434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
من قتل السفير المصري في العراق؟

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


الإجابة عن هذا السؤال تبدو واضحة‏,‏ فالذين قتلوا السفير المصري في العراق الدكتور إيهاب الشريف هم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يقوده أبومصعب الزرقاوي‏,‏ وقد أعلن هذا التنظيم أنه يقوم بهذا العمل لأن مصر لها علاقاتها مع اليهود والنصاري‏,‏ وهذا يجعل رئيس بعثة المصالح المصرية في بغداد مرتدا يجوز قتله‏,‏ هذا القول الصريح لا يبدو واضحا لكثيرين في مصر‏,‏ ولا واضحا لما هو أكثر منهم في الفضائيات العربية‏,‏ ولا حتي واضحا لكثير من المسئولين العرب الذين ظهر لهم فورا أن اختطاف الدبلوماسي المصري هي مقدمة لاختطاف ومحاولات اغتيال عدد من الدبلوماسيين العرب الآخرين‏.‏
فمنذ حادث الاختطاف الأليم بتفاصيله التي باتت معروفة‏,‏ قد تم إلقاء المسئولية فورا علي الدولة المصرية لأنها اتخذت قرارا برفع العلاقات الدبلوماسية إلي مستوي السفارة وهو ما يعني اعترافا بالاحتلال والحكومة العراقية غير الشرعية‏,‏ وبعد أن تمت إدانة مصر بخطف رئيس مكتب رعاية مصالحها في العراق‏!‏ انتقل جمع آخر إلي إدانة الولايات المتحدة والسلطات العراقية بالقيام بنفس العمل لأنهما خلقا حالة من الفوضي وانعدام الشرعية جعلت ظهور المقاومة ومن ثم اختطاف وقتل رجلنا في بغداد منطقيا ولكن لأن الوضع لا يتحمل إدانة دول وحكومات فقط‏,‏ فقد ذهبت جماعة أخري إلي إدانة الدكتور إيهاب الشريف شخصيا بتهمة اختطاف نفسه وقتلها لأنه أهمل في الاعتبارات الأمنية فخرج دون حراسة وقام بشراء صحيفة فحقت عليه اللعنة والخطف والقتل أيضا‏!‏
وهكذا‏,‏ جرت إدانة السلطات المصرية‏,‏ والعراقية‏,‏ والولايات المتحدة‏,‏ وحتي الدكتور إيهاب الشريف شخصيا‏,‏ أما الجاني الحقيقي الذي اعترف بالخطف والقتل‏,‏ فقد جري دفعه إلي مؤخرة الصورة باعتباره نوعا من التفاصيل الفرعية وليس الحقائق الأصيلة‏,‏ وتدريجيا وما بين يوم الاختطاف ويوم القتل‏,‏ بدأ الخطاب العام يتغير حول الموضوع‏,‏ فلم تعد كلمة الاختطاف يجري تداولها‏,‏ وسرعان ما حلت محلها كلمة الاحتجاز من قبل جماعات عراقية‏,‏ ولم يكن أحد علي استعداد مناقشة ما هو معلن من دوافع الخاطفين‏,‏ وكأن هناك بطحة علي رأس مصر لأنها أبقت بعثة لرعاية مصالحها في العراق‏,‏ ولأنها عزمت علي رفع مستوي التمثيل لدي الحكومة العراقية‏,‏ وكأن هناك خطأ بالغا علي الدكتور إيهاب الشريف شخصيا لأنه قبل العمل في العراق‏.‏
والحقيقة أنه لا يوجد خطأ ارتكبته‏,‏ فليس سرا علي أحد أن مصر عارضت الغزو الأمريكي للعراق‏,‏ وكانت هذه المعارضة واحدة من الأسباب التي منعت الشرعية عن الغزو في الأمم المتحدة‏,‏ ولا يخفي علي أحد موقف مصر المبدئي من رفض الاحتلال الأمريكي للعراق والمطالبة بزواله‏,‏ ولكن التعامل المبدئي أمر والتعامل مع الاعتبارات العملية أمر آخر‏,‏ ولا تستطيع دولة مسئولة في العالم أن تتخلي عن رعاية مصالحها في بلد خاصة عندما يقدر عدد مواطنيها في هذا البلد بمئات الألوف لهم أسرهم وممتلكاتهم‏,‏ كما أنها لا تستطيع أن تتخلي عن دورها في العمل من أجل توفير الظروف الملائمة لزوال الاحتلال من العراق‏,‏ ولا التخلي عن العراقيين في وقت المحنة‏,‏ ولا يوجد مبرر أخلاقي أو ديني واحد يقول بأن وجود التمثيل الدبلوماسي يعني قبولا وشرعنة للاحتلال بل هو لا يزيد ولا يقل عن خلق قناة للاتصال والتفاعل والتأثير في واقع مر ولكن فيه من المصالح ما يجعل الغياب عنه نوعا من الجريمة‏,‏ ولم يترك الرسول الكريم فرصة واحدة لإرسال السفراء والرسل إلي بلاد عادية طالبا الهداية وتبادل التجارة والمصالح‏,‏ وكان معلوما ومعروفا حتي في هذا التاريخ القديم أن الرسل والدبلوماسيين من الواجب حمايتهم ورعايتهم تحت كل الظروف‏,‏ ومن خرج علي ذلك عد من البرابرة الذين لا يعرفون حرمة ولا قانونا ولا دينا‏,‏ ولم يكن الدكتور إيهاب الشريف بعلمه وخلقه وحميته علي الأمة العربية والإسلامية بخارج عن هذه القوانين‏,‏ بل إن قبوله بهذه المهمة‏,‏ وما سبقها من مهام لا تقل صعوبة عنها هي شهادة للرجل وليست شهادة عليه‏.‏
ولكن القضية أخطر من ذلك كله‏,‏ فلم يكن ممكنا إدانة البريء وتبرئة المتهم بهذه السهولة لولا أن المسألة كلها قد باتت مختلطة في الأذهان المصرية والعربية كما لم تختلط من قبل‏,‏ فقد جري المنطق هنا في مصر علي ربط الأعمال الإرهابية التي تتخذ ضد المصريين في الداخل والخارج بما يجري في العراق‏,‏ والحقيقة أنه لا يوجد أصل لهذه المسألة‏,‏ فقد تم خطف دبلوماسي مصري آخر في بغداد من قبل إعلان مصر عن عزمها برفع التمثيل الدبلوماسي من قسم لرعاية المصالح إلي سفارة‏,‏ وحدث أن قتل مصريون عاملون في العراق رغم أنهم ليسوا دبلوماسيين أصلا‏,‏ وجري نسف السفارة المصرية كلها في إسلام أباد قبل أن يتم الغزو الأمريكي للعراق‏,‏ وجرت مذبحة الأقصر الشهيرة قبل كل ذلك ولم تكن المسألة العراقية مطروحة من الأصل‏,‏ ولم يكن مفهوما أبدا كيف أن عملية إرهابية تجري ضد مصري‏,‏ أو دبلوماسي مصري‏,‏ أو مصريين في الخارج‏,‏ أو مصريين وأجانب داخل مصر سوف تؤدي من قريب أو بعيد إلي تحرير العراق أو تحرير فلسطين‏,‏ وإذا كانت لهذه العمليات الإرهابية أية قيمة عسكرية أو سياسية تذكر في جدول المقاومة فلماذا تصر الغالبية الساحقة من الشعب العراقي ـ سنة وشيعة وأكراد ـ علي الوجود المصري في العراق‏,‏ بل وتكثيفه أيضا؟
ما نحن بصدده هو عملية إرهابية جرت ضد دبلوماسي مصري‏,‏ وهي بهذا المعني جرت ضد مصر كلها‏,‏ وقد نختلف في مصر حول مشكلات النظام السياسي‏,‏ أو مدي سرعة وحيوية التحول الديموقراطي‏,‏ أو عما إذا كان مطلوبا تعديل الدستور أو تغييره‏,‏ أو مدي فائدة التحول إلي اقتصاد السوق أو عائد تدخل الدولة‏,‏ ولكن ما لا يجب أن نختلف عليه فهو أن الإرهاب هو خطر حال علي مصر والمصريين كأفراد وشعب واقتصاد بل وسياسة أيضا‏,‏ ومن الممكن أن نختلف اختلافا مبدئيا أو عمليا حول طبيعة العلاقات المصرية ـ الأمريكية‏,‏ أو الدور المصري في حل القضية الفلسطينية‏,‏ أو نوعية الدوائر التي ينبغي أن تعمل فيها السياسة الخارجية المصرية‏,‏ ولكن ما لا ينبغي الخلاف حوله هو أن مصر بشعبها ومؤسساتها ونظامها وقيادتها هي التي تعرف مصالحها وهي التي تقرر كيف تحميها وليس جماعة سياسية قررت باسم رؤيتها للدين تقرير الحرام والحلال لمصر وأهلها‏.‏
إن اختطاف وقتل الدكتور إيهاب الشريف من قبل جماعة القاعدة في بلاد الرافدين لا ينبغي له أن يمر كما لو كان حادثا إرهابيا آخر‏,‏ ولكنها فرصة لكي يستمع السيد الزرقاوي وجماعته إلي صوت الناس والعلماء والساسة في الأحزاب والمجتمع المدني وأن ما هو صحيح بمعلوم الدين سوف تقرره مصر وعلماؤها‏,‏ وأن الموقف المصري من العراق سوف تقرره المصالح المصرية والعربية العليا‏,‏ وأن الدكتور إيهاب الشريف ليس أمريكيا ولا مرتدا وإنما هو مصري عربي مؤمن دفع ثمنا غاليا من أجل القيام بواجبه الوطني والقومي‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا