
|
هامش الإصلاح الدستوري: روح سياسية جديدة |
 | |
بقلم ـ نبيل عبد الفتاح الجدل العام الدائر منذ أشهر عديدة حول الإصلاح الدستوري, يمثل نوعية في تاريخنا السياسي والفكري معا, لأن طبيعة نظامنا السياسي التسلطي الذي تأسس مع ثورة يوليو1952, لم يولي اهتماما كبيرا بالجوانب والقيم الدستورية, وأهميتها الكبري في تنظيم وضبط العلاقات بين السلطات التنفيذية, والتشريعية والقضائية, وكضمانة رئيسية للحقوق والحريات الفردية والعامة. إن تغليب المعايير الأيديولوجية والولائية للسلطة, وللرئيس ـ أيا كان شخصه فلهم جميعا الاحترام ـ كان يمثل أبرز ظواهر السياسة المصرية, وهو الأمر الذي أثر سلبا علي أنماط الثقافة السياسية السائدة, علي مستوي النخبة أو الجماهير. من هنا نستطيع أن نقول إن عودة الاهتمام بالمسألة الدستورية المصرية, يعود إلي عدد من الأمور منها: تجارب الإصلاح الدستوري والسياسي في الدول الأوروبية الشيوعية سابقا, والتراث الدستوري الذي تكون ولايزال من أحكام المحكمة الدستورية في مصر, والأهمية التي يوليها بعض النشطاء والأفراد للجوانب الدستورية للقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية وتنطوي علي مخالفات صريحة لدستور1971 وتعديلاته العديدة, والتي تحتاج إلي تغيير شامل. من هنا نستطيع أن نقول في مقام تقويمنا لتجاربنا السياسية, وحواراتنا القومية علي مدي عقود إن المسألة الدستورية في النظم التسلطية تبدو من الأهمية بمكان, خاصة بعد عقود عديدة من تأسيس دول ما بعد الاستقلال السلطوية, والتعبوية في بلدان عديدة, وإهمالها للنظم الدستورية, بل ولا مبالاتها بالشرعية الدستورية ودولة القانون. تبدو أهمية الحوار الذي يدور في مصر الآن مهما من وجوه عديدة يمكن رصدها فيما يلي: أولا: أن هذا الجدل الدستوري والقانوني والسياسي, يسهم في دعم الحوار الموضوعي حول قائمة إعمال ـ أجندة ـ الحوار القومي في مصر, وترتيب أولوياته, بديلا عن الخلاف الذي يدور حول الأولويات, والخلط بينها لأسباب أيديولوجية أو سياسية. ثانيا: الانتقال من السجالات والعنف اللفظي ـ في الجدل العام المصري ـ إلي مجال التأصيل المنهجي, ومن اللغة السجالية إلي اللغة الدستورية, والسياسية, ومفاهيم واصطلاحات منظومات وأجيال حقوق الإنسان. ثالثا: أن الحوار الدستوري في مصر, يشكل جزءا من ظاهرة جديدة في الإقليم, الذي يتأثر بالتجارب الدستورية والقانونية المصرية منذ مطلع دولة الاستقلال وحتي اللحظة الراهنة المتغيرة. رابعا: أن الثورة التقنية في مجال الإعلام والمعلومات تسهم في نشر دعاوي الإصلاح السياسي, وتنقل التجارب المقارنة في الاحتجاج السياسي, وأشكال المعارضة السلمية الجديدة. خامسا: أن التحولات التاريخية الكبري بعد سقوط وتفكك الامبراطورية الفلسفية والسياسية والماركسية ـ والنظم التابعة لها ـ هي جزء من ثقافة الانتقال من الشمولية والتسلطية السياسية إلي النظم الديمقراطية, ومن هنا تشكل مرحلة الثورات المخملية, والبرتقالية, وعصر الورود والألوان ـ التي رفعت كأداة للاحتجاج السياسي والرمزي ـ مرجعا ومصدرا للإلهام السياسي لبعض القوي الاحتجاجية الجديدة كما تجلي في مظاهرات الاستقلال الثاني في لبنان ـ قبل أن يستولي عليها الإقطاع السياسي الطائفي. 1ـ أن الطلب علي الإصلاح الدستوري والسياسي الشامل في مصر ليس جديدا, وإنما جزء من الحركة الوطنية الإصلاحية والديمقراطية, والتي برزت في أعقاب هزيمة5 يونيو1967, وصدور بيان نادي القضاة عام1968, والتي طالب بالديمقراطية, وسيادة القانون, واستقلال السلطة القضائية في إطار الفصل بين السلطات, ونادي بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. 2ـ ثمة تزايد لتجمعات إصلاحية ـ أشرنا إليها آنفا ـ تطالب بالإصلاح, وتنتمي إلي الفئات الوسطي ـ الوسطي, والوسطي ـ الصغيرة من المهنيين ـ الصحفيين والمحامين والمهندسين والأطباء... إلخ ـ الذين يمثلون أحد أبرز مصادر الحيوية السياسية في مصر تاريخيا. 3ـ ساعد علي بعض الحيوية والحركية ـ الدينامية ـ السياسية الجديدة, تفاعل عناصر من الجيل السبعيني وما بعد مع المتغيرات العولمية والإقليمية في الاحتجاج السياسي, وهو ما أدي إلي توسيع دائرة حريات الرأي والتعبير الصحفي أخيرا, وأدت المبادرة الرئاسية المصرية بتعديل المادة76, إلي عودة الشهية السياسية والاهتمام إلي الفئات الوسطي بالسياسة. إن أهمية عودة الجماعات القانونية والسياسية والثقافية إلي الجدل حول المسألة الدستورية, ودولة القانون إلي السجال العام في مصر ترجع إلي اعتبارات عديدة يمكن أن أرصد بعضها فيما يلي: 1ـ أزمة دولة القانون الحديث, وسيادته علي المخاطبين بأحكامه طيلة عقود عديدة, وهو الأمر الذي أدي إلي نتائج خطيرة, منها: هيمنة قانون الفوضي والأعراف, وبروز نزعات دينية تطالب بمراجعة تراث القانون الحديث, وقانون الدولة لصالح مباديء النظم القانونية التقليدية, وذلك في ظل سياسات الهوية التي يتم توظيفها لأسباب سياسية من قبل الصفوة السياسية الحاكمة. 2ـ شيوع الخطابات الأيديولوجية الماركسية والناصرية والقومية العربية والإسلامية السياسية التي تعلي من شأن دور الأيديولوجيا الشمولية, والتعبئة السياسية, علي حساب مباديء دولة القانون, والشرعية الدستورية. 3ـ تراجع الخطاب الدستوري في قائمة أولويات قائمة الجدل العام في مصر في ظل نظام يوليو.1952 وكان حضوره السياسي, ذو طابع عرضي, بهدف تسويغ وتبرير الخطاب السياسي الرسمي للصفوة السياسية الحاكمة. 4ـ هيمنة القوانين الاستثنائية, وعلي رأسها قانون الطواريء في التطبيق غالبية سنوات العقود الماضية, وتحولها إلي القانون السائد. إن عودة الروح الدستورية مجددا إلي الساحة السياسية المصرية, يرجع إلي عدد من الاعتبارات يمكن إيجاز بعضها فيما يلي: أ ـ بروز كتابات قانونية وسياسية ودستورية في الصحافة القومية والحزبية والمستقلة من جانب بعض المثقفين المصريين البارزين ركزت علي ضرورة تغيير الدستور نظرا لأنه لم يعد ملائما لتطور ديمقراطي, وليبرالي في مصر, إن الخطاب السياسي النقدي والمستقل عن الأحزاب السياسية علي اختلافها ـ تناول ولايزال جوانب الخلل البنيوي في النظام الدستوري المصري ـ1971 وتعديلاته في2005,1980 ـ والهيمنة الرئاسية للرئيس ـ واختلال توزيع القوة بين السلطات الثلاث, وداخل طرفي السلطة التنفيذية, بين مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية. ب ـ ضعف الأحزاب السياسية المصرية, وهامشيتها السياسية والاجتماعية أسهم في إضعاف الروح الدستورية, بل إنها اتفقت مع الحزب الوطني الحاكم علي استبعاد الإصلاح الدستوري من قائمة الحوار الذي تم, قبل المبادرة الرئاسية بتعديل المادة76 من الدستور. جـ ـ مطالبات الجماعة القضائية ـ والقانونية عموما من الفقهاء والمحامين والمفكرين من ذوي التكوين القانوني ـ باستقلال السلطة القضائية, منذ عشرين عاما, عندما انعقد مؤتمر العدالة الأول, وناقش قضايا قانونية ودستورية عديدة, وحتي اللحظة الراهنة التي شهدت مطالبات عديدة للجمعيات العمومية لنادي قضاة مصر, والنوادي الإقليمية ولاسيما الإسكندرية, بضرورة إصدار قانون استقلال القضاء الذي أعده النادي, والإشراف الكامل للقضاة علي العمليات الانتخابية.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|