434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

من حرب عصابات إلي كرسي الزعامة‏:‏

جارانج يدخل الخرطوم عـلي حصــان أبيض

‏ أسماء الحسيني


في لحظة تاريخية فارقة وصل جون جارانج ـ زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ إلي الخرطوم ليطوي بقدومه صفحة مريرة من صفحات التاريخ السوداني اكتوي فيها السودانيون بنار أطول حرب عرفتها القارة الإفريقية‏.‏
ولم يدخل جارانج العاصمة المثلثة كمتمرد أو غاز ظل يخوض حرب العصابات لعقود في جنوب السودان‏,‏ بل كزعيم وطني‏,‏ بعد أن ألقي البندقية جانبا ورفع رايات السلام ففتحت له الخرطوم أبوابها‏,‏ واصطف أهلها ينتظرون قدومه‏.‏
فماذا يحمل جارانج في جعبته‏,‏ وهل يتمكن من الإسهام في تحقيق الاستقرار في السودان الذي مايزال يشهد توترا في شرقه وغربه ومشكلات في شماله وجنوبه؟
وإلي متي يمكث في الخرطوم؟ وهل هناك ثمة مخاطر علي حياة جارانج من أهالي من قتلوا في حرب الجنوب من الشماليين؟
وكيف سيوازن جارانج بين حلفائه في شرق وغرب وشمال السودان وبين شركاء اليوم وأعداء الأمس في المؤتمر الوطني الحاكم؟ وكيف سيواجه استحقاقات المرحلة المقبلة في السودان وهي مرحلة محفوفة بالمخاطر؟ وكيف سيكون وضعه بشخصيته الطاغية كنائب أول للرئيس السوداني عمر البشير؟ وهل سيمثل إضافة حقيقية للحكم في السودان أم يكون معولا لتقويض أركانه؟
ويري السيد الصادق المهدي ـ رئيس حزب الأمة السوداني المعارض ـ أن قدوم جارانج إلي الخرطوم وإن جاء في إطار ثنائي هو أمر إيجابي‏.‏
ويقول‏:‏ كنا نريده أن يلعب دورا تحريريا قوميا‏,‏ وسننتظر كلامه وأفعاله في المرحلة المقبلة‏,‏ وسنقيم كل ذلك‏.‏ وفي حالة إذا ما انطلق بعد تولي منصبه كنائب أول للرئيس من رؤية حزبية ضيقة فسيجد في هذه الحالة معارضة شديدة‏,‏ أما إذا تبني رؤية قومية واسعة فسيجد كل تقدير‏.‏
ويضيف المهدي‏:‏ إن الوضع في السودان في المرحلة المقبلة سيتشكل وفق رؤيتين‏,‏ الأولي يصوغها التحالف أو الحكم الثنائي المكون من الحكومة السودانية والحركة الشعبية‏,‏ والثانية تتشكل من رؤية القوي الأخري التي تريد تصحيح هذه الأوضاع المختلفة‏,‏ وإذا لم تتم الدعوة لمؤتمر جامع فستنظم المعارضة نفسها بالطرق السلمية لتكون الانتخابات المقبلة هي الفيصل‏.‏
وردا علي سؤال عما إذا كان الحكم القادم سيضيق بتحالف المعارضة الجديدة الذي يتزعمه وصهره الدكتورحسن الترابي قال الصادق المهدي‏:‏ إن الحكم سيضيق ببعضه قبل أن يضيق بالمعارضة‏.‏
أما ياسر عرمان ـ الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ فيري أن قدوم جارانج إلي الخرطوم هو لحظة فاصلة بين ماضي الحركة الشعبية ومستقبلها‏,‏ لحظة تطوي صفحة العمل العسكري وتفتح صفحة العمل السياسي كأداة رئيسية‏.‏
ويقول قليلون هم في التاريخ الذين يبدأون حروب التحرير ثم يشهدون خواتيمها ومن هؤلاء جارانج الذي كان ضابطا بالقوات المسلحة السودانية غير معروف إلا لدائرة محدودة يوم خرج من الخرطوم عام‏1983‏ ليأتي إليها اليوم كزعيم كبير ملء السمع والبصر‏,‏ ليس في داخل السودان فحسب‏,‏ بل علي مستوي العالم‏.‏
ويضيف‏:‏ إنه لا يأتي اليوم كأستاذ في جامعة الخرطوم وضابط في القوات المسلحة فقط بل كمفكر أثر علي التاريخ السوداني في العقدين الماضيين بعمق‏.‏
ويري أن استقباله الذي يمثل لوحة نادرة الحدوث‏,‏ وأنه لا خطر علي حياته في الخرطوم‏,‏ فهو بين أبناء شعبه الذين يكنون له مشاعر عظيمة من الحب ويقابلونه كبطل وطني‏.‏
ويؤكد عرمان‏:‏ أن المرحلة المقبلة في السودان مرحلة معقدة‏,‏ لكن مجيء جارانج إلي الخرطوم ينهي الحرب الأطول في الجنوب ويفتح فرصا جديدة وكبيرة‏,‏ وأنه مهما كانت المآلات فإن إنهاء حرب تجاوز ضحاياها المليونين قضية لا يمكن التقليل منها‏.‏
وحول توليه منصبه كنائب أول للرئيس وهل يمكن أن ينتقص ذلك من صلاحيات الرئيس يقول عرمان‏:‏ جارانج يعد إضافة كبيرة للرئاسة‏,‏ ولا سيما في قضيتي التنمية والعلاقات الخارجية‏,‏ فهو شخص ذو مواهب عديدة‏,‏ والصفات التي يتمتع بها متي ما توافرت الثقة هي صفات مكملة للرئيس البشير ولن تنتقص منه مطلقا‏,‏ فجارانج ليس ممن ينتقصون من الآخرين‏,‏ وهو يتمتع بشعور عميق بالمسئولية وبحس تاريخي يؤهله للتعامل مع المرحلة المعقدة‏.‏
ويري‏:‏ أن ما سيجمع جارانج وحلفاءه وشركاءه هو القواسم المشتركة‏,‏ وهي العمل من أجل السلام الشامل والتحول الديمقراطي والتنمية لمصلحة المحرومين والإجماع الوطني‏.‏
وأوضح‏:‏ أن جرانج سيبقي في الخرطوم المدة التي تمكنه من أداء مهامه‏,‏ وأنه سيقضي وقتها متنقلا بين الخرطوم وجوبا‏,‏ وأنه سيحتفظ بمنصب نائب الرئيس وحاكم الجنوب معا‏,‏ وسيكون له مساعدون يساعدونه في مهامه‏.‏
فيما يري الدكتور عمر محمد علي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الخرطوم‏:‏ إن قدوم جارانج إلي الخرطوم يعني توسيع دائرة المشاركة السياسية التي ستنعكس إيجابا علي تحقيق الوحدة والاستقرار في السودان‏.‏
ويقول‏:‏ إنه لا خطر علي حياة جارانج في الشمال حيث يعيش كثير من الجنوبيين‏,‏ مشيرا إلي أنه لو كان ثمة مخاطر لكانت قد هددت حياة القادة الشماليين قبل جارانج‏,‏ مؤكدا أن السودانيين بطبعهم لا يميلون في الظروف العادية للعنف أو الغدر‏.‏
ويؤكد أنهناك صعوبات ومخاطر تهدد الفترة الانتقالية‏,‏ من بينها بقاء فعاليات سياسية رئيسية خارج السلطة‏,‏ إلي جانب التدخل الخارجي الكثيف‏,‏ ومعالجة ذلك تكون بالإسراع بتنفيذ ماتم التوصل إليه من اتفاقات وإشراك القوي السياسية الأخري واختصار الفترة الانتقالية وتحسين علاقات السودان الخارجية مع دول جواره‏.‏
أما الكاتب الصحفي عثمان ميرغني فيري‏:‏ إنه لا مخاطر علي جارانج في الخرطوم‏,‏ وأنه ربما تكون المخاطر علي حياته في جوبا بالجنوب‏,‏ فهو سيجد شعبيته في الشمال مرتفعة‏,‏ أما في الجنوب فسيواجه بالطامحين والمنافسين والمشكلات‏,‏ وأغلب الظن أن جارانج سيمعن في استخدام أدوات الشمال لترجيح كفته في الجنوب‏,‏ المتقدم سياسيا علي الشمال ولدي أبنائه قدرة كبيرة علي مواجهته قياداتها بصورة أكثر ديمقراطية‏,‏ وليست لديها أية سقوف من تلك التي تحد من قدرة الشماليين علي التعبير‏,‏ ولذلك فإن جارانج سيواجه صعوبات كثيرة في الجنوب‏.‏
ويري الكاتب السوداني‏:‏ أن الخطاب الإعلامي في الفترة الماضية لم يكن كافيا لامتصاص المرارات المترسبة في نفوس الناس نتيجة الحرب‏,‏ وهو ما يجب أن يبذل فيه جهود كبيرة في الفترة المقبلة‏.‏
ويري أن ما يميز جارانج عن غيره من القيادات هو أنه يتعامل بنظرة إستراتيجية ويستخدم رقعة الشطرنج بكامل مساحتها‏,‏ فهو يحرك يديه ونظرته علي جميع زاوايا الرقعة‏..‏ ويوضح‏:‏ إنه لن يكون بالإمكان استيعابه كموظف في منصب نائب رئيسي كغيره من القادة الجنوبيين‏,‏ لأن عنده أدوات يدخرها‏,‏ ولأنه يحافظ علي استقلاليته دون أن يفقد انسجامه مع حليفه الآخر أو يضعف ذلك من حركته‏,‏ فهو من يستطيع أن يستفيد من شريكه الآخر لأقصي درجة لتحقيق أجندته‏.‏
ويؤكد عثمان ميرغني‏:‏ أن مشكلتي دارفور وشرق السودان ليستا مستعصيتين علي الحل‏,‏ وأن جارانج لن يستخدم أدواته لتفكيك الحكومة أو نقض غزلها‏,‏ وإن لجأ للتعامل المباشر مع شرق السودان وغربه بصورة أقرب للتحالف أو كأب روحي‏,‏ وسيكون وجوده عاملا إيجابيا في مواجهة الضغوط الخارجية علي السودان‏.‏
ويري محلل سياسي سوداني آخر ـ رفض ذكر اسمه ـ أن الحركة الشعبية وقائدها سيواجهان في المرحلة المقبلة مشكلات كبيرة‏,‏ حيث لا تملك الحركة خبرة سياسية ولا قدرة علي الاحتكاك بالجماهير‏,‏ وهناك من ينظر بعين الحذر والشك إلي ما يعتبرونه رغبة الحركة في ابتلاع السودان كله‏,‏ وبأنه لا يمكن الثقة في أهدافها‏,‏ وذلك في وقت تتنازع الحركة خلافات داخلية كبيرة‏.‏
ويري القيادي بالحزب الاتحادي السوداني محمد إسماعيل الأزهري‏:‏ أن قدوم جارانج إلي الخرطوم خطوة إيجابية‏,‏ نأمل أن تعزز فرص الوحدة في السودان ونجعلها خيارا جاذبا‏,‏ وتنهي سنوات عدم الثقة والشكوك المتبادلة‏,‏ وترسخ لقيم ومفاهيم جديدة باتجاه سودان ديمقراطي‏.‏
ويقول‏:‏ نأمل أن يؤدي مجيء جارانج في الموقع الثاني للسلطة إلي تعبير الحركة الشعبية ممارسة عن القيم التي ظلت تؤمن بها‏,‏ فالوضع الحالي اختبار للحركة‏,‏ ونأمل أن تعبره ويعبره السودان كله نحو تحول ديمقراطي لسودان موحد‏.‏
ويضيف الأزهري‏:‏ إن الحركة الشعبية لها دورا أساسي في مختلف أنحاء السودان ونأمل وقد صارت حزبا حاكما أن يكون لها إسهامها الإيجابي في تهدئة الأوضاع في شرق السودان وغربه وجميع أنحاذه‏,‏ بما لها من خبرة وتجربة مشيرا إلي أنهناك العديد من المهام الجسيمة والصعبة التي تنتظر جارانج والحركة الشعبية في تحولها من حركة ثورية إلي حزب حاكم‏.‏
وأوضح‏:‏ أن التأهيل لهذا الأمر يستوجب العديد من السلوكيات الجديدة وقدرة علي ممارسة مهام الدولة المختلفة التي تختلف قطعا عن حروب العصابات‏.‏
ويشير إلي أن صداقات الحركة العديدة علي المستوي الداخلي والإقليمي والدولي تؤهلها للعب دور إيجابي في الفترة المقبلة في مسيرة البناء الوطني‏.‏
في حين يري المفكر السوداني الدكتور حسن مكي أن نجاح الشراكة السياسية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني لتنفيذ اتفاق السلام ممكنة إذا توافرت لها الشروط الموضوعية دون سابق ترصد للأخطاء‏*‏