
|
حول الهوية والعرب و11 سبتمبر:
ثرثرة عابرة مع مثقفين أمريكان! |
 | |
واشنطن ـ محمد بركة إذا كان د. إدوارد سميث يستقبلك هائش الشعر, مهلهل الملابس يحمل حقيبة قماشية متسخة, فإن د. جاري ويفر بدا برابطة عنقه الحريرية وقميصه الأزرق شديد الأناقة! هكذا تجد المثقف الأمريكي وكأنه لا يعرف الحلول الوسطي علي مستوي المظهر أو الشكل, أما مستوي المواقف الأيديولوجية والتحليلات لاسيما في قضايا الهوية الأمريكية والأمريكيين من أصل عربي والعلاقة مع الآخر فستجد كل ألوان الطيف ستجد الواضح الصريح الذي يجيبك بأمانة ويتلقي أسئلتك برحابة صدر, وستجد المراوغ الذي يتفنن في القفز علي علامات الاستفهام الحقيقية! جاءت زيارتي إلي الولايات المتحدة للمشاركة في برنامج الزائر الدولي الذي ضم وفدا من عشرين مثقفا جاءوا من إفريقيا وآسيا وأوروبا لطرح مختلف الرؤي حول مفهوم التنوع الثقافي في المجتمعات المختلفة واتسمت مشاركة الجانب الأمريكي بالحيوية والتعددية في الآراء حول الموضوع الواحد! والبداية لابد أن تكون مع د. جاري ويفر المدير التنفيذي لمعهد إدارة تداخل الثقافات في الجامعة الأمريكية, فكم بدت آراؤه مثيرة وأحيانا صادمة! ما الذي يعنيه تحديدا أن تكون أمريكيا؟ يتساءل د. ويفر قائلا: إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تبدو بالسهولة المتوقعة, فقد تكونت أمريكا من مهاجرين جاءوها من مختلف البقاع ليقيموا حياة ونمطا مختلفا وهذا بقدر ما يعطي للتجربة فرادتها فإنه يجعل الحديث عن هوية وثقافة أمريكية صعبا ومعقدا, وانزعج الجناح الإفريقي من الوفد ـ أعني الزملاء من جنوب إفريقيا وتنزانيا ونيجيريا حين قال د. ويفر: هل تعرفون لماذا ظلت أحوال السود في أمريكا تراوح مكانها السيء؟ لأنهم كسالي ولا يريدون بذل مجهود حقيقي, ويري الأكاديمي الذي تتسم نبرته بالهدوء والثقة أن فصل الدين عن السياسة في أمريكا ليس قويا كما يتصور البعض, وعلي سبيل المثال لماذا يكثر الجدل حول قضايا زواج المثليين والتحاقهم بالخدمة العسكرية ومدي شرعية الإجهاض؟ لماذا يكثر الجدل حول ذلك في الإدارات الحكومية ومراكز صنع القرار؟ لأنها في الأساس قضايا دينية أو علي الأقل ذات جذور دينية! ويرفض د. ويفر مقولة صمويل هنتنجتون الشهيرة حول صراع الحضارات مشيرا إلي المفكر الأمريكي المعروف انقلب علي نفسه وغير مواقفه في كتابه الأخير من نحن الذي يطرح فيه إشكاليات الهوية ويؤكد فيه أن الخطر الذي يتهدد المجتمع الأمريكي يأتي من الداخل, من احتمال زوال التعدد الثقافي!
|
 | |
مشكلة بعض العرب الذين هاجروا إلي أمريكا وحصلوا علي الجنسية وطاب لهم المقام في بلاد العم سام أنهم يريدون أن يكونوا أمريكيين أكثر من الأمريكان! وأكرم إلياس رئيس مجموعة(Cap:TalCommun:Cation) التي تعمل مع الحكومة هو بلاشك أحد هؤلاء! لسبب ما بدا غير مرتاح لوجود اثنين من العرب ضمن الوفد زميل من المغرب وأنا ولكن ليس هذا مهما, المهم أنه كان يتحدث حول فلسفة وبناء المجتمع المدني في الولايات المتحدة وراح يعدد نظام وفوائد اللامركزية في المجتمع حيث لا توجد وزارة للإعلام لضمان حرية التعبير وكذلك لا توجد وزارة للصناعة أو التخطيط وكان محقا في كثير مما ذكره لاسيما كيف استطاع النظام اللامركزي استيعاب التنوع الهائل في الجغرافيا ولون البشرة والثقافة واللغة علي امتداد الولايات المختلفة, لكن الغريب أنه تجاهل تماما كل التساؤلات الجدلية مثل مدي حرية تدفق المعلومات في المجتمع الأمريكي إبان الحرب علي العراق وما إذا كان الجيش يضع رقابة وغيرها من أسئلة طرحها بقية الزملاء! هيلين سمعان ـ المدير التنفيذي لمؤسسة معهد الأمريكيين العربAAIF ـ أمريكية أخري من أصل عربي لكنها بدت أكثر توازنا, ربما لأنها بحكم موقعها لا يجب أن تتحرج من الحديث المفتوح الصريح, وركزت سمعان حديثها علي جهود منظمتها في التعريف بالأمريكيين العرب وأبرز أعلامهم من خلال منشورات وكتيبات عديدة وكان لافتا أن قائمة مشاهير الأمريكيين من أصل عربي تضم المطربة العالمية شاكيرا والممثلة سلمي حايك, كما تضم هذه المنشورات موضوعا طريفا عن مجموعة من ضباط شرطة نيويورك من أصل عربي, فهذه هي الإستراتيجية التي تؤمن بها سمعان كسلاح فعال في مواجهة أي حالة من حالات التمييز ضد العرب بعد أحداث11 سبتمبر. ديبورا ميريز من معهد سياسة الهجرة(MPI) أشارت إلي أن عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يقيمون في الولايات المتحدة يبلغ عشرة ملايين و300 ألف مهاجر غير شرعي! وتأتي المكسيك والهند والفلبين والسلفادور والصين وجمهورية الدومينكان علي قمة الدول الأكثر تصديرا للهجرة غير الشرعية, وتلاحظ أن المهاجرين لم يعودوا يتركزون في المدن والولايات الرئيسية مثل نيويورك ولوس أنجلوس وتكساس كما كان يحدث في الماضي بل يتجهون الآن إلي مناطق ليس لها عهد باستقبال مهاجرين مثل نورث كارولينا وجورجيا. وحول تأثير11 سبتمبر علي سياسات الهجرة التي تضعها الحكومة من خلال مراكز بحث متخصصة تقول ديبورا, هناك اتجاه يهدف إلي تقليل عدد المهاجرين الشرعيين الذين تستقبلهم الحكومة فضلا عن تشديد الإجراءات الأمنية التي تشمل بصمة الأصابع والتصوير وهذا يطبق علي الجميع بمن في ذلك مواطنو أوروبا الغربية فضلا عن تشديد نقاط التعاون علي الحدود مع كندا والمكسيك بالإضافة إلي إعادة النظر في قبول أعداد هائلة من اللاجئين التي تعد أمريكا الدولة الأولي عالميا من حيث حجم الأعداد التي تستقبلهم من اللاجئين. |
 | | شاكيرا |
هنا علق د. صلاح الدين يوسف ـ عضو الوفد وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة لاجوس قائلا: أنا كنيجيري أريد أن أوضح نقطة محددة, فكل من أقابلهم من المهاجرين من نيجيريا في الولايات المتحدة أجدهم من المسيحيين وهذا لا يفاجئني إطلاقا, لأني أعرف أن الشكوي من اضطهاد الأغلبية المسلمة وقوانين الشريعة الإسلامية صارت الطريقة المجربة الوحيدة للحصول علي فيزا لدخول الأراضي الأمريكية وأعرف أن أمرا مماثلا يحدث في السودان! رولاند روبك حظي بشعبية هائلة بين أعضاء الوفد, فهو خبير في شئون التعدد الثقافي, ولكن قدرته علي تبسيط الأمور مذهلة وحديثه حميم لا يخلو من نكات ومداعبات تجعله نجما أكاديميا فوق العادة! كان يرتدي قميصا أحمر مشجرا علي طريقة وكالة البلح والأسواق الشعبية في القاهرة, أصلع, أحول, مغرم بلمعان الأصفر الذهبي عبر سلاسل وأساور علي جلده الأسمر اللامع! يقول كثيرون يتصورون أنني أمريكي ـ إفريقي ولكني أمريكي ـ لاتيني ويعترف بأن لون البشرة مازال يلفت نظر البعض علي الأقل في بعض المواقف ولذا فهو لكي يغيظ الآخرين يصطحب زوجته ـ أمريكية شقراء تعمل في جريدة واشنطن بوست ـ في نزهة خارجية ويتعمد وهما يسيران في الشارع أن يطوق خصرها بذراعه ويحتضنها بحميمية, والمدهش أن هذا السلوك لا يغيظ فقط البيض بل أيضا السود لاحظ أنه أسود, كما يغيظ كذلك الأمريكيين مثله من أصل لاتيني! ومع تكرار هذا النوع من الحميمية بدأت زوجته تشك في الأمر وتسأله: هل هو الحب أم أنك تجعلني مادة للاختبار, فيقول بلا تردد: بل هو الحب فتضحك وتقول: إخرس! رافاييل بيجار خبير في تنظيم الحملات الانتخابية الرئاسية سألته عن قواعد اللعبة التي تحكم الانتخابات في بلد مثل الولايات المتحدة فأشار إلي أهمية العزف علي احتياجات الناخبين الفردية واهتماماتهم الفردية مثل الضرائب, الإجهاض, التعليم والصحة, كما أكد أن أهم عنصر في الحملة الانتخابية هو الوقت, فالمال تستطيع تدبير الملايين منه في أي لحظة وكذلك المتطوعين, لكنك لا تستطيع شراء الوقت, كما أشار بيجار إلي أهمية عنصر الثقة, فمن المهم للغاية أن يثق الناخب في وعود ومشاريع المرشح. سألته عن سلوك الأمريكيين من أصل عربي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة, فقال ليس لدينا أرقام محددة ولا نتعامل مع الناخبين وفق أصولهم, لكن يمكننا القول بشكل عام إن الأمريكيين العرب يتعاملون وفق الاحتياجات المعتادة للناخب الأمريكي وإن كان العراقيون المهاجرون الذين يتركزون في ميتشجان صوت معظمهم لبوش بسبب مشروعه للديمقراطية والتغيير في العراق والشرق الأوسط في حين صوت أمريكيون عرب آخرون لكيري بسبب رفضهم لسياسات بوش, وهكذا كان هناك توازن وعموما الاتجاه الإيجابي والمشاركة السياسية في الانتخابات من قبل الأمريكيين العرب تتزايد في الآونة الأخيرة. ينص الدستور الأمريكي علي أن تدريس الأديان يجب أن يتم وفق معتقدات ومسميات أصحاب كل دين مع الوضع في الحسبان أن المدارس الحكومية لا تدرس الأديان كأديان وإنما كنوع من الثقافة العامة التي تقدم بإيجاز, أما المدارس الخاصة فيمكنها أن تتوسع كيفما شاءت! هذه الملاحظة أوردها د. شابير منصوري ـ مؤسس ومدير مركز التعليم الإسلامي في لوس أنجلوس ـ كمقدمة ضرورية قبل أن يحدثنا عن طبيعة عمل المجلس المتخصص في تقديم الارشادات والنصائح حول الدين الإسلامي في المناهج والمقررات التعليمية علي امتداد الولايات المتحدة, د. منصوري الذي ينحدر من أصول هندية ضرب مثلا بكتاب مقرر علي المدارس الحكومية يتحدث عن ثقافات ومجتمعات العالم وقال إن الكتاب رغم صخامته لا يشغل الدين فيه سوي عشر صفحات منها صفحة ونصف عن دين البدو حسب تسمية الكتاب للدين الإسلامي! مما يخالف الدستور بطبيعة الحال, لكن الشيء الغريب هو أن الكتاب يقرر أن صلاة المسلمين لا تتم إلا علي الرمال وكم كان مدهشا أن تذهب ابنة د. منصوري وتقول له: أبي إن صلاتنا باطلة لأننا لا نسجد علي الرمال! يضيف د. منصوري: هنا قررت إنشاء هذا المجلس وإعطاء النصائح والإرشادات اللازمة من خلال علماء ومتخصصين في مختلف فروع الدين الحنيف يتعاملون مع المركز والموقف عموما يتحسن والمدارس الحكومية تتجاوب معنا ومن النماذج الإيجابية التي أراني إياها د. منصوري مجلد كبير مقرر علي المدارس الثانوية في معظم الولايات ويحوي فصلا بعنوان نمو التجارة وفيه تجد خريطة العالم التي رسمها الإدريسي وإنجازات الخوارزمي في الجبر وغيرهما من علماء العرب القدامي فضلا عن دور العرب في الملاحة وتطوير القوارب والسفن* |
|
 |
|
|
 |
|
|