
|
الشباب يقاوم لعبة الخراف والذئاب:
دم الضحايا يكتب وثيقة المصالحة بين بلير والمسلمين |
لندن ـ خاص بالأهرام العربي عاد' أنور سعيد' بعد ظهر يوم الجمعة قبل الماضي من مدرسته' برنتفيلد' الإبتدائية إلي منزله في منطقة' نيزدن' شمال غرب لندن محبطا من دينه! وألقي غاضبا حاجياته علي أقرب كرسي. فسأله أبوه وأمه ذوا الأصل المغربي عما به. فأجاب:' لماذا أنا مسلم ولماذا لم أولد دون ديانة'. أبرقت عينا الأبوين ولم يردا عليه. وفي صباح اليوم التالي الجمعة قبل الماضي التقي الأب بمديرة المدرسة السيدة' ريدل' فحكت له ماحدث: عقب انتشار أخبار تفجيرات لندن. هاجم التلاميذ غير المسلمين زملاءهم المسلمين بالألفاظ وبعضهم بالأيدي. وعلي الفور جمعت المديرة والمدرسات كل تلاميذ المدرسة في القاعة الرئيسية. وشرحت للتلاميذ الموقف. فمنفذو التفجيرات غير معروفين يقينا حتي الآن. ومهما تكن جنسياتهم الأصلية أو دياناتهم فإنهم هم فقط المسئولين عن الجريمة وليس زملاؤهم في الديانة أو الجنس. وحذرت' ريدل' من أنها لن تتهاون مع أي سلوك عدواني باللفظ أو الفعل ضد أي تلميذ في مدرستها. غير أن' أنور' الذي لم يتجاوز عمره التاسعة لا يزال خائفا ويذهب للمدرسة يوميا وهو متردد ومازال أبواه يدعوان الله ألا يكون الإرهابيون الذين تبحث عنهم الشرطة مسلمين. فجر الإرهابيون قنابلهم وحاول رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزراؤه ورؤساء أجهزته الأمنية ومازالوا لملمة الأشلاء حتي' لا تنقسم بريطانيا' كما قالوا ويخشون غير أن حالة الطفل' أنور' دليل علي أن المهمة صعبة. منذ التفجيرات وحتي كتابة هذا التقرير لم يكن الحجاب ظاهرا في شوارع لندن بنفس القدر الذي كان عليه قبل الضربة التي خنقت وشلت الحياة حياة الجميع دون تفريق في المدينة. والمسلمون والمسلمات يمشون في الشوراع يتلفتون ليس فقط خوفا من التحرش ولكن من انفجار آخر قد يستهدف حافلة أو تجمعا أو سوقا. وحتي المؤسسات العربية والمسلمة في بريطانيا شرعت في تفتيش حقائب العاملين المسلمين والعرب فيها فضلا عن الزوار. فالنار امتدت لتصل إلي البيت ولم يقتصر لهيبها علي الجيران البعيدين مثل أمريكا أو القريبين مثل أسبانيا أو مسقط الرأس في مصر والسعودية والمغرب وغيرها. وامتلأت المساجد يومي الجمعة الماضيين للصلاة علي أرواح الضحايا والتنديد بالإرهاب والتنادي فيما بينهم بأن من لديه أي معلومة عليه أن يقدمها للشرطة. غير أن اللافت للانتباه هو أن تأثير تفجيرات يوم السابع من يوليو2005 علي مسلمي بريطانيا بدا حتي الآن أقل بكثير من تأثيرات هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 في الولايات المتحدة عليهم. فرد فعل البريطانيين العاديين والقوميين المتطرفين المعادين للأجانب جاء كما يراه ماجد الزير مدير مركز' العودة' الفلسطيني ذي الاتجاه الإسلامي' أهدأ وأعقل بكثير رغم بعض الاعتداءات علي المسلمين مما هو متوقع في ضوء وحشية وقسوة العمليات الإرهابية'. وتفسيره هو أنه' لا الحكومة البريطانية مثل الحكومة الأمريكية.. ولا الشعب البريطاني كالشعب الأمريكي. عقلاء المسلمين أرجعوا ذلك إلي خطوتين رأوا أنهما ستؤديان إلي تمسك المسلمين بالحياة في بريطانيا مهما يكن رفض المتطرفين الإنجليز أو عمليات الإرهاب حتي لو كان منفذوها مسلمين. الخطوة الأولي أنه لوحظ أن الشرطة وأجهزة الأمن البريطانية لم تعتقل بالشبهة أيا من المسلمين عقب التفجيرات. ويسخر أحد اللاجئين السياسيين العرب في بريطانيا من هذا الموقف قائلا:' يا أخي.. لو كانت هذه التفجيرات وقعت في مدينة عربية لبات الآلاف ليلتهم في المعتقلات وذاقوا ماذاقوا من العذاب الذي تؤوينا بريطانيا منه الآن'. فعلي الرغم من الصدمة والتحريض الإعلامي أحيانا فإن أجهزة الأمن ضبطت نفسها فالأهم عندها هو معرفة الجاني الحقيقي وليس تهدئة السخط الشعبي علي حساب القانون والحريات. فحتي في مثل هذه الظروف فالكل برئ حتي يثبت إدانة البعض. . علي أحد مقاهي شارع' إدجوار رود' الذي شهد أحد أكثر التفجيرات دموية حكي محمد السيد وهو سباك بريطاني الجنسية مصري الأصل في سهرة مع أصدقائه قبل التفجيرات بأيام حكاية ابنته' سارة' مع الحرية. ويروي أنه ذات يوم احتدم نقاش بين ابنته وزملائها في مدرستها الإعدادية أقصي شرق لندن حول المسئول من بينهم عن قيادة الفصل في ظل غياب المدرسة لمشاركتها في اجتماع مع المديرة. ولما كاد النقاش يخرج عن حدود الحوار الهادئ آثرت سارة أن تجلس علي أرض الفصل المفروشة بالسجاد وتتكيء علي جانبها وهي تنظر إلي بقية الزملاء بأعصاب باردة. واستفز ذلك التلاميذ فشكوها لنائبة المديرة المسئولة عن حل الخلافات بين التلاميذ.. فردت عليهم:' سارة حرة تفعل ما تشاء طالما أنها لم تسء إليكم.. فنحن في بلد الحرية'. ولما حكت سارة لأبيها القضية كانت كما يقول فرحة للغاية بأن' الحرية' أنصفتها في خلافها مع زملائها. وعندما يقول بلير في اليوم التالي للتفجيرات الإرهابية ورغم مشاهد الدماء وصدمة شعبه إنه' علي الحكومة أن تكون في غاية الحذر والتأكد من أنها لم تحد من حريات الناس في إطار الحرب علي الإرهاب' فهل يمكن أن تفكر' سارة' يتساءل أبوها في الهجرة من هنا. أمام وربما بسبب انضباط مختلف الأجهزة السياسية والأمنية في مواجهة المأساة لم تشل الصدمة المنظمات الإسلامية لفترة طويلة. وخلال اليومين التاليين للفاجعة لم تتوقف بيانات التنديد بالإرهاب والندوات واللقاءات الإعلامية لمطالبة' كل مسلم بالتعاون الكامل مع الشرطة' في ملاحقة الإرهابيين أيا يكونوا. هذه الدعوة كما يراها الدكتور زكي بدوي مدير الكلية الإسلامية ومستشار الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا للشئون الإسلامية شاهدا علي أن المسلمين يؤمنون بأنهم جزء من نسيج هذا المجتمع' و'لا يقبلون أن شيئا يمس أمنه وسلامته'. وقطعت المنظمات الإسلامية خطوة أخري علي طريق تأكيد العلاقة الاجتماعية لتذكر بأفضال اللندنيين والبريطانيين عموما علي المسلمين. ويذكر محمد كاظم صوالحه رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا بأن' أهل لندن بالذات يقفون مع قضايا العرب والمسلمين.. ولا يجب أن نرد علي هذا الموقف بجريمة كبري كهذه' لو ثبت أن مسلمين هم الفاعلون. الخطوة الثانية هي' القراء ة العاقلة المفاجئة' لأبعاد المآساة من جانب رئيس الوزراء البريطاني. وهنا يشير خبراء في شئون الشرق الأوسط وناشطون عرب في حقوق الإنسان ببريطانيا إلي قول بلير بأنه' لاشك في أن الإجراءات الأمنية لايمكن أن تكون الحل إزاء هذا النوع من الأرهاب. لم أشك يوما في ذلك(...) أعتقد أن لهذا النوع من الإرهاب جذورا عميقة'. فقد أدرك بلير وأقر علنا حتي في هذه الظروف الملغومة بالخوف من مزيد من التفجيرات بأن مكافحة الإرهاب هي حرب أفكار قبل أن تكون حرب رصاص ودماء. وفوجيء المسلمون بأن بلير يصارح شعبه بأنه' علينا القضاء علي الأسباب الكامنة وراء الإرهاب من أجل التخلص من هذا التشويه البغيض لحقيقة الإسلام'. وبذلك خطا بلير خطوة كبيرة علي طريق الحكمة صدمت المتشددين الإسلاميين في بريطانيا الذين خفتت أصواتهم. ومد يد المصالحة مع المسلمين العاديين الذين يرفضون سياسته في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وعند هذه اللحظة تبدلت مواقع الطرفين. فلأول مرة تتخلي المنظمات الإسلامية المحترمة عن كلمة' ولكن' في التنديد بالإرهاب, ولم تكرر المطالبة أو التذكير بضرورة تغيير موقف بريطانيا التابع لأمريكا في التعامل في قضايا العرب والمسلمين. ويتذكر المسلمون البريطانيون وبلير نفسه بلا شك أن مجلس مسلمي بريطانيا أقرب المنظمات الإسلامية للحكومة قد استنكر اعتداءات11 سبتمبر بالولايات المتحدة عام2001. ولكنه أشار في بيان التنديد إلي أن' طرد الناس من منازلهم وأراضيهم وتدمير محاصيلهم ومواشيهم في إشارة إلي مايحدث في فلسطين هي من أمثلة الأعمال الإجرامية أو السلوك الذي يدينه الإسلام'. أما بيان المجلس حول اعتداءات السابع من يوليو عام2005 في لندن أسقط شرط' ولكن' في التنديد. ولم يشر بالتصريح ولا التلميح إلي لوم السياسة الخارجية البريطانية. وركز علي أن' هذه الهجمات تعزز إصرارنا علي العيش معا في سلام وأن ننمو معا في تفاهم متبادل' وأنه' ليس هناك أي هدف نبيل يمكن أن يتحقق بهذا الاستخدام العشوائي والوحشي للإرهاب'. وكان طبيعيا أن يبادل بلير المجلس نفس المشاعر فخص بيان المجلس ب62 كلمة إشادة خلال بيانه العام للشعب البريطاني عقب اجتماع لجنة الطوارئ الوزارية والذي بلغ461 كلمة. وفي وقت لاحق قال رئيس الوزراء مالم يقله المسلمون أو ما رأوا أنه ليس هذا هو الوقت الملائم لقوله عندما أقر بأن' من الإجراءات التي يجب القيام بها تعزيز التفاهم بين الأديان والمضي قدما في عملية السلام بالشرق الأوسط' ثم تأكيده علي أن' الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين هو أحد أسباب الإرهاب في العالم'. ولوحظ أن تصريحات كبير الحاخامات اليهود في بريطانيا الحاخام سير' جوناثان ساكس' المغرضة لم تفعل فعلها المأمول عندما قال إن' هذه الأحداث المرعبة قد جلبت إلي بيتنا بريطانيا الشر الذي يمثله الإرهاب بكامل صوره' في إشارة إلي عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي. ليس هذا هو كل المشهد في بريطانيا فبالقرب من مركز هذا المشهد يقف فريق آخر من المسلمين يري أن المصالحة والتقارب بين بلير و' قادة الجالية المسلمة المقربة من الحكومة' هما' تحالف غير مقدس' و' مهين' و' يستهدف ستر أصل الحكاية'. واللافت أن معظم أعضاء هذا الفريق هم من الشباب. ولعل منظمة لجنة الشئون العامة للمسلمين' مباك' أبرز الناطقين الرسميين باسم هذا الفريق. ومنطق ال' مباك' بسيط وثبت صدقه حسبما تري وهو: ليس هناك مايدل حتي الآن علي أن مسلمين هم وراء التفجيرات وتسأل المنظمة عبر آلاف من رسائل البريد الإلكتروني الوزراء البريطانيين: أين هي بصمات' القاعدة' علي التفجيرات. ولماذا بات زعماء المسلمين أشبه ب' الخراف المذعورة التي تهرع بتصريحاتها التي تندد بالإرهاب بالمطلق دون شرح أسبابه علي الأقل كما فعل بلير نفسه للاختباء في الغابة آملا في ألا تراه الذئاب'. وهذا الفريق يعتبر نفسه أكثر صراحة في مواجهة الأزمة الناجمة عن التفجيرات التي اعتبرها' كارثة ومأساة إنسانية'. وفي مواجهة منطق يقول إن بريطانيا' تنام مع العدو' والإرهاب باحتضانها المتطرفين علي أراضيها تطرح المنظمة الشابة في المقابل منطقا يقول:' المسلمون هم المتضررون الحقيقيون في النهاية من هؤلاء السياسيين من النواب والمسؤولين البريطانيين ومنهم بليرنفسه والأميريكيين فهم يقصفوننا بالقنابل في الخارج ثم ينتقم منا هنا ويفجرنا المتطرفون الذين تخلفهم هذا القنابل هناك. ثم تأتي الصحافة لتتمتع بتوفير التغطية لهم السياسيين وتلقي علينا باللوم أيضا.. بما يؤدي إلي تعرضنا للهجمات في الشوارع'. ولاتزال رسائل التأييد تنهال علي هؤلاء.. ولاتزال المعركة مستمرة بينهم وبين المتصالحين مع بلير الذي يسير علي سلك رفيع مشدود مشحون بكهرباء صاعقة مازالت تكهرب الأجواء في بريطانيا*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|