
|
نقطة حبر توقيت سيء.. واختيار أسوأ |
 | |
عاطف حزين يعاني القرار المصري في السنوات الأخيرة من مرض الاهتزاز المزمن, هذا المرض يطال كل قراراتنا السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية عاي حد سواء, وكأنه فيروس يسبح في هوائنا لنستنشقه مع كل شهقة ولا نستطيع طرده ـ لسوء الحظ ـ مع كل زفرة. أقول ذلك بمناسبة اغتيال الشهيد إيهاب الشريف في بغداد وما أحاط به من مواقف كشفت الخلل المسيطر علي مطبخ صناعة القرار. المسألة بدت ـ بكل ملابساتها ـ أن مصر ألقت بأحد أبنائها الذين أنفقت عليه تعليمهم الملايين إلي التهلكة, حين اتخذت قرارا مجاملا لأمريكا بإرسال سفير إلي العراق. لم ننتبه للحظة واحدةالي أن ما يعرف بدول التحالف ليست لإحداها أي سفير هناك. لم نلتفت الي أن إيران التي لم تسحب سفيرها أثناء حربها مع صدام والتي تتحكم الآن في أكثر من نصف العراق, لم ترسل سفيرا لأنه لم يعد هناك دولة اسمها العراق. نحن فقط الذين سارعنا بإرسال سفيرنا في توقيت خاطيء تماما, لا يفوقه في الخطأ إلااسم الشخص الذي وقع عليه الاختيار, رجل قضي سنواته الأخيرة في سفارة مصر بإسرائيل لا يمكن أن يكون هو الاختيار المناسب لكي نرسله إلي مستنقع لا أمن فيه ولا مسئولين تستطيع الرجوع اليهم في الملمات. فليقل لي أحد العقلاء ما معني هذا القرار؟ وهل قتل الشريف الذي خطفه في العراق أم الذي أرسله من القاهرة؟. المؤكد أن الشريف كان يؤدي دورا ذا طبيعة فرضها الظرف الذي ذهب من أجله, وهو ظرف محفوف بالمخاطر, فما بالنا وقد أصبح العراق مرتعا لأجهزة المخابرات من كل دول العالم ؟. هذا الدوركان يمكن أن يؤديه الدكتور إيهاب ببراعة ولكن في مكان آخر غير العراق, وليس هناك ذرة شك في أن مصر غنية بأبنائها الذين كان يمكن إرسال أحدهم إلي العراق ليقوم بالدور نفسه دون أن يتهمه الجهلة القتلة بأنه كافر وجاسوس يعمل لحساب إسرائيل. هذا هو ما يسمي بالمواءمة السياسية قبل اتخاذ القرارات, فإذا كنا لأسباب ما مضطرين إلي تلبية رغبات أمريكا بدعم الحكومة العراقية(!) عن طريق إرسال سفير, ورفع مستوي تمثيل البعثة الدبلوماسية حتي نشجع دول المنطقة علي إرسال سفرائها, كان حريا بنا أن ندقق في اختيار الشخص حتي لا نجد أنفسنا في هذا الموقف الصعب, فنحن لا نعرف علي وجه اليقين من الذي قتل سفيرنا وأين أخفي جثته؟, وحتي لو عرفنا القاتل وحصلنا علي الجثة فممن سنثأر لكي نشفي غليل الشعب المصري الحزين والمطعون في كرامته؟ هل هناك مهانة أكثر من تصريحات رئيس الحكومة العراقية التي( ندعمها) والتي غمز فيها إلي اتهام الشريف بالاتصال بجماعات عراقية مسلحة علي طريقة المرحوم كان غلطان, وأية مهانة أكثر بعد وصف الحكومة العراقية لعملية الاختطاف فبل التأكد من حدوثها بأنها فيلم سينما مصري؟ للأسف نحن الذي وضعنا أنفسنا في هذا الموقف بعد أن كنا الأقوي صوتا, والأصوب قرارا, والقائد الذي يسير خلفه الباقون مطمئنين. والآن لن أخوض مع الخائضين هاتفا بأن هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه مصر, فما أكثر المرات التي دفعنا فيها دون أن نلمس أي مردود إيجابي, فالأشقاء تخلوا عن احترامهم السابق لنا منذ زمن, بل أن بعضهم أصبح يعتبر نفسه أهم وأثقل من مصر, ولن نناقش هذا هنا, لأننا في موقف حرج لا يمكننا من أن نناقش ونرد علي هذه المزاعم. ولن أقول مع القائلين بأن دم الشهيد إيهاب الشريف مجرد نقطة في بحر من دماء الشهداء الذين قدمتهم مصر دفاعا عن مواقفها العربية ومبادئها الدولية وتضحياتها العالمية, لأن الواقع يؤكد أن الشريف ولا مؤاخذة مات فطيس, حتي جثته لم نعثر عليها طافية في أي مصرف أو مدفونة في أي ركن ومع ذلك نقيم سرادق عزاء له,فمن الذي يعزي في شهيد بلا قبر ومن تراه يتلقي العزاء؟. نحن لا نبكي علي الشريف مع والده وزوجته وابنتيه, وكل فرد من أفراد الشعب المصري, نحن نبكي ـ في الواقع ـ علي الحال الذي وصلنا إليه, وتبقي مشكلاتناالأهم أن الدموع ما بترجعش اللي راح.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|