مساحة الفقر أوسع من العشوائيات سؤال لرئيس الوزراء:
تحقيق ـ رشا عامر
كنت أهم بقضم قطعة من الساندويتش اللذيذ القابع بين يدي عندما استوقفني صوت ضعيف خلفي يطلب مني' حته', التفت إلي مصدر الصوت لأري صاحبه أو صاحبته فمع الهوان الذي يملأ جنبات الصوت لم أستطع أن أفرق بين كون صاحبه ذكرا أو أنثي هو فقط صوت طفولي نهشه الجوع واستبد به الحرمان كان الصوت لطفلة لم تتعد الرابعة من عمرها ظهر جليا من ملامح وجهها أنها لم تذق طعم الزاد منذ أمس أو ربما منذ أول أمس الطريف أن اسمها نعمة لكنها لا تتمتع إلا بالنعم التي من الله عليها بها أما باقي النعم التي للبشر دخل فيها فقد حرمت منها ليست هي فقط المحرومة, ولكنها واحدة من ملايين المحرومين الذين يملأون جنبات المحروسة نطلق عليهم نحن اسم الفقراء وتطلق عليهم الحكومة اسم محدودي الدخل مع أنه لا دخل لهم أصلا ذلك أن كلمة فقر في قاموس الحكومة' كلمة عيب'. لم نعد في حاجة إلي الذهاب إلي عزبة الصفيح والقرود والزبالين وغيرها من العزب التي طالما اشتهرت بفقرها المدقع وهوان أصحابها لنري الفقراء ونتعرف علي أحوالهم إذ يكفي نظرة حولنا لكي نراهم. إنهم موجودون في كل مكان يعيشون معنا ويأكلون مما نلقي به نحن في'الزبالة' لعله يوقف صراخ الجوع في البطون الخاوية ينتظرون أن نمن عليهم بقطعة ملابس ولو بالية عسي أن تستر عوراتهم التي عرتها الحكومة عندما تعرت هي من مسئولياتها تجاههم وتعاملت معهم علي أنهم' بواقي وفضل' ليس لهم مكان في مجتمع ينفق أبناؤه ملايين الجنيهات علي تهاني الوزراء والمسئولين واصفين إياهم بأنهم قطرة دم عطرة في عروق جفت!! الأرقام و الإحصائيات ليس لها مكان هنا فالإحصائيات المعلنة من قبل الحكومة متهمة بأنها مضروبة' وعلي من يرغب في التأكد النزول إلي الشارع ومقارنة ما يراه بما هو مكتوب. والأفضل في هذه الحالات اللجوء لتقارير الأمم المتحدة وإن كانت هي الأخري لم تأت بكامل الحقيقة فالتقرير الأخير للأمم المتحدة يؤكد علي أن معدلات الفقر في بعض الحالات وصلت إلي63% كما أن عدد السكان الذين لا يستطيعون الحصول علي قوت يومهم تجاوز ال11 مليون نسمة! هذا في الوقت الذي تقدر فيه الحكومة عدد محدودي الدخل الذين تكافح من أجلهم ولا تزال منذ عشرات السنوات وتتخذ منهم شعارا دائما لمرحلتها التنموية القادمة في مانشيتات الصحف بأنهم لا يتعدون الـ0.7% بينما يعيش الباقي في سعادة ورخاء بعد تحرير سعر الصرف وخفض الجمارك علي السيارات والسيمون فيميه بل إن نسبة محدودي الدخل هذه ربما ستتلاشي بعد خفض الدعم عن بعض السلع الأساسية في إطار عملية الإصلاح الشامل الذي تقوم به الدولة علي غرار ما يقوم به الغرب! بالطبع ستختفي هذه الفئة نهائيا من علي الساحة لأنها حتما ستموت جوعا إن لم يكن كمدا وحسرة فالمكاتب المكيفة والسيارات الفارهة والبطون الملآنة علي الدوام لا تترك لأصحابها أية فرصة لمعرفة معني الجوع عندما ينهش في اللحم الحي قاتلا معه الأحلام والحياة مخلفا وراءه البؤس والشقاء والأحلام المبتورة. ربما لا يعرف الكثير من المسئولين في بلدنا أن الفقير اليوم هو من يقل دخله عن دولار يوميا ولما كان الدولار في الماضي يوازي3.5 جنية مصري كان الفقراء يقدر عددهم بالملايين فما بالنا اليوم وقد انتفض سعر الدولار وأصبح يوازي6.5 جنية تري كم أصبح عدد الفقراء أو حتي محدودي الدخل في مصر أخشي لو حسبناها جيدا لأصبحنا نحن أيضا فقراء! المشكلة أن حدة الفقر لم تنخفض بالقدر الذي يبعث علي الأمل, حدث تطور في العشوائيات ولكنها تظل قائمة بأعداد كبيرة تخنق المدن, بل إن هناك العديد من الأسر التي لا تزال تعيش علي لمبة الجاز لعدم وصول الكهرباء إليها بل إنها لا تتمتع بأية مقومات إنسانية بعدما تعرضت لكل أشكال الهوان والحرمان من المأكل والملبس والتعليم والمأوي والرعاية الصحية بما ينذر بكارثة رهيبة تدمر معها كل محاولات الارتقاء بالإنسان المصري الذي أصبح مطحونا في دوامة الحاجة والعوز فعندما يعيش الإنسان مع ثمانية أشخاص آخرين هم أفراد أسرته في عشة صفيح فوق سطح الأرض أو فوق سطوح أحد المنازل المتصدعة سلفا تري ماذا سيكون شعوره خاصة عندما يكون المكان الذي يأويه لا يصلح حتي لسكن الكلاب؟ فلا سقف يمنع مطر الشتاء ولا قيظ الصيف ولا مياه صالحة أو حتي غير صالحة للشرب ولا صرف صحي آدمي بل هي دورة مياه قذرة مشتركة بين أكثر من عشرة أسر يقفون أمامها بالطوابير لا فرق بين الرجال والنساء فيها. المشكلة أن هؤلاء يعدون في نظر الأفقر منهم من المترفين لأن غيرهم لا يعيش تحت خط الفقر وإنما خط الفقر هو الذي قد مر من فوق رقبته ذابحا إياه.
فأية تنمية يمكن أن نرضي عنها في ظل وجود أسرة مثلا لا تجد سريرا لتنام عليه بل هي مجموعة من الحصر المهلهلة التي لا تمنع الرطوبة من العيث فسادا في أجساد واهنة لم تجد لها مكانا آخر يضمها فالأيدي عاجزة عن إيجاد مكان آخر بعد أن ضنت عليهم الدولة بمعاشها لعدم وجود بطاقة أو شهادة ميلاد لرب الأسرة الذي لا يعرف أصلا تاريخ ميلاده. ليس هو فقط الذي حرمته الدولة من معاشها بل هناك الملايين من أمثاله الذين حرمتهم الدولة من كل أسماء وأنواع المعاشات مثل معاش مبارك والضمان الاجتماعي وغيرها من تلك التي لا نسمع عنها إلا في وسائل الإعلام فقط والسبب أنه لابد من إحضار إيصال مياه أو كهرباء للحصول علي هذا المعاش! ولما كانت لمبة الجاز لا يصدر باستهلاكها إيصال وكذلك الحنفية العمومية الوحيدة التي يستهلكها الجميع ليس لها أية أوراق ملكية فان المعاش ضاع عليهم. الآلاف من هؤلاء لا يعرفون للحم مذاقا بل إنهم لا يجدون قوت يومهم يعيشون مكدسين في جحور أشبه بأوكار اللصوص يتقاسمون الطعام- إن وجد-مع الكلاب الضالة يحاربون المرض في معركة معروف نتيجتها مسبقا ولا يجرأون علي طلب العلاج ولو حتي علي نفقة الدولة لأنهم لا ينتمون لعالم الفن من الراقصات والمشاهير الذين ينعمون هم فقط بخيرات البلاد. فها هي أسرة تعولها امرأة توفي عنها زوجها تاركا لها عددا لا بأس به من الأولاد كالعادة تأخذ معاشا قدره سبعين جنيها فقط لا غير لو تم تقسيمه علي أيام الشهر لأصبح الناتج' اثنين جنية وثلاثين قرشا' يوميا وهي توجه سؤالها لرئيس الحكومة كيف يمكن لإنسان أن يعيش بهذا المبلغ؟ المشكلة في الفقر لا تنحصر فقط في أن الناس' مش لاقيه تاكل' ولكن المشكلة أعمق من هذا بكثير فالوضع الاقتصادي لأي دولة هو الذي يحدد ماهيتها فلو انهار هذا الوضع لانهار كل شئ. كل هذا الواقع يصطدم مع تصريحات بعض المسئولين التي يصرون فيها علي أن كل شئ تمام وأن كل ما تنشره الصحف من جرائم سببها الفقر ما هي إلا حالات فردية لا يجوز القياس عليها أو حتي أخذها في الاعتبار متناسين أن كل محاولات رأب صدع المجتمع ستبوء بالفشل الذريع ما لم يتم الإصلاح من الجذور فهؤلاء المحتاجون الذين تتعامل معهم الدولة علي أنهم المهمشون في الأرض الذين لا يمثلون سوي قاع المجتمع ما هم في الواقع إلا قنبلة موقوتة ترسل بشظاياها بين الحين والآخر إلي سطح المجتمع لتصيب منه الكثيرين والعلاج لا يكمن في تقوية السطح لأنه لن يستطيع الصمود كثيرا أمام قنابل القاع ولذا فإن علاج قاع المجتمع بالقضاء علي أسباب انهياره والمتمثلة في ثالوث التخلف الفقر والجهل والمرض ربما يكون هو الحل المبدئي لما يعاني منه المجتمع المصري من الفقر الذي وصفه البنك الدولي بأنه بالغ المستوي*