434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نقطة حبر
توقيت سيء‏..‏ واختيار أسوأ

عاطف حزين


يعاني القرار المصري في السنوات الأخيرة من مرض الاهتزاز المزمن‏,‏ هذا المرض يطال كل قراراتنا السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية عاي حد سواء‏,‏ وكأنه فيروس يسبح في هوائنا لنستنشقه مع كل شهقة ولا نستطيع طرده ـ لسوء الحظ ـ مع كل زفرة‏.‏
أقول ذلك بمناسبة اغتيال الشهيد إيهاب الشريف في بغداد وما أحاط به من مواقف كشفت الخلل المسيطر علي مطبخ صناعة القرار‏.‏ المسألة بدت ـ بكل ملابساتها ـ أن مصر ألقت بأحد أبنائها الذين أنفقت عليه تعليمهم الملايين إلي التهلكة‏,‏ حين اتخذت قرارا مجاملا لأمريكا بإرسال سفير إلي العراق‏.‏ لم ننتبه للحظة واحدةالي أن ما يعرف بدول التحالف ليست لإحداها أي سفير هناك‏.‏ لم نلتفت الي أن إيران التي لم تسحب سفيرها أثناء حربها مع صدام والتي تتحكم الآن في أكثر من نصف العراق‏,‏ لم ترسل سفيرا لأنه لم يعد هناك دولة اسمها العراق‏.‏ نحن فقط الذين سارعنا بإرسال سفيرنا في توقيت خاطيء تماما‏,‏ لا يفوقه في الخطأ إلااسم الشخص الذي وقع عليه الاختيار‏,‏ رجل قضي سنواته الأخيرة في سفارة مصر بإسرائيل لا يمكن أن يكون هو الاختيار المناسب لكي نرسله إلي مستنقع لا أمن فيه ولا مسئولين تستطيع الرجوع اليهم في الملمات‏.‏
فليقل لي أحد العقلاء ما معني هذا القرار؟ وهل قتل الشريف الذي خطفه في العراق أم الذي أرسله من القاهرة؟‏.‏
المؤكد أن الشريف كان يؤدي دورا ذا طبيعة فرضها الظرف الذي ذهب من أجله‏,‏ وهو ظرف محفوف بالمخاطر‏,‏ فما بالنا وقد أصبح العراق مرتعا لأجهزة المخابرات من كل دول العالم ؟‏.‏ هذا الدوركان يمكن أن يؤديه الدكتور إيهاب ببراعة ولكن في مكان آخر غير العراق‏,‏ وليس هناك ذرة شك في أن مصر غنية بأبنائها الذين كان يمكن إرسال أحدهم إلي العراق ليقوم بالدور نفسه دون أن يتهمه الجهلة القتلة بأنه كافر وجاسوس يعمل لحساب إسرائيل‏.‏
هذا هو ما يسمي بالمواءمة السياسية قبل اتخاذ القرارات‏,‏ فإذا كنا لأسباب ما مضطرين إلي تلبية رغبات أمريكا بدعم الحكومة العراقية‏(!)‏ عن طريق إرسال سفير‏,‏ ورفع مستوي تمثيل البعثة الدبلوماسية حتي نشجع دول المنطقة علي إرسال سفرائها‏,‏ كان حريا بنا أن ندقق في اختيار الشخص حتي لا نجد أنفسنا في هذا الموقف الصعب‏,‏ فنحن لا نعرف علي وجه اليقين من الذي قتل سفيرنا وأين أخفي جثته؟‏,‏ وحتي لو عرفنا القاتل وحصلنا علي الجثة فممن سنثأر لكي نشفي غليل الشعب المصري الحزين والمطعون في كرامته؟ هل هناك مهانة أكثر من تصريحات رئيس الحكومة العراقية التي‏(‏ ندعمها‏)‏ والتي غمز فيها إلي اتهام الشريف بالاتصال بجماعات عراقية مسلحة علي طريقة المرحوم كان غلطان‏,‏ وأية مهانة أكثر بعد وصف الحكومة العراقية لعملية الاختطاف فبل التأكد من حدوثها بأنها فيلم سينما مصري؟
للأسف نحن الذي وضعنا أنفسنا في هذا الموقف بعد أن كنا الأقوي صوتا‏,‏ والأصوب قرارا‏,‏ والقائد الذي يسير خلفه الباقون مطمئنين‏.‏
والآن لن أخوض مع الخائضين هاتفا بأن هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه مصر‏,‏ فما أكثر المرات التي دفعنا فيها دون أن نلمس أي مردود إيجابي‏,‏ فالأشقاء تخلوا عن احترامهم السابق لنا منذ زمن‏,‏ بل أن بعضهم أصبح يعتبر نفسه أهم وأثقل من مصر‏,‏ ولن نناقش هذا هنا‏,‏ لأننا في موقف حرج لا يمكننا من أن نناقش ونرد علي هذه المزاعم‏.‏
ولن أقول مع القائلين بأن دم الشهيد إيهاب الشريف مجرد نقطة في بحر من دماء الشهداء الذين قدمتهم مصر دفاعا عن مواقفها العربية ومبادئها الدولية وتضحياتها العالمية‏,‏ لأن الواقع يؤكد أن الشريف ولا مؤاخذة مات فطيس‏,‏ حتي جثته لم نعثر عليها طافية في أي مصرف أو مدفونة في أي ركن ومع ذلك نقيم سرادق عزاء له‏,‏فمن الذي يعزي في شهيد بلا قبر ومن تراه يتلقي العزاء؟‏.‏
نحن لا نبكي علي الشريف مع والده وزوجته وابنتيه‏,‏ وكل فرد من أفراد الشعب المصري‏,‏ نحن نبكي ـ في الواقع ـ علي الحال الذي وصلنا إليه‏,‏ وتبقي مشكلاتناالأهم أن الدموع ما بترجعش اللي راح‏.‏