434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الشعر هو الشعر

أحببت مجلة الأهرام العربي منذ ولادتها حبا شديدا أعرف بعض مبرراته ولا أعرف بعضها ولاحظت علي بعض محرريها وخاصة رعاة الأدب بها أنهم حداثيون ـ وهذه صفة محمودة ـ وأنهم جميعا تقريبا ملتزمون يحترمون الآخر ويعرفون أن الصحافة رسالة لا تميل إلي هوي ولا تحيد عن عدل بين أصحاب الآراء جميعا والحكم في نهاية الأمر للمنطق السليم‏.‏
وفي عددها الأخير علي صفحتها الأخيرة نشرت موضوعا بعنوان الشعر‏..‏ هذا الرباط المقدس وهو عنوان رائع لأحد غلاة الحداثيين ظاهره التمجيد للشعر وواقعه إبهام في إبهام وأسلوبه يغبط الكاتب عليه وينم عن مقدرة علي الصياغة المقننة المحترفة التي يقصد بها في بعض الأحيان إبهار القاريء وإخفاء الحقيقة بدليل أنه يقول حرفيا‏:‏ القصيدة هي امرأة من حليب اللحظة وعسل الصبر وإيقاع الجرح وحرارة الانتظار وفسفور الأمل‏,‏ ونسي أو تناسي أن يقول إن الشعر كيان له جسد وروح وشكل ومضمون ومعني ومبني كان الواجب أن يقول ذلك إن كان يقصد فعلا البحث الجاد ولكن فضحه وكشف سوءة مقاله في نهاية الأمر أنه يحارب القصيدة العمودية ويسميها الكلاسيكية ولو أمعن النظر بقليل من العلم والحيادية لعرف أن القصيدة العمودية المعاصرة فيها كثير من الحداثة ولأدرك في نهاية المطاف أنه أهدر جهده في محاربة شكل الشعر دون الموضوع الذي هو جوهر الشعر والذي يدعي افتتانه به‏.‏
وليسمح لنا أن نستوقفه في بعض القضايا التي أثارها من وجهة نظر تستوجب المراجعة فهو يقول إن الخليل بن أحمد وضع علي ضربات أقدام فرسه تسعة عشر بحرا للشعر‏..‏ ولو كان يري اللغة كما يراها الأكاديميون لكان وضع بحرا وزنا واحد للشعر‏,‏ ولو سئل من يعرف ألف باء الشعر لقال له إن الخليل بن أحمد لم يكن يصوغ الشعر ولكنه استنبط بحور الشعر ووضع علم العروض من استقراء كل التراث الشعري العربي الذي سبقه منذ قرن أو يزيد‏.‏
وقضية أخري أثارها في البند رابعا إذ يقول الشعر هو الشعر عمودي أو تفعيلة أو حر أو نثر‏..‏ الشعر أكبر من هذه التسميات جميعا وأنه بريء منها‏,‏ وهذا الكلام يجرد الكيان الشعري من شكله وملامحه ويجره بالنص إلي النثر وهذا يعني إلغاءه تماما وقد سمعت بأذني من أحد كبار الحداثيين أدونيس قوله إنه ليس من الضروري أن تفهم الشعر وسمعت من حداثي آخر إذا غزك إنسان بدبوس فقد أشعرك أي قال لك شعرا‏,‏ وصاحبنا يعلي هذا الخلط بقوله في نفس الفقرة الشعر عاصفة من الجراح والأحلام والنبوءات‏,‏ وقضية ثالثة نوافقه عليها إذ يقول الأوزان والقوافي لا تصنع شعرا ونحن نضيف نعم هذا صحيح ولكن الأوزان والقوافي تدل علي الشعر وتشكل الإيقاع وهو عنصر ضروري فيه‏.‏
وقضية رابعة نوافقه عليها أيضا إذ يقول الشعر كلام موزون مقفي مقولة ساذجة‏,‏ ولكنها عاشت في وقتها حين كانت توضح الفرق في الشكل بين الشعر والنثر الفني الرائع‏,‏ وقضية خامسة أوردها علي سبيل السخرية والفكاهة التي تترفع عنها المناقشة فهو يقول حرفيا حتي هذه اللحظة لم يصدر أي أمر باعتقال أي شاعر عمودي أو نفيه كما فعل أفلاطون حين أبعد الشعراء عن جمهوريته‏.‏
وهناك قضية أخيرة تدل علي أن صاحبنا المتحمس للشعر لا يتابع بوعي وإدراك الحركة الشعرية المعاصرة ولا يتعمق فهم الشعر ولا يدرك رسالته ولا يعرف المسيرة الشعرية علي مدي التاريخ وما موقف النوابغ فيها وما حكمة التسلسل الثقافي وما موضع الشعر من المسيرة الحضارية وكيف أن الشعر يمثل العمود الفقري في كيان المسيرة الحضارية العربية علي مدي التاريخ والحاضر والمستقبل فهو يقول إن القصيدة العمودية لم تضف شيئا بعد رحيل البردوني والجواهري ومع تقديرنا للشاعرين الكبيرين فإننا لو أخذنا بهذا المنطق الساذج والنظرة القاصرة والحكم السطحي الطفولي لأوقفنا الشعر بعد المتنبي أو حتي بعد أحمد شوقي الذي نصبته جموع الشعراء والأدباء العرب تلقائيا من ذات أنفسهم أميرا للشعر العربي وأقيم احتفال كبير سنة‏1927‏ بدار الأوبرا بالقاهرة تمت فيه المبايعة من جميع الحاضرين ولو تسني للكاتب الكريم أن يتابع كما نتابع نحن كمحكمين في مسابقات الشعر في مختلف المدارس والجامعات والجمعيات الأدبية ذلك الفيض الهائل من إبداع المواهب العربية الشابة في الشعر العمودي لأدرك أن الحركة العربية مبشرة وأن الموهوبين كثر وأن الشعر بإيقاعه وموسيقاه سليقة عربية لا تجف ولا تنضب لأنها عطاء فطري يجري في دماء الأجيال المتتابعة‏.‏
ولعل الكاتب الكريم يري معي أن الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة أحد رواد مدرسة الشعر الحر التفعيلة وأحد كبار الدعاة له وكان المفروض أن تتحمس للحر ضد شعر العمود ولكنها في أستاذية بالغة محترمة تقول في كتابها قضايا الشعر المعاصر ص‏8‏ سطر‏5:‏ كل ما أدعو إليه أن نقيم أسلوب الشعر الحر توأما جميلا لأسلوب الشطرين‏,‏ وتقول في صفحة‏..48‏ ينبغي ألا يطغي الحر علي شعرنا المعاصر‏,‏ تقول ذلك وهي رائدة الشعر الحر الداعية له وليتنا نتعلم‏.‏
وأخيرا أشكر الأستاذ الحداثي الكبير كاتب مقال الشعر‏..‏ هذا السر المقدس إذ هيأ لي الاختلاف معه الذي لم يفسد الود عرض وجهة نظري في شيء من الحماس دفعني إليه أني رأيته يرمي سهامه المسمومة إلي القصيدة العمودية وهو يحتمي بصدر مجلة الأهرام العربي الراهبة في محراب الحق والخير والجمال والحب والسلام هذه المجلة التي سمعت أخيرا أن الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام الكبير يقول إنه ليعتز بالانتماء إليها‏.‏
محمد التهامي
شاعر وكاتب ـ مصر