434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

البرلمان المصري لا يتعلم من أخطائه

شبح عدم الدستورية يهدد قوانيــــن الإصلاح

أحمد عبدالحكم


عقب إعلان المحكمة الدستورية العليا تقريرها بعدم دستورية نحو خمس مواد من قانون انتخابات رئيس الجمهورية‏..‏ ثارت جميع الأوساط القانونية والدستورية وانتشرت موجة واسعة من آراء فقهاء الدستور تطالب بضرورة الرقابة السابقة للمحكمة الدستورية علي القوانين قبل تطبيقها تماما كما حدث مع قانون انتخابات الرئاسة‏..‏ ولعل رئيس مجلس الشعب الدكتور أحمد فتحي سرور لم يتجاوز الحقيقة حينما ألقي باللائمة علي الحكومة التي أصرت علي عدم تعديل النصوص التي تقدمت بها في مشروع القانون‏.‏
ما حدث في الجلسات الأخيرة لمجلس الشعب المصري وما شهدته جلسات المناقشة لقوانين الإصلاح السياسي التي طال انتظارها واعتبرها الحزب الوطني بداية عقد مصالحة مع المواطن المصري‏,‏ دفع الكثيرين باتهام القوانين المعدلة لمجلسي الشعب والشوري والأحزاب السياسية ومباشرة الحقوق السياسية بعدم الدستورية‏..‏ في الوقت الذي اجتهدت فيه جهات قانونية وحقوقية لإعداد مذكرات تكشف عدم دستورية العديد من مواد القوانين الثلاثة التي أقرها أعضاء مجلس الشعب‏.‏
وللأسف هناك آفة أصابت كل المشروعات التي عرضت في الأسبوعين الأخيرين من عمر الدورة البرلمانية‏,‏ فعلي الرغم من أن تلك المشروعات أساسية ومؤثرة بشكل كبير في تطور الحياة السياسية‏,‏ وتحريك المسرح السياسي المصري علي أكثر من صعيد إلا أن آفة خطيرة تهدد بتآكل شرعيتها وعدم دستوريتها وهي العجلة الشديدة التي تمت خلالها مناقشة تلك القوانين التي جاءت علي عجل ـ علي حد قول الدكتور شوقي السيد العضو البارز بمجلس الشوري المصري ـ كما أنها لم تأخذ معظمها من النقاش المستفيض ولم تراع وجهات النظر الأخري‏..‏ الأخطر من هذا وذاك أن هذه المشروعات لم تعرض علي مجلس الدولة كقاعدة قانونية متفق عليها‏..‏ وقد كانت بعض المواد ـ كالمادة‏16‏ من قانون الأحزاب ـ والتي أطلقت ـ قبل تعديلها ـ يد لجنة شئون الأحزاب في وقف عمل الحزب والتدخل في شئونه الداخلية من الأمثلة الصارخة علي القوانين التي وردت من الحكومة ولم تخضع لنقاش مستفيض‏.‏
وهنا يتوجب تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا لتأخذ بنظام الرقابة اللاحقة علي القوانين حتي لا تحدث هزات سياسية في مصر نحن في غني عنها‏.‏
لجنة الأحزاب هذه واضحة الدلالة في عدم الدستورية‏..‏ فلا يوجد في دساتير أي من الديمقراطيات الشرقية أو الغربية نص يقول بوجود لجنة للأحزاب لها كل هذه الاختصاصات التي تقيد أو تلغي عمليا حق تأسيس أحزاب جديدة‏..‏ باستثناء ألمانيا ـ والكلام للنائب كمال أحمد ـ حيث توجد لجنة تابعة للمدعي العام مهمتها التأكد من أن الحزب المراد تأسيسه ليس له علاقة بالنازية أو الفكر النازي وترفع تقريرها للمحكمة إذا كان لديها اعتراض علي التأسيس‏.‏
الأغرب أيضا في القوانين التي تم إقرارها هو عدم اشتراط نسبة‏%50‏ عمال وفلاحين‏..‏ وهو ما سيفتح الباب أمام فئة واحدة‏,‏ وهي رجال الأعمال لتحتل كراسي البرلمان للتعبير عن مصالح هذه الطبقة‏..‏ وهو ما يحتم ضرورة السماح لفئتي العمال والفلاحين بتشكيل أحزاب سياسية تعبر عن مصالحها حتي لا يظل التعديل الجديد ليس بمنأي عن عدم الدستورية‏.‏
هذه القوانين التي يصطلح علي تسميتها بقوانين الإصلاح كان يجب تحصينها ضد الطعن بعدم الدستورية وذلك بتطبيق مبدأ الرقابة السابقة عليها‏..‏ وذلك كخطوة لازمة وضرورية لتأمين الاستقرار السياسي للبلاد بدلا من شبح المطاعن الدستورية التي تلاحق هذه القوانين‏,‏ والأمر مازال مطروحا ويمكن تدارك هذا الأمر‏..‏ بدلا من أن نظل عرضة للضغوط الخارجية التي ستلغي مستقبلا كل القيود السياسية التي تعوق العمل السياسي المباشر أو تفرض طوقا علي حركات المعارضة في الشارع‏.‏
لكن المستشار فتحي رجب ـ وكيل اللجنة التشريعية لمجلس الشوري ـ له طرح آخر حيث يعيب علي المشككين في الدستورية كثرة تخوفهم من مخالفة القوانين للدستورية‏..‏ وفي نفس الوقت تساعدنا كثيرا ـ علي حد قوله ـ علي منح القضاء الدستوري اختصاصات الرقابة السابقة واللاحقة في وقت واحد وفي سرعة فائقة قد ينقصها التفكير العملي في إعادة الأوضاع القانونية بشقيها من حيث الرقابة السابقة واللاحقة‏,‏ لكن مرور التشريعات التي تم إقرارها بعدة قنوات قبل إصدارها يجعل فكرة عدم الدستورية ليس من السهل تحققها‏..‏ وإذا كانت المحكمة قد قضت بعدم دستورية خمس مواد من قانون انتخابات الرئاسة ـ وبما يعادل نصف مواد القانون تقريبا ـ فهذا مرجعه للمناخ السياسي العام الذي يريد قضاء المحكمة أن يرسيه ويتفاعل معه وخصوصا منظومة الحريات السياسية وحدودها وتحصينها ضد التهميش والتضييق لكن يجب أن يطمئن الجميع لبقية التشريعات فهدفها جميعا تحقيق الإصلاح السياسي وترسيخ القيم الديمقراطية وإشاعة مناخ العدل والمساواة وهذه التشريعات لم تأت من فراغ‏,‏ وإنما من دراسات عميقة في أروقة الحزب الوطني وأكثر عمقا بين الأحزاب جميعا من خلال حوارات موسعة‏.‏
ثم جلسات استماع في اللجنتين التشريعيين في الشعب والشوري وجميع الآراء والاتجاهات السياسية‏.‏
إذن لا يمكن تعميم القول بأن هناك عيوبا تشريعية في فواتير الإصلاح بل هناك فكر جديد للمحكمة الدستورية العليا يفرق كثيرا بين عهدين من الإصلاح لذلك فالرقابة السابقة أحسن كثيرا وهي لا تحتاج لتعديل دستوري بقدر ما تحتاج فقط لإضافات في قانون المحكمة الدستورية العليا يتيح لها الرقابة السابقة علي القوانين بالإضافة أيضا للرقابة اللاحقة‏.‏
الأكثر من هذا وذاك لدينا في قانون مجلس الدولة نص يقول عرض كل التشريعات الواردة من الحكومة علي مجلس الدولة قبل مناقشتها في البرلمان‏,‏ وهناك اتفاق علي أن عدم العرض غير شرعي وغير دستوري وهذا أيضا يشكل رقابة سابقة يجب الأخذ بها والتوسع فيها لكن الأمر يحتاج فعلا لتدعيم القضاء والدستور بزيادة عدد القضاة الدستوريين وإعادة النظر في قانون المحكمة ذاته حتي تكون قادرة علي ملاحقة متطلبات الرقابة بشقيها اللاحق والسابق‏.‏
لكن هناك من يؤكد أن الفكر التشريعي السائد حاليا والذي يحتكره بعض أطراف في السلطة ليس لدي أصحابه رغبة حقيقية في الإصلاح فالدكتور يحيي الجمل يري أن هؤلاء ينظرون تحت أقدامهم ويضرون النظام أكثر من أعدائه ولا يوجد من بينهم مناضل سياسي لكنهم موظفون سياسيون لا يحيطون بشيء علما‏,‏ ولا يمكن القول بأن عدم الدستورية قد انحسر عن قانون انتخابات الرئاسة علي رغم الرقابة السابقة‏,‏ فالقانون قد حصد قرارات اللجنة العليا للانتخابات وهي لجنة إدارية ذات اختصاص قضائي ضد الطعن في قراراتها وهذا يناقض نصا رئيسيا في الدستور يقضي بعدم تحصين أي قرار إداري للطعن‏.‏
عدم الدستورية أيضا يمتد للجنة الأحزاب فتشكيلها غير دستوري لأن أغلبيتها من الحزب الوطني ورئيسها أمين عام حزب الأغلبية وهذا لا يستقيم مع منطق الأمور‏.‏ عدم الدستورية أيضا يمتد إلي محكمة الأحزاب المقطوع بعدم دستوريتها لأنها محكمة مكونة من شخصيات عامة بجانب قضاة وهذا أمر غريب في الفقه الدستوري‏.‏
يغلق أبواب التغيير والإصلاح الحقيقي في مصر كما أنه يدفع في فترات لاحقة لليأس لأن التضييق علي الحريات يؤدي لكبت عام قد يتفجر في أية لحظة ولا تحمد عقباه‏.‏
لكن هناك من يؤكد أن النصوص التي حكم بعدم دستوريتها كان يعرفها حزب الأغلبية وتناقش فيها نواب البرلمان جيدا هذا ما أكده المستشار محمد موسي رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشعب مضيفا أن كل نصوص القوانين تدرس وتناقش جيدا‏.‏
يبقي الاختلاف أو الرهان علي اختلاف وجهات النظر وتعددها تجاه القضية المطروحة من قانون الجمعيات الأهلية الذي قضت المحكمة بعدم دستوريته وكان مجلس الشعب يعرفه مسبقا لأن القانون لم يعرض علي مجلس الشوري‏,‏ وهناك من تضرر من هذا الوضع‏,‏ ومما يزيد اطمئنانا إلي التشريعات الجديدة وخصوصا قوانين الإصلاح هو إعدادها من قبل اللجنة التشريعية في وزارة العدل بجانب الوزارات المختصة واللجنة ذات خبرة عريضة في المجال التشريعي بما يؤمن أية قوانين جديدة وتلافيا لكل هذه المطاعن استقر العرف علي الرقابة اللاحقة للمحكمة الدستورية وإذا كنا قد استثنينا قانون انتخاب رئيس الجمهورية من الرقابة اللاحقة فهذا استثناء من الأصل المستقر‏.‏
القضية متفجرة في ضوء سعي بعض الأحزاب ـ تحت التأسيس ـ لرفع دعاوي قضائية بعدم دستورية لجنة الأحزاب وهناك من يعد حاليا لرفع سلسلة من الدعاوي القضائية بعدم دستورية بعض تعديلات قانون انتخاب مجلس الشعب والشوري بعد إلغاء نص‏50%‏ عمال وفلاحين‏*‏