنظار إلي أن السنوات التي قضاها مندور مبعوثا في أوروبا في الثلاثينيات من القرن الماضي جعلته يعيش متأثرا بتيارين واضحين الأول تيار مفكري الديمقراطية الليبرالية الجانحين إلي ما سماه' الليبرالية المخففة' التي تقوم علي تدخل الدولة مع الحفاظ علي الملكية الفردية أما الثاني فهو حماسه الواضح لإصلاحية ليون بلوم الذي تبني مشروع حكومة الجبهة الوطنية الديمقراطية لإنقاذ فرنسا من' الفاشية' لذلك كان من الطبيعي أن يمضي محمد مندور في خط سياسي يميل دائما للحلول الوسط ويفسر جابر عصفور استجابة مندور لأفكار الإصلاحية بأنها استجابة لنزعة توفيقية إصلاحية تتلاءم مع وعيه الاجتماعي وموقعه الطبقي وتراثه الفكري بحيث انحاز للوسط الذي ينادي بالديمقراطية الاجتماعية. وفي مقالاته التي أضاءت حقبة الأربعينيات صاغ مندور مجموعة من الأسس والمباديء دعا الشباب بالذات للتمسك بها وكان يقول' علي كل شاب أن يتعصب لدستور وطنه وما يكفله هذا الدستور للمواطن من حقوق كحق التمثيل النيابي وكفالة الحريات العامة يجب أن يؤمن إيمانا شاملا راسخا بأن قضية وطنه لن تحل ما لم تتحق إرادة الأمة في اختيار ممثليها الحقيقيين وكل رأي مخالف لهذا الرأي إنما هو نفاق تمليه مصالح الحاكمين الذين يستبدون بأمورنا' مقال منشور في صحيفة رابطة الشباب العدد167 ديسمبر1947 وهذا للعلم فقط.
جمال عبد الناصر
وتوقفت أوراق كثيرة في الندوة من بينها ورقتا إسماعيل زين الدين وسيد عشماوي أستاذا التاريخ الحديث بجامعة القاهرة أمام جدلية السياسي والاجتماعي في فكر مندور من خلال مساهمته كمفكر ليبرالي في العمل من خلال الجناح اليساري في حزب الوفد القديم والمعروف باسم' الطليعة الوفدية' الذي كان واحدا من المحاولات الوفدية التي قامت من داخل الحزب لاستيعاب حركات الرفض وإجهاض الثورة الاجتماعية المتوقعة في ظل هذه التناقضات التي عاشتها مصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وكان هذا التيار التقدمي المتأثر بأطروحات اليسار المصري لتحديث المجتمع يعمل داخل الحزب برعاية مباشرة من مصطفي النحاس باشا. وبسبب هذه النوعية من الأفكار واجه مندور داخل الحزب حركة تذمر وبالذات من الجناح الإقطاعي فيه الذي حاول اتهامه بالشيوعية. و هذه التهم الباطلة أنكرها مندور في أكثر من مناسبة فهو في حواره مع فؤاد دواره يقول:' لم يكن لي في أي يوم من الأيام صلة بالحزب الشيوعي ومنظماته واذا كنت قد وضعت العدالة الاجتماعية بين شعارات جريدة الوفد المصري فقد كنت مدفوعا في ذلك بنزعة إصلاحية خالصة لكنها علي أية حال نزعة اشتراكية واضحة لم تدفعه إلي تبني الاشتراكية العلمية ربما لأسباب فلسفية- وبفضل هذه النوعية من الكتابات نجح في لفت انظار التجمعات اليسارية فبقدر ما كانت الديمقراطية الاجتماعية تباعد بينه وبين العناصر التقليدية في المجتمع كانت تصله بالمواقع المتقدمه فيه فضلا عن أن حركة المجتمع في الواقع كانت تشده في النهاية إلي الاتجاهات اليسارية علي تنوعها ولقد كان هذا هو رهان جماعة الفجر الجديد الماركسية التي تعاونت مع الطليعة الوفدية في الوفد بهدف دفعها للأمام من جهة ومساعدتها علي التمايز عن القيادة التقليدية للوفد من جهة اخري وقد عالج كاتب هذه السطور مختلف صور التعاون بين مندور والجماعات اليسارية في الورقة التي قدمها للندوة وكانت النتيجة العملية لهذا التعاون مساندة مندور في الصحف التي عمل بها ودعمه بمقالات ودراسات وكوادر تجعل لشعار العدالة الاجتماعية الذي اتخذه محتوي تقدميا مع الترحيب بمقالاته وأطروحاته الفكرية التي كتبها في أعقاب تشكيل اللجنة الوطنية للطلبة والعمال عام.1946 وفي هذه المقالات صاغ مندور فكرا إصلاحيا يري أن ثلاث مشكلات كبري عاناها المجتمع المصري في الأربعينيات- وربما إلي الآن- مشكلة الاستقلال السياسي ومشكلة أثرياء الحرب ثم مشكلة الظلم الاجتماعي المزمنة المتأصلة وتلك الأخيرة حسب قوله يجب أن يجتمع حولها تفكيرنا المذهبي ففكرة العدالة الاجتماعية هي الفكرة التي ينبغي التعلق بها وسبل علاج هذه المشكلة' المزمنة' هو التشريع وإصلاح النظام المالي والأخذ فيه بنظام الضرائب التصاعدية ولاشك أن هذه الكتابات كما وصفها الكاتب المغربي محمد براده في واحدة من أبرز الدراسات التي عالجت فكر مندور كانت تعكس الوعي الممكن لحركة وطنية وسياسية مرتكزة علي تحالف وطني وبسبب هذه المقالات تعرض مندور للاعتقال والحبس الاحتياطي خلال عامي1945-1946 أكثر من20 مرة. وعلي الرغم من أن مندور واصل دعوته للإصلاح وبشر كغيره من المثقفين بمجيء ثورة1952 إلا أن دوره كمفكر سياسي يكاد ينتهي بعد قيام الثورة بعامين ومع بدايات أزمة مارس الشهيرة وتفجر النزاع حول ديمقراطية الثورة وفي هذه الفترة أصدر مندوركتابه الشهير' الديمقراطية السياسية' الذي عكس تصوراته عن التعددية الحزبية وعن ضرورة إطلاق الحريات وكلها أمور رفضتها الثورة. ولعل هذا ما دعا فتحي عبد الفتاح إلي وصفه في الندوة بأنه' بطل إلياذة الديمقراطية'. وعلي الرغم من الببلوجرافيا التي نشرها المجلس الأعلي للثقافة في الاحتفالية والتي تضمنت مقالات مندور ودراساته تشير إلي غزارة إنتاجه الفكري بعد قيام الثورة إلا أنها تؤكد أيضا أن غالبية كتاباته كانت موجهة بالأساس إلي عمله كناقد أدبي ومسرحي مهم وابتعد تماما عن الخوض في كل ما هو سياسي يرتبط بارشاد' الضباط الأحرار' إلي المستقبل الذي كافح من أجله وعلي هذا الأساس ينفي سيد عشماوي الفكرة التي راجت لسنوات والتي رأت أن مندور قد تم تغييبه بوصفه مفكرا ليبراليا اعتبره بعض رجال نظام يوليو52 معاديا للثورة ويؤكد أن مندور حتي في معاركه النقدية مع رشاد رشدي علي سبيل المثال وهي المعركة الشهيرة حول ما إذا كان الفن للحياة أم كان الفن للفن رآها عشماوي معركة أيديولوجية وسياسية وليست نقدية فقط. واللافت أن الناقد الدكتور ماهر شفيق فريد في الندوة نفسها وهو أحد تلامذة رشاد رشدي اعتبر مندور حقق كسبا كبيرا علي أستاذه في هذه المعركة لأنه كان فيها أقرب للموضوعية وإلي الفهم الصحيح لمولات أساسية عن الفن والمجتمع علي حين جنحت كتابات رشاد رشدي إلي الإثارة الصحفية والتسطيح وفي سجالات دارت في الندوة وبعيدا عنها كان السؤال الرئيسي لماذا استبعدت ثورة يوليو رجالا بحجم مندور وطه حسين وأقصتهم بعيدا عن مشروعها للتغيير لعل محمد براده في كتابه عن مندور قد أجاب عن السؤال حين انتهي إلي القول بأن' التغييرات التي جاءت بها ثورة يوليو غيرت من وضعية مندور كمثقف عضوي كان يناضل في صفوف الجماهير من أجل الاستقلال فبعد قيام الثورة فقد الكثير من مظاهر تلك الصفة العضوية ذلك أن الناصرية تبنت الشعارات نفسها والبرامج التي كانت تنادي بها الأحزاب السياسية ومن ثم فإن العلاقة العضوية مع الطبقات والأحزاب تحولت بين الناصرية والمثقفين إلي ارتباط قوامه استعمال هذه' الطاقات' من دون إشراكها في المسئولية الفعلية للسلطة وهذه هي الكارثة التي انتهت بنا إلي ما نحن فيه أليس كذلك!*