434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش
الإصلاح الدستوري‏:‏ روح سياسية جديدة

بقلم ـ نبيل عبد الفتاح


الجدل العام الدائر منذ أشهر عديدة حول الإصلاح الدستوري‏,‏ يمثل نوعية في تاريخنا السياسي والفكري معا‏,‏ لأن طبيعة نظامنا السياسي التسلطي الذي تأسس مع ثورة يوليو‏1952,‏ لم يولي اهتماما كبيرا بالجوانب والقيم الدستورية‏,‏ وأهميتها الكبري في تنظيم وضبط العلاقات بين السلطات التنفيذية‏,‏ والتشريعية والقضائية‏,‏ وكضمانة رئيسية للحقوق والحريات الفردية والعامة‏.‏
إن تغليب المعايير الأيديولوجية والولائية للسلطة‏,‏ وللرئيس ـ أيا كان شخصه فلهم جميعا الاحترام ـ كان يمثل أبرز ظواهر السياسة المصرية‏,‏ وهو الأمر الذي أثر سلبا علي أنماط الثقافة السياسية السائدة‏,‏ علي مستوي النخبة أو الجماهير‏.‏
من هنا نستطيع أن نقول إن عودة الاهتمام بالمسألة الدستورية المصرية‏,‏ يعود إلي عدد من الأمور منها‏:‏ تجارب الإصلاح الدستوري والسياسي في الدول الأوروبية الشيوعية سابقا‏,‏ والتراث الدستوري الذي تكون ولايزال من أحكام المحكمة الدستورية في مصر‏,‏ والأهمية التي يوليها بعض النشطاء والأفراد للجوانب الدستورية للقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية وتنطوي علي مخالفات صريحة لدستور‏1971‏ وتعديلاته العديدة‏,‏ والتي تحتاج إلي تغيير شامل‏.‏
من هنا نستطيع أن نقول في مقام تقويمنا لتجاربنا السياسية‏,‏ وحواراتنا القومية علي مدي عقود إن المسألة الدستورية في النظم التسلطية تبدو من الأهمية بمكان‏,‏ خاصة بعد عقود عديدة من تأسيس دول ما بعد الاستقلال السلطوية‏,‏ والتعبوية في بلدان عديدة‏,‏ وإهمالها للنظم الدستورية‏,‏ بل ولا مبالاتها بالشرعية الدستورية ودولة القانون‏.‏
تبدو أهمية الحوار الذي يدور في مصر الآن مهما من وجوه عديدة يمكن رصدها فيما يلي‏:‏
أولا‏:‏ أن هذا الجدل الدستوري والقانوني والسياسي‏,‏ يسهم في دعم الحوار الموضوعي حول قائمة إعمال ـ أجندة ـ الحوار القومي في مصر‏,‏ وترتيب أولوياته‏,‏ بديلا عن الخلاف الذي يدور حول الأولويات‏,‏ والخلط بينها لأسباب أيديولوجية أو سياسية‏.‏
ثانيا‏:‏ الانتقال من السجالات والعنف اللفظي ـ في الجدل العام المصري ـ إلي مجال التأصيل المنهجي‏,‏ ومن اللغة السجالية إلي اللغة الدستورية‏,‏ والسياسية‏,‏ ومفاهيم واصطلاحات منظومات وأجيال حقوق الإنسان‏.‏
ثالثا‏:‏ أن الحوار الدستوري في مصر‏,‏ يشكل جزءا من ظاهرة جديدة في الإقليم‏,‏ الذي يتأثر بالتجارب الدستورية والقانونية المصرية منذ مطلع دولة الاستقلال وحتي اللحظة الراهنة المتغيرة‏.‏
رابعا‏:‏ أن الثورة التقنية في مجال الإعلام والمعلومات تسهم في نشر دعاوي الإصلاح السياسي‏,‏ وتنقل التجارب المقارنة في الاحتجاج السياسي‏,‏ وأشكال المعارضة السلمية الجديدة‏.‏
خامسا‏:‏ أن التحولات التاريخية الكبري بعد سقوط وتفكك الامبراطورية الفلسفية والسياسية والماركسية ـ والنظم التابعة لها ـ هي جزء من ثقافة الانتقال من الشمولية والتسلطية السياسية إلي النظم الديمقراطية‏,‏ ومن هنا تشكل مرحلة الثورات المخملية‏,‏ والبرتقالية‏,‏ وعصر الورود والألوان ـ التي رفعت كأداة للاحتجاج السياسي والرمزي ـ مرجعا ومصدرا للإلهام السياسي لبعض القوي الاحتجاجية الجديدة كما تجلي في مظاهرات الاستقلال الثاني في لبنان ـ قبل أن يستولي عليها الإقطاع السياسي الطائفي‏.‏
‏1‏ـ أن الطلب علي الإصلاح الدستوري والسياسي الشامل في مصر ليس جديدا‏,‏ وإنما جزء من الحركة الوطنية الإصلاحية والديمقراطية‏,‏ والتي برزت في أعقاب هزيمة‏5‏ يونيو‏1967,‏ وصدور بيان نادي القضاة عام‏1968,‏ والتي طالب بالديمقراطية‏,‏ وسيادة القانون‏,‏ واستقلال السلطة القضائية في إطار الفصل بين السلطات‏,‏ ونادي بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين‏.‏
‏2‏ـ ثمة تزايد لتجمعات إصلاحية ـ أشرنا إليها آنفا ـ تطالب بالإصلاح‏,‏ وتنتمي إلي الفئات الوسطي ـ الوسطي‏,‏ والوسطي ـ الصغيرة من المهنيين ـ الصحفيين والمحامين والمهندسين والأطباء‏...‏ إلخ ـ الذين يمثلون أحد أبرز مصادر الحيوية السياسية في مصر تاريخيا‏.‏
‏3‏ـ ساعد علي بعض الحيوية والحركية ـ الدينامية ـ السياسية الجديدة‏,‏ تفاعل عناصر من الجيل السبعيني وما بعد مع المتغيرات العولمية والإقليمية في الاحتجاج السياسي‏,‏ وهو ما أدي إلي توسيع دائرة حريات الرأي والتعبير الصحفي أخيرا‏,‏ وأدت المبادرة الرئاسية المصرية بتعديل المادة‏76,‏ إلي عودة الشهية السياسية والاهتمام إلي الفئات الوسطي بالسياسة‏.‏
إن أهمية عودة الجماعات القانونية والسياسية والثقافية إلي الجدل حول المسألة الدستورية‏,‏ ودولة القانون إلي السجال العام في مصر ترجع إلي اعتبارات عديدة يمكن أن أرصد بعضها فيما يلي‏:‏
‏1‏ـ أزمة دولة القانون الحديث‏,‏ وسيادته علي المخاطبين بأحكامه طيلة عقود عديدة‏,‏ وهو الأمر الذي أدي إلي نتائج خطيرة‏,‏ منها‏:‏ هيمنة قانون الفوضي والأعراف‏,‏ وبروز نزعات دينية تطالب بمراجعة تراث القانون الحديث‏,‏ وقانون الدولة لصالح مباديء النظم القانونية التقليدية‏,‏ وذلك في ظل سياسات الهوية التي يتم توظيفها لأسباب سياسية من قبل الصفوة السياسية الحاكمة‏.‏
‏2‏ـ شيوع الخطابات الأيديولوجية الماركسية والناصرية والقومية العربية والإسلامية السياسية التي تعلي من شأن دور الأيديولوجيا الشمولية‏,‏ والتعبئة السياسية‏,‏ علي حساب مباديء دولة القانون‏,‏ والشرعية الدستورية‏.‏
‏3‏ـ تراجع الخطاب الدستوري في قائمة أولويات قائمة الجدل العام في مصر في ظل نظام يوليو‏.1952‏ وكان حضوره السياسي‏,‏ ذو طابع عرضي‏,‏ بهدف تسويغ وتبرير الخطاب السياسي الرسمي للصفوة السياسية الحاكمة‏.‏
‏4‏ـ هيمنة القوانين الاستثنائية‏,‏ وعلي رأسها قانون الطواريء في التطبيق غالبية سنوات العقود الماضية‏,‏ وتحولها إلي القانون السائد‏.‏
إن عودة الروح الدستورية مجددا إلي الساحة السياسية المصرية‏,‏ يرجع إلي عدد من الاعتبارات يمكن إيجاز بعضها فيما يلي‏:‏
أ ـ بروز كتابات قانونية وسياسية ودستورية في الصحافة القومية والحزبية والمستقلة من جانب بعض المثقفين المصريين البارزين ركزت علي ضرورة تغيير الدستور نظرا لأنه لم يعد ملائما لتطور ديمقراطي‏,‏ وليبرالي في مصر‏,‏ إن الخطاب السياسي النقدي والمستقل عن الأحزاب السياسية علي اختلافها ـ تناول ولايزال جوانب الخلل البنيوي في النظام الدستوري المصري ـ‏1971‏ وتعديلاته في‏2005,1980‏ ـ والهيمنة الرئاسية للرئيس ـ واختلال توزيع القوة بين السلطات الثلاث‏,‏ وداخل طرفي السلطة التنفيذية‏,‏ بين مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية‏.‏
ب ـ ضعف الأحزاب السياسية المصرية‏,‏ وهامشيتها السياسية والاجتماعية أسهم في إضعاف الروح الدستورية‏,‏ بل إنها اتفقت مع الحزب الوطني الحاكم علي استبعاد الإصلاح الدستوري من قائمة الحوار الذي تم‏,‏ قبل المبادرة الرئاسية بتعديل المادة‏76‏ من الدستور‏.‏
جـ ـ مطالبات الجماعة القضائية ـ والقانونية عموما من الفقهاء والمحامين والمفكرين من ذوي التكوين القانوني ـ باستقلال السلطة القضائية‏,‏ منذ عشرين عاما‏,‏ عندما انعقد مؤتمر العدالة الأول‏,‏ وناقش قضايا قانونية ودستورية عديدة‏,‏ وحتي اللحظة الراهنة التي شهدت مطالبات عديدة للجمعيات العمومية لنادي قضاة مصر‏,‏ والنوادي الإقليمية ولاسيما الإسكندرية‏,‏ بضرورة إصدار قانون استقلال القضاء الذي أعده النادي‏,‏ والإشراف الكامل للقضاة علي العمليات الانتخابية‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا