434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الفقراء لا يدخلون الجنة

جهود الأغنياء‏..‏ تــاريخ من الوعـــود الكاذبــة

‏ ميادة العفيفي


دعونا لا ننسي أن نصف البشرية يعيشون علي الكفاف أو بمعني آخر علي أقل من دولار واحد في اليوم‏,‏ وأن أكثر من مليار إنسان يعيشون تحت مستوي حد الفقر‏,‏ ودعونا لا نتجاهل تلك الزيارات السريعة لعزرائيل التي يحصد خلالها أرواح ملايين الأبرياء ومنهم الأطفال كل يوم لا لشيء سوي أنهم فقراء‏.‏
وحتي نكون أكثر منطقية دعونا أيضا نقر بأنه لا يوجد لدي أي من المنقذين الثمانية حلول سحرية أو حتي طموح بإيجاد حل حاسم لإيقاف نزيف الأرواح المتوقع لأكثر من مليار شخص هم ضحايا آلام الفقر والجوع خلال السنوات القادمة‏,‏ بل علي الأرجح ستظل عدم المساواة لدي البشر قضاء لن يمكن التحكم به‏.‏
أي أنه لا يوجد بالفعل علاج أو حل من المتوقع أن يقضي علي هذا القدر المرعب من المهانة والمعاناة وانتهاك كرامة النفس البشرية الناتج عن الفقر ولا حتي عن المزيد من موجات العنف المتوقع أن يشنها الملايين من الجوعي والمحرومين حول العالم علي هؤلاء الذين حظوا بكل النعم والمزايا‏.‏
وبالطبع فإنه علي هؤلاء الأغنياء‏(‏ حتي من باب وقاية أنفسهم من الحسد‏)‏ تقع أعباء تقديم العون والالتزام بتعهداتهم الأخلاقية والاقتصادية وبصفة خاصة ربما تقع علي الولايات المتحدة التي أنفقت مليارات الدولارات علي حربها علي العراق أن تنفذ تعهداتها بإنقاذ ملايين البشر من الموت جوعا وفقرا وهي التي وقعت شيكا علي بياض من أجل تمويل حربها ضد الإرهاب‏.‏
وربما يفسر لنا هذا السبب الذي دفع رئيس البنتاجون السابق ـ ربما لأنه الأعلم بالميزانية التي أنفقتها بلاده علي الحرب ـ لأن يصرح أن أهم أولياته هي محاربة الفقر في إفريقيا‏.‏
فبمجرد أن تولي بول ولفوتيز مهام منصبه الجديد كرئيس للبنك الدولي في شهر يونيو الماضي كانت أولي محطاته بوركينا فاسو ورواندا وجنوب إفريقيا التي قام بزيارتها في إطار الالتزام بتطبيق الاتفاقية التاريخية التي نتجت عن اجتماع قمة الثماني الأخير بإلغاء نحو‏40‏ مليار دولار أمريكي من إجمالي قيمة الديون التي أرهقت كاهل أكثر‏18‏ دولة فقرا في العالم ومنها بوركينا فاسو وروندا‏.‏
ولا يخفي علينا أن موجة عارمة من الانتقادات والجدل قد نتجت عن اختيار صقر المحافظين الجدد بول ولفوتيز تحديدا ليلعب هذا الدور الإنساني الشديد الرقة مع الفقراء وهو أحد أهم مصممي خطط الحرب علي العراق عندما كان نائب وزير الدفاع الأمريكي إضافة إلي افتقاره الواضح للخبرة في مجال التنمية البشرية‏,‏ ناهيك بالطبع عن افتقاره لخبرة في مجال الحرص علي النفس البشرية‏,‏ مما دفع بالعديد من المنظمات الخبيرة في هذا المجال للإعلان ضمنا‏(‏ أفلح إن صدق‏)‏ ولمطالبته بالالتزام بالتعهدات السابقة لتقليل معدلات الفقر حول العالم وهي تلك التعهدات التي أعلنتها من قبل الدول الغنية مرارا وكانت إجابة ولفوتيز بكل تواضع أنه مستعد لأن يكون خادما للمجتمع المدني الدولي‏.‏
من ناحية أخري فإن الولايات المتحدة تعاني هي الأخري من ارتفاع معدلات الفقر وكان التقرير السنوي لمركز تعداد السكان الأمريكي الأخير قد وضح أن أكثر من‏35‏ مليون أمريكي سقطوا في هوة الفقر وهي المرة الأولي خلال عقد التي تتضاعف فيها معدلات الفقراء في أمريكا‏,‏ وكان هذا الارتفاع قد أعاد مرة أخري الانتقادات الحادة لإدارة الرئيس الأمريكي التي لم تتمكن حتي الآن وخلال دورة رئاسة بوش الثانية من حل مشاكل البطالة والأزمات الاقتصادية الحادة التي تواجهها بلاده من جراء فاتورة الحرب علي العراق‏.‏
وإذا كان الفقر يعني أن يحيا الإنسان علي أقل من دولار واحد في اليوم بالنسبة إلي بقية البشر حول العالم فإنه في الولايات المتحدة يحمل معاني أكثر تحديدا فهو أولا يعتمد علي حجم الأسرة وأعمار أفرادها كما أنه قد يختلف من عام لآخر مع ارتفاع تكاليف الحياة فعلي سبيل المثال في عام‏2001,‏ اعتبرت الأسرة التي تبلغ أعمار الوالدين بها أقل من‏65‏ وبها طفلان أقل من‏18‏ عاما فقيرة إذا كان دخلها الإجمالي في العام أقل من‏207,12‏ ألف دولار في العام ومن خلال هذا المقياس فإنه في عام‏2004‏ كان‏9,32‏ مليون أمريكي يصنفون علي أنهم فقراء‏.‏
وعلي أية حال فإن معايير الفقر في الولايات المتحدة تختلف عنها في أي مكان آخر في العالم فهي أولا مرتبطة بظروف المعيشة في مقابل إجمالي دخل الفرد السنوي وظروف المعيشة تلك تتضمن ظروف السكن ونوعه أي هل هو ملك أم إيجار أم غير موجود أصلا وحجم السكن مقارنة بعدد أفراد الأسرة أو السكان والظروف الصحية بمعني وجود تأمين صحي أم لا وما يملكه الفرد من وسائل الراحة مثل أجهزة التكييف مثلا وبالمناسبة فإن من لا يمتلك جهاز تكييف في أمريكا يعتبر فقيرا‏.‏
في أمريكا كلمة الفقر تعني عدم القدرة علي توفير احتياجات الأسرة من الطعام المغذي وليس فقط من الطعام ومن الملبس وأيضا عدم وجود سكن ملائم وصحي وعلي هذا الأساس فإن‏46%‏ من المصنفين بأنهم فقراء في أمريكا يملكون منازل صحية بها ثلاث غرف نوم وأكثر من حمام وجراج للسيارة مع وجود مساحة أمام المنزل مزروعة‏.‏
وأيضا‏76%‏ من هؤلاء المساكين يملكون أجهزة تكييف وفقط‏6%‏ منهم يعانون من وجود أكثر من فرد في غرفة النوم الواحدة‏,‏ ووفق تقديرات مركز تعداد السكان الأمريكي ودراسات مؤسسة‏(‏ هيرتياج‏)‏ فإن الفقير في أمريكا لديه حيز من المكان يقيم به أكبر من مواطن الطبقة المتوسط‏(‏ الذي ليس فقيرا‏)‏ في مدن مثل باريس ولندن وفيينا وأثينا‏,‏ أيضا يملك ثلثا الفقراء الأمريكيين سيارة واحدة علي الأقل و‏30%‏ منهم يملك أكثر من واحدة في حين أن‏97%‏ يملكون أكثر من تليفزيون ملون في المنزل و‏78%‏ يملكون بالإضافة لهذا أجهزة‏DVD‏ و‏62%‏ أجهزة استقبال فضائية وأخيرا حتي لا نحسد فقراء أمريكا أكثر من هذا فإن‏73%‏ منهم يملكون أجهزة مايكروويف وثلثهم يملكون غسالة أطباق كهربائية‏.‏
أما من الناحية الصحية والغذائية فإن معظم فقراء أمريكا لا يعانون بأي حال من سوء التغذية حيث إنهم يحصلون علي الجرعات المناسبة من البروتين والفيتامينات والمعادن تماما كالتي يحصل عليها أبناء الطبقة المتوسطة‏,‏ وفي أحد تقارير مركز الدراسات المحلية الأمريكية جاء أن معظم الأطفال الفقراء هم في الواقع مفرطو التغذية بمعني أنهم يفرطون في تناول الطعام لدرجة أنهم يواجهون البدانة وينمون بمعدلات طبيعية وهم أطول بدرجة بوصة وأسمن بمعدل‏10‏ أرطال من أطفال أوروبا بل أيضا من أطفال الأثرياء في الحرب العالمية الثانية مثلا كما أنهم يتلقون الرعاية الصحية المناسبة كما أن‏89%‏ من الفقراء الأمريكيين يؤكدون أنهم لم يواجهوا يوما عدم وجود طعام في المنزل بسبب قلة المال‏.‏
إذا قارنا هذه النسب الخاصة بفقراء‏(‏ الخمس نجوم‏)‏ مع فقراء بلد مثل زيمبابوي مثلا سنجد أن‏7,6‏ مليون إنسان يموتون جوعا بسبب الفقر وهو نصف تعداد سكان البلد‏.‏
وربما كان علينا بناء علي هذه النسب والإحصاءات أن نحلل التقارير الأخيرة للأمم المتحدة التي حذرت فيها الدول الغنية من نتيجة تجاهلها لفقراء العالم خلال العقد التالي فعلينا أول أن نتفهم أنه فقر من نوع آخر أو أنه علي الأقل لا ينتهك آدمية الإنسان‏.‏
في هذا التقرير الذي صدر عن برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة الـ‏UNDP‏ وغيره من التقارير جاءت النتيجة‏:‏
الأغنياء يضيعون الوقت ويتهربون من القيام بتعهداتهم ويتركون مئات الملايين حول العالم في فقر مدقع ومع قدوم عام‏2015‏ سوف تواجه الدول الغنية نفسها شبح الفقر أو ما يطلق عليه برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية ارتفاع معدلات الفقر غير المسبوقة تاريخيا‏.‏
ذكر التقرير أيضا أنه علي الرغم من الجهد الموحد خلال السنوات الثلاث الماضية مازال مليار إنسان يعيشون تحت خط الفقر ومازالت بعض الدول تزداد فقرا يوما بعد يوم وأن الفقر ليس أمرا حتميا ولكن يمكن تقليل معدلاته المرعبة إذا قامت الدول الفقيرة بتبني برامج للإصلاح وإذا استجابت الدول الغنية لبرامج تحسين التجارة وتقديم المساعدات‏.‏
وكان التقرير الذي جاء في‏3‏ آلاف صفحة قد أكد لدينا الفرصة خلال العقد القادم إنقاص معدلات الفقر للنصف والتقرير الأخير كتبه‏265‏ خبيرا وجاء بعنوان الاستثمار في التنمية وهو يؤكد أن الدول يجب أن تضاعف المساعدات السنوية لـ‏135‏ مليار دولار أمريكي في عام‏2006‏ وأن تصل إلي‏195‏ مليار دولار مع عام‏.2015‏
والتقرير يقول أيضا إن الدول الغنية يجب ألا تتردد في التصدق علي الفقراء من خلال المساعدات وأن تضع في اعتبارها أن ميزانيتها العسكرية تصل لـ‏900‏ مليار دولار سنويا‏*‏