434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حسبى الله
المسئولان عن الجريمة

داود الفرحان


مع مهابة الموت‏,‏ يعتقد كثيرون أن الولايات المتحدة والحكومة العراقية الحالية من أسعد الأطراف بعملية تصفية رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية في بغداد إيهاب الشريف علي أيدي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين‏,‏ فقد قدم هذا العمل الشائن خدمة كبري لهما في حرب الإبادة التي يشنانها ضد المدن الرافضة للاحتلال ومحاولة إضفاء‏(‏ شرعية‏)‏ دولية علي عمليات القمع والقصف والقتل والاعتقال الموجهة ضد المقاومة الوطنية بحجة‏(‏ مطاردة الإرهابيين‏),‏ وكانت الحكومة العراقية قد اتهمت ديبلوماسيين لم تسمهم بعقد لقاءات مع من تصفهم بالإرهابيين في إشارة إلي المقاومة العراقية محملة إياهم‏'‏ المسئولية الكاملة عن أمنهم‏'‏ متناسية واجبها القانوني والأخلاقي في توفير الحماية اللازمة للدبلوماسيين العرب والأجانب ماداموا يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية‏.‏
وبدلا من أن يعترف وزير الداخلية العراقي بتقصير أجهزته المشغولة بمداهمة منازل المدنيين العزل واعتقالهم‏,‏ زعم أن الدبلوماسي المصري‏'‏ يتحمل المسئولية الكاملة عن أمنه لأنه كان موجودا وحيدا في منطقة خطرة‏'.‏ والمنطقة الخطرة التي يعنيها الوزير ليست الفلوجة ولكنها حي‏'‏ المنصور‏'‏ الواقع في قلب بغداد وهو من أشهر أحيائها الراقية ويكتظ بالنشاط التجاري والدبلوماسي طوال النهار والمساء‏.‏
وبعيدا عن أي جدال حول الظروف التي أحاطت باختيار الدبلوماسي الراحل للعمل في بغداد وخلفية عمله الدبلوماسي السابق في تل أبيب وخروجه إلي الشارع بلا حماية‏,‏ فإن عملية إعدامه جريمة لا يمكن قبولها أو تبريرها تحت أي شعار أو لافتة‏,‏ فمن حق مصر أن تختار من تشاء سفيرا لها في بغداد أو أي عاصمة أخري‏,‏ ومن حقها أن تقرر الوقت المناسب لرفع درجة التمثيل الدبلوماسي المصري في العراق من مكتب رعاية مصالح أو قائم بالأعمال إلي سفارة حتي وإن اعترضت أطراف عراقية معارضة‏,‏ وقد رفضت مصر تحويل مكتبها الدبلوماسي في بغداد إلي سفارة بعد سقوط النظام السابق لأنها رفضت أن يتم ذلك في ظل الاحتلال الأجنبي‏,‏ وترددت في الأمر ذاته بعد ما وصف بنقل السلطة والسيادة إلي حكومة إياد علاوي وأجلت قرارها إلي ما بعد إجراء انتخابات الجمعية الوطنية العراقية‏,‏ وظلت تضع في الاعتبار مصالح الشعب العراقـي كلـه ولـيـس المشـاركـيـن فــي الانــتـخـابـات والحـكومـة فـقـط رغـم الإلحـاح الحكومي العراقي والضغط الأمريكي لتبادل السفراء بين البلدين‏,‏ خاصة أن بغداد أعلنت من جانبها تسمية إحدي السيدات سفيرا لها في القاهرة‏,‏ وهو القرار الذي لم ينفذ حتي الآن لأسباب بروتوكولية‏.‏
ويشك كثير من العراقيين المعارضين للاحتلال في دوافع اختطاف الدبلوماسي المصري وإعدامه‏,‏ ثم محاولة اختطاف سفير البحرين ومحاولة اغتيال سفير الباكستان رغم تغطية ذلك بالسعي إلي عدم منح الحكومة العراقية شرعية التعامل الدولي‏,‏ فالجميع يعلم أن هذه الحكومة تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة التي تمنحها‏'‏ شرعية دولية‏'‏ كما منحت من قبل شرعيتها لقوات الاحتلال مضافة إلي‏'‏ شرعية‏'‏ من انتخبها من العراقيين‏,‏ وبالتالي فإن للدول حساباتها ومصالحها وعلاقاتها التي قد تتعارض أحيانا مع حسابات ومصالح وعلاقات هذا الطرف أو ذاك‏,‏ وفي الظن أن القائمين علي‏'‏ حرب السفراء‏'‏ وضعوا في اعتبارهم قبل كل شئ إثارة أكبر قدر من الضجيج والاهتمام الإعلامي عبر هذه‏'‏ الحرب‏'‏ غير المشروعة لإيصال رسالة إلي العالم مفادها أن العراق بلد غير آمن في ظل الاحتلال وأنه ليس مناسبا التعامل مع الحكومة العراقية الحالية‏.‏ غير أن الرسالة لم تصل بهذا المعني‏,‏ وإنما وصلت بمعني يشوه صورة المقاومة الوطنية غير الإرهابية ويوصمها بالوحشية واللاإنسانية والتنكر لمبادئ العروبة والدين‏.‏ والمفارقة في عملية اغتيال الدبلوماسي المصري أن مصر فتحت صدرها أمام كل فصائل المقاومة الوطنية العراقية وحرصت علي الاستماع إلي وجهات نظرها‏,‏ ووظفت ثقلها لضمان مشاركة الشعب العراقي كله في حكم البلاد وعدم تهميش أي فئة‏.‏
وفي كل الأحوال فإن دم السفير إيهاب الشريف في رقبة الحكومة العراقية والاحتلال الأمريكي الذي يجثم علي صدور العراقيين والعرب الشرفاء كالكابوس الثقيل‏,‏ فهما المسئولان عن الانفلات الأمني وغياب القانون وشريعة الغاب وشيوع العنف والجريمة وانتشار إرهاب الجماعات المسلحة والميليشيات وإرهاب الدولة‏,‏ أما الشعب العراقي المنكوب فهو برئ كل البراءة من دم الدبلوماسي المصري‏,‏ وهو يدفع كل يوم دماء غزيرة عزيزة من أجساد أبنائه ثمنا لتحرير الوطن من الغزاة‏.‏
رحم الله إيهاب الشريف الذي انضم إلي مواكب شهداء مصر والعراق‏,‏ وألهم أسرته الصبر الجميل‏,‏ وحمي مصر الغالية من كل مكروه‏,‏ وأنقذ العراقيين الصابرين من محنتهم‏.‏