عدد اليسار التذكارى



برنسيس اليسار المصرى.. إنجى أفلاطون.. الأرستقراطية المناضلة

14-5-2017 | 18:01
أحمد أمين عرفات

 
لم تكن إنجى أفلاطون مجرد فنانة تشكيلية استهوتها الفرشاة والألوان، لتنسج حولها لوحات تعبر عن عالمها الأرستقراطى أو تتخذ من موهبتها وسيلة للتباهى والتفاخر والتعالى مثل الكثيرين، ممن يحملون لقب فنان، ولكنها اتخذت من فنها سلاحا تحارب به عن مبادئها وقناعاتها .
 فمن يتأمل لوحاتها مثل : من نافذة السجن، الباكيات، وراء القضبان، يعملن كالرجال، النول، جمع البرتقال، وغيرها من اللوحات، ولا يعرف تاريخها يشعر بأنه أمام فنانة جاءت من قاع المجتمع حاملة قضية هؤلاء المهمشين والمقهورين، ولكنه إذا ما عرف حقيقتها سيصاب بقمة الدهشة والانبهار بها.
فهذه الفنانة ولدت فى عام 1924 لطبقة أرستقراطية، وسلطة حاكمة، جدها الأكبر كان وزير الجهادية والبحرية فى عهد الخديو إسماعيل، ووالدها درس فى سويسرا وأصبح عميد كلية العلوم بجامعة القاهرة، لم تكن تتحدث سوى بالفرنسية حيث درست بمدرسة الليسية، ولم تعرف العربية إلا عندما بدأت فى تعلمها فى سن السابعة عشرة، بعد أن التقت بالفنان التشكيلى الثورى عضو جماعة الفن والحرية كامل التلمساني، الذى شجعها وجعلها تشارك فى معارض جماعة الفن والحرية، ومن خلال أجواء الفنانين والمثقفين تعرّفت على الماركسية التى أعجبت بأفكارها حتى إنها وصفتها بأنها تقع " بين التحرّر الطبقى من الاستغلال والوطنى من الاستعمار ".
وجدت إنجى أن هناك تناقضا يعكر صفو حياتها، بين واقعها الذى تعيشه، والذى لا يتفق مع أفكارها التى اعتنقتها، وبدا لها استحالة الجمع بين انتمائها العائلى الأرستقراطى وانتمائها السياسى للفقراء من أبناء وطنها، وضرورة تحرر الطبقات الفقيرة والمجتمع ككل من سطوة الاستغلال والتمييز والاستعمار. 
تركت دولاب ملابسها الذى يحوى أحدث الموضات الفرنسية وارتدت أزياء متواضعة، تخلّت عن سيارتها الستروين لصالح واحدة من طراز الفيات 128، وغيرها من الأشياء التى رأت أن تخليها عنها سيجعلها تتصالح مع مبادئها ويحقق لها الاندماج، أواسط الرفاق من العمال والفقراء المنتمين للاشتراكية. علاوة على أن إيمانها بالحرية وضرورة تحرر المجتمع وكذلك المرأة، التى اعتبرت أن تحررها جزءا من تحرر المجتمع، جعلها تتجه إلى العمل السياسى، حيث انضمت إلى جماعة سرية، ومن بعدها أصبحت مطاردة من البوليس السياسي.
فى عام 1959 تم اعتقالها، باعتبارها عضواً قيادياً لمنظمة الوحدة بين الشيوعيين المصريين مع مجموعة من رفاقها بهدف تصفية الحركة الشيوعية والتقدمية والوطنية.
وفى داخل سجن القناطر بدأت مرحلة جديدة من حياتها الفنية، مارست إنجى الرسم داخل السجن، فرسمت السجينات ضحايا القهر والظلم الاجتماعي، وتمسكت أكثر بفكرة الحرية المفقودة التى أصبحت تسيطر على لوحاتها، وظلت مصاحبة لها حتى بعد خروجها من السجن عام1963، حيث عادت من جديد للدفاع عن المقهورين، المطالبة بالحياة الكريمة لهم .
لم تكن لوحاتها سوى طلقات مدوية لأفكارها، فمن خلالها سلطت الأضواء على معاناة الفلاحين والفلاحات فى ريف مصر الفقير والقهر الذى يتعرض له العمال والحرفيون، بجانب اللوحات العديدة التى تناولت فيها القضايا المتعلقة بالمرأة المصرية، فكرة التحرر من التمييز والتهميش .
وبسبب آرائها تم حرمانها من كل مظاهر التقدير والتكريم، حتى التكريم الذى حصلت عليه كان من الحكومة الفرنسية التى منحتها أعلى الأوسمة، وهو وسام الفارس، علاوة على الدعوات الكثيرة التى كانت توجه لها من دول عديدة لاستضافة معارضها الفنية .
فى عام1989 أصيبت إنجى بجلطة لترحل هذه الفنانة اليسارية التى أبدعت ما يزيد على الألف لوحة، يوجد بعضها فى المتحف الذى أقامته لها وزارة الثقافة بقصر الأمير طاز ويحمل اسمها، لتخلد بلوحاتها سيرة متفردة من النضال والإخلاص لأفكارها ومبادئها.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام