ثم دفعني فضولي الصحفي أن أسأل عن الرجل وتاريخه من هو إيهاب الشريف مغامر قد يكون شهيدا حيا طامحا من هو؟ فما كادت النتائج الأولية تظهر حتي اكتشفت أننا أهل مهنة واحدة فهو صحفي وأديب وباحث ألف العديد من الكتب ورحت أبحث في ثنايا شخصيته لكن الموعد السريع للقائي به لم يتح لي الفرصة الكافية لذلك. كان شخصا ودودا جدا ودخلت عليه مكتبه بسرعة ربما تكون نادرة حتي عندما تراجع موظف بسيط درجة سابعة لأنك قد تحتاج إلي ساعة حتي تقابل هذا الموظف المهم كان يتحدث عن العراق وكأنه بلده, كان يعرف تاريخ هذا البلد بل إنه كان يحفظ مقاطع من أسطورة جلجامش السومرية وراح يطلعني علي كتبه الأربعة لكنه اعتذر لأنه لا يستطيع أن يهديني أيها لأنه لم يجلب معه إلا نسخة واحدة فقط ثم إنني رحت أسأله عن الأفكار التي يحملها عن العراق فما كان منه إلا أن يطلعني علي العديد من المواضيع ثم راح يكلمني عن برنامجي اليومي في القناة التي أعمل فيها وهو جولة في شارع الصحافة ورايح يسأل عن عدد الصحف والمجلات وعن مخاطر عمل الصحفي وهنا قال الرجل مازحا, أتعرف أنني أحسدك فأنت قد تكون أول الحاضرين في الحدث أي قبلنا نحن السياسيين والدبلوماسيين وبالتالي فأنت تسبقنا بخطوة وراح يكلمني عن حنينه للصحافة ثم بدأ يحدثني عن يومه فهو يستيقظ ليصلي الفجر ومن ثمة يقرأ قليلا وحتي لا أنسي كان يعلق بين موضوع وموضوع علي طريقة تقديمي للصحف في برنامجي فهو يتابعه كما كان يتابع الكثير من البرامج الثقافية ويهوي الكتب وراح يتحدث عن شارع المتنبي وأمنيته بأن يزور الشارع, وهو أكبر مكتبة ليس في العراق فقط ربما في الشرق الأوسط كما كان يعلق علي عدم اهتمامي بتاريخ بلدي في التقارير لكن أخرجت له العديد من المواضيع سواء كانت تقارير تلفزيونية أم مكتوبه لي أم لغيري من الزملاء عن تاريخ العراق وتوالت اللقاءات بالرجل وهي خمسة كان يحدثني ويسألني عن حي العامرية ولماذا هذه التسمية؟ وعن الأعظمية ومرقد الأمام أبي حنيفة النعمان ومرقد الإمام موسي الكاظم عليه السلام ويسأل ويدون وراح يسأل عن مدينة الصدر والأسباب التي أدت إلي التدهور الكبير في الخدمات مرة سألني عبر الهاتف عن أسباب عدم وجود قطار لنقل الناس من بغداد فرحت أشرح له الأسباب لأفاجأ بعد يومين أنه كتب كل ماقلته له كان يرغب في زيارة النجف الأشرف ورؤية مرقد الإمام علي عليه السلام كان يحب كثيرا المشمش العراقي والبطيخ لشدة حلاوتهما كما أنني مرة جلبت له نوعا من الحلويات يسمي من السمي فراح يسألني عن شمال العراق حيث يجني منه هذا النوع من الحلويات في مرة تفاجآت بأنه يحب الشاي مثلنا نحن العراقيين أكثر من القهوة وهو يحب مهنة التصوير ويحمل معه كاميرا خاصة وسألني عن أبرز المصورين في العراق فذكرت له أرشاك وغيره. وفي آخر لقاء قدمت له جواز سفري وطلبت منه منحي تأشيرة فقال إن الأمر عائد إلي القنصلية وشعرت أن الرجل ممن يحترم العاملين معة حتي وإن كان هو المسؤل عنهم لكن بحنكة الدبلوماسي أخذ مني جوازي وقال أنا أعلم أنك كثير الزيارات إلي مصر فما الداعي هذه المرة فقلت له إنني أحاول أن أرتاح قليلا فما كان من الرجل إلا أن انتفض قائلا تريد أن ترتاح وبلدك يحتاج إلي كل دقيقة من عمرك لكي تخدمه أنت صحفي عيب عليك أن تقول أريد أن أرتاح وقال لي خذ هذه الفكرة لماذا لا نقوم أنا وأنت بتأليف كتاب مشترك ندمج فيه فكرتي حول إعادة بناء فنار الإسكندرية وهو أحد عجائب الدنيا السبع وأنت بما طرحته عن إمكانية إعادة بناء حدائق بابل ونكتب أنا وأنت كل منا ما رآه في بلد الآخر ونخرج للناس كتابا عن هذين البلدين العظيمين لأننا أصحاب أقدم حضارة وما الحضارة الأمريكية أو الأوربية إلا حضارة فارغة واهية إنما نحن من نشكل العمق الصحيح في تاريخ الإنسانية. كنت أري فيه أديبا وشاعرا إنسانا مسلما فهو كان لا يخشي الموت وحتي عندما كنت أعترض علي إجراءات الحماية كان يقول لي يارائد يا عزاوي أنا ما أعرفه عنك الشجاعة وهو ما يرضعه العراقيون من ثدي أمهاتهم من الصغر لماذا أنت قليل الإيمان بالله وكان يردد كثيرا قول الله تعالي في آخر يوم رأيته فيه في الثلاثين من الشهر الماضي أي قبل أربع وعشرين ساعة من اختطافه وهو يودعني قول الله قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا في عليين أخي دكتور إيهاب مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا, لقد سقط فارس عربي عن صهوة جواده وهوي نجم ساطع عن سمائه لكن عزائي أنك بين أوراقي التي وضعت عليها ملاحظاتك وعزائي فيك أنني كلما أمر بالمكتبة التي تشتري منها الصحف وأقدم فيها برنامجي اليومي فأقف لأشم رائحة زكية طيبة لرجل علمني: إذا ما غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم وطعم الموت في أمر عظيم كطعم الموت في أمر حقير, وللتاريخ فإن الرجل كان في لحظات اختطافه قريبا جدا من عشرات الدوريات الأمريكية فلماذا وكيف حصل كل هذا ولكل من له عقل لبيب هذا السؤال وسلام الله علي جسدك المسجي وروحك الزكية أخي الشهيد*