434‏السنة 123-العدد2005يوليو16‏10 جمادى الثانى 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

وبال آخر في كليمندو

الطيب صالح


الرواية الأخيرة للكاتب السوداني الموهوب إبراهيم اسحاق إبراهيم اسمها وبال في كليمندو‏.‏ وكليمندو اسم قرية حقيقية أو خيالية من قري دارفور في غرب السودان الأقصي حيث اشتعلت في الآونة الأخيرة نيران الأحقاد والمطامع والطموحات والبلاوي الزرق‏!.‏
الرواية لم تنشر بعد رغم أن الكاتب فرغ منها منذ وقت‏,‏ وقد حصلت عليها مخطوطة بواسطة الأخ محمد الربيع الذي تعرفت إليه في الدوحة أخيرا‏,‏ وهو أيضا شاب موهوب من كردفان التي هي بمثابة الغرب الأدني‏.‏
أما إبراهيم اسحاق‏,‏ فهو كاتب كبير حقا‏,‏ رغم أنه لم يعرف بعد علي نطاق واسع‏,‏ وقد اكتسب سمعته الأدبية بعدد قليل من الروايات الجميلة مثل روايته حدث في قرية ومهرجان المدرسة القديمة وحكاية البنت مايكايا وهي روايات قدمت لأول مرة في الأدب السوداني‏,‏ صورا فنية بديعة للبيئة في غرب السودان‏,‏ وهو عالم يكاد يكون مجهولا لأهل الوسط والشمال‏.‏
صمت إبراهيم اسحاق زمنا طويلا واختفي عن الأنظار‏,‏ وقد لقيته منذ ثلاثة أعوام في الرياض في المملكة العربية السعودية‏,‏ حيث يعمل مدرسا وجدته إنسانا دمثا طيبا مثل كل من لقيت من أهل غرب السودان‏,‏ وواضح من روايته هذه وبال في كليمندو أنه لم يكن خاملا‏,‏ بل كان يفكر ويكتب طوال فترة صمته الممتدة‏.‏
إنني لسوء الحظ‏,‏ لم أعرف غرب السودان كما يجب‏,‏ أبعد نقطة وصلت إليها كانت الأبيض عاصمة إقليم كردفان‏,‏ وزرت جبال النوبة منذ أمد بعيد‏.‏
لذلك حين أقرأ روايات إبراهيم اسحاق‏,‏ وأيضا القصص القصيرة الجميلة للمرحوم زهاء طاهر‏,‏ أحس بالحسرة لأنني لم أتعرف أكثر علي ذلك العالم البعيد العجيب‏,‏ وهذا كله له حديث في وقفة أخري إن شاء الله‏.‏
الشعراء والكتاب وأهل الفن عموما‏,‏ الصادقون منهم‏,‏ مثل حيوانات الغاب‏,‏ تحس بالخطر قبل وقوعه‏,‏ وكأنما أحس إبراهيم اسحاق بالكوارث التي سوف تقع علي تلك الرقعة الشاسعة من الأرض التي عاشت علي وجه العموم حياة آمنة مطمئنة‏.‏
ثم‏,‏ ونحن نحاول أن نسبر غور الأمور المحيرة التي توالت علي دارفور‏,‏ وبالأمس القريب باركنا جميعا إبرام اتفاق السلام بين حكومة الإنقاذ والحركة التي يتزعمها جون قرنق في الجنوب بينا نحن كذلك‏,‏ إذا وبال جديد يقع علي رءوسنا‏,‏ هذه المرة في الشرق في بورسودان‏.‏
لا حول ولا قوة إلا بالله‏!‏ هذه المدينة الميناء علي البحر الأحمر‏,‏ منذ أن أنشأها الإنجليز أول عهدهم في حكم السودان‏,‏ لا أعرف أنه ارتكبت فيها جريمة قتل واحدة‏,‏ وفيها سجن كبير كانوا يجلبون إليه السجناء من خارج الإقليم‏.‏
الآن في عهد الإنقاذ السعيد قتلت الحكومة ضربة لازب قرابة عشرين مواطنا من بورسودان أغلبهم كما قالت الأخبار‏,‏ من تلاميذ المدارس‏,‏ وكان أحري بالحكومة أن توفر لهم الطعام والكساء والمأوي والأمن‏.‏
سوف يجدون المبررات والمعاذير ولاشك لن يحاسبوا أحدا ولن يغيروا شيئا‏.‏
إنهم يمشون مشي الجمال البزل‏,‏ والأحداث تعتورهم من كل جانب‏,‏ وقد يضربهم الطوفان قبل أن يفتح الله عليهم‏.‏
متي يبدأون العمل لـالإنقاذ الحقيقي وليس الإنقاذ الوهمي الذي عاشوا عليه زمنا رغدا قرابة عشرين عاما؟
الروائي السوداني الكبير