
|
حركات التغيير .. ظاهرة إعلامية
|
 | |
بقلم: د. عبدالعاطي محمد ينتاب المرء الإحساس بالشفقة علي مستقبل كل ما ينطوي حاليا تحت لافتة حركات التغيير علي الرغم مما يمكن أن يتبادر إليه الذهن لأول مرة بأنها رافد من روافد حركة الإصلاح علينا أن نحترمه ونحيطه بالرعاية. ومصدر الشفقة ليس في الحقيقة خوفا من رد فعل السلطات ضدها, فقد اعتادت جميع القوي السياسية النشطة في جانب المعارضة علي حالات الخصام والوفاق مع هذه السلطات وغالبا ما كانت المواجهات تنتهي بتسوية ما يحسمها القضاء لتنفتح جولة تلو الأخري من الشد والجذب بين الجانبين, ثم تطور الأمر في الحالة الراهنة إلي ما يشبه الفرجة من جانب السلطات علي كل صور التعبير عن الوجود التي ابتدعتها هذه الحركات مع التدخل فقط في حالة الخروج علي النظام العام, أي أنه من الناحية العملية لم يعد هناك موضوع للخصام بين الجانبين حتي لو انعدم طريق الوفاق بينهما. ولكن مصدر الشفقة يعود إلي طبيعة نشأة مثل هذه الحركات وتركيبتها الداخلية وأهدافها, وكلها لا تشير إلي إمكانية أن يصبح نشاطها جزءا من التطور السياسي في البلاد, لا أقول إنها متجهة مستقبلا إلي العزلة ولكن أقول بمحدودية التأثير بما يجعلها تقف فقط عند مستوي الضجيج الإعلامي فلا يعول عليها كثيرا في تعزيز مسيرة الديمقراطية في البلاد. ومن الطبيعي أن ينزعج زعماء هذه الحركات وكوادرها من هذا التقييم ويسارعوا بالتشكيك في أصحاب من يوجهون لها النقد, وليس مستبعدا أيضا أن يخاطر البعض الآخر منهم بتوجيه أصابع الاتهام لكل من يحاول أن يضع نشاط هذه الحركات في الميزان بأنه إما عميل للنظام أو رجعي لا يقبل حركة التقدم.
**** ولكن الإنصاف يقتضي أولا التأكيد علي أن ظهورها جاء علي خلفية القطيعة مع الأحزاب السياسية القائمة أو لعدم القدرة علي تشكيل أحزاب سياسية جديدة. ولو أن أحزاب المعارضة استوعبتهم أو تم السماح لهم بإنشاء أحزاب جديدة لما لجأوا إلي مثل هذا الأسلوب في التعبير عن الوجود السياسي, أي أن ظهورهم ليس لأنهم يريدون تقديم الجديد لكي يصبح إضافة إلي حركة الإصلاح عموما, وإنما نكاية في الأحزاب التي عجزت عن استيعابهم أو تصفية لحسابات سياسية معها.
**** ويقتضي الإنصاف ثانيا التأكيد علي خطورة الطابع المظهري لنشاط مثل هذه الحركات, فهي معنية بالإعلام أكثر مما هي معنية بالخطاب الذي يحدث التغيير أو الإصلاح, فما أسهل اليوم من أن تجتمع فئة من الناس لتقول شيئا مثيرا لتسرع كاميرات الفضائيات الباحثة عن التسخين السياسي لتسجيل الموقف. والتمادي في هذا الطابع الإعلامي قد يحدث أثرا وقتيا ولكنه بعد فترة وجيزة سرعان ما تتلاشي قيمته خاصة مع تكرار ظهور مثل هذه الحركات. ولا يستطيع عاقل أن يبني علي ظاهرة إعلامية إمكانية حدوث تغيير حقيقي من ورائها, ولعل ما يثير المزيد من الشفقة أو بالأحري التعود علي عدم الاهتمام بمثل هذا النشاط من العمل السياسي هو البحث من جانب هذه الحركات عن دعم إعلامي من الخارج, وهي مسألة تجعل المواطن ينصرف عنها لحساسيته المفرطة وتوجسه المعتاد من كل ما له صلة بالخارج. ولعل من ينشرون في بعض الصحف أصداء هذه الحركات هناك إنما يضرونهم قبل أن ينفعوهم لأنهم بهذا الاهتمام الإعلامي يستعدون الداخل عليهم!!
**** ويقتضي الإنصاف ثالثا الإشارة إلي أن هدف هذه الحركات يقف عند حد تسجيل الاحتجاج أو السخط الذي ما هو إلا تعبير عن شعور أصحابها بعمق انسداد الطريق الطبيعي أمامهم لممارسة العمل السياسي, فبما أنه من الصعب بالنسبة لهم الاندماج اليسير في القنوات الشرعية, فلماذا لا يجربون البحث عن وسيلة أخري تختص أساسا بالتعبير عن هذا الغضب. ولا شك أن هناك فرقا كبيرا بين مجرد التعبير عن الغضب وبين تحمل المسئولية في عمل سياسي حقيقي ومشروع. وليس سرا أن بعضا من زعماء هذه الحركات وجدوا أنفسهم في موقف حرج بعد ساعات قليلة من الإعلان عنها وراحوا يبحثون عن أصدقائهم القدامي ويسألونهم ما العمل؟ بما كشف عن أنه ليس لديهم إستراتيجية أو تصور تمضي عليه حركاتهم في المستقبل, فقط تجمعوا أمام الميكروفونات وصورتهم الفضائيات وانبهرت بهم وعندما انفض المشهد الإعلامي وحانت ساعة العمل وقفوا عاجزين عن الحركة.
**** ويقتضي الإنصاف رابعا الانتباه إلي خطورة عدم التجانس في تركيبة هذه الحركات وكأنها التقت عند هدف مؤقت هو التعبير عن الذات دون الاهتمام بوحدة العمل, وكم يبدو غريبا ومدهشا للكثيرين أن تجمع هذه التحالفات المشوهة من هم في أقصي اليمين مع من هم في أقصي اليسار, تحالفات يمكن أن يقبلها هذا الطرف الثاني لأنه تعود علي تكتيكات من هذا النوع في الماضي, ولكن الزمن غير الزمن وما كان يصلح قديما لا يمكن تصور نجاحه في عالم اليوم. واللعبة هنا محفوفة بالمخاطر ومصيرها قد ينتهي إلي أمرين إما أن تتحول فيما بعد إلي قوة مناوئة للتغيير إذا انتصر جناح اليمين فيها وإما إلي قوة مضادة نهايتها نعرفها جميعا ولا تحتاج إلي شرح, وفي هذه الحالة فإنه إذا تحدث أصحابها عن الديمقراطية فإن حديثهم يفتقد مصداقيته حيث يصبح السؤال الكبر هو كيف يتأتي ذلك في مسألة تقتضي التوافق السياسي بين أعضائها. وسط كل هذه الملاحظات من الصعب علي هذه الحركات أن تبني لنفسها قاعدة شعبية, ومن الصعب القبول بأنه يمكن التعويل عليها في تحمل مسئولية تطوير عملية الإصلاح. فهل بعد كل هذا نكون قد أخطأنا إذا ما قلنا إنها حركات بلا مستقبل. |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|