رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
عدد اليسار التذكارى
فى القارة العجوز.. اليمين ينتصر فى شمال أوروبا واليسار يثبت وجوده فى الجنوب
14-5-2017
|
18:14
كتبت ـ عفاف الشناوى
انهيار الاتحاد السوفيتى ..العولمة .. تفتيت الشرق الأوسط وتدفق اللاجئين إلى أوروبا.. أهم أسباب تراجع اليسار
ارتبط صعود اليسار فى أوروبا إبان الستينيات والسبعينيات بسطوة الاتحاد السوفيتى. لذا كان بديهيا أن ينهار بانهيار ظهيره الأيديولوجى وانتهاء الحرب الباردة.كما كان لمؤسسات الرأسمالية مثل الاتحاد الأوروبى دورها فى احتواء اليسار تماما .
وجاءت الحروب فى الشرق الأوسط بداية من حرب أفغانستان والعراق وماتلاها من تدفق اللاجئين العرب والمسلمين إلى أوروبا، ذريعة استغلها اليمين المتطرف ليدعم وجوده فى أوروبا بمغازلة أرضية شعبية كبيرة، من الناخبين الذين يخشون على أرزاقهم من ناحية ومن العمليات الإرهابية التى تدعمها القاعدة وداعش فى العواصم الأوروبية. وبرغم هذا المشهد القاتم فى شمال أوروبا، فإن جنوب أوروبا يشهد عودة اليسار بقوة سواء فى اليونان أم إسبانيا أم البرتغال نظرا لتضررهم من سياسات الاتحاد الأوروبى وانتشار البطالة ووصول بعض الدول إلى حد الإفلاس.
ولنعد إلى نقطة البداية عندما أوجد اليسار له فى أوروبا أرضية قوية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت معظم الحكومات الأوروبية يسارية التوجه ولمعت أسماء مثل: فيلى برانت فى المانيا وفرانسوا ميتران فى فرنسا، وسانشيز فى إسبانيا وأحزاب الخضر فى دول أوروبية عديدة.
وقد انتهجت قوى اليمين (الرأسمالية الغربية ) في أوروبا مبدأ التعاطي مع ذلك اليسار الأوروبي ونبذ الصدام معه ،مما خلق حالة من التنافس السياسي المتوازن، حيث لم يعط الذريعة لاستقطاب سوفيتي من جهة ومن جهة أخرى لم ينتهك مبادئ التنوع والتعددية الفكرية أحد مبادئ الخطاب الليبرالي.
مع انهيار الاتحاد السوفيتى أواخر التسعينيات، استطاعت مؤسسات الرأسمالية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى احتواء اليسار الأوروبى. وغلبت سياسة العولمة والهيمنة الأمريكية وحليفتها الرأسمالية الأوروبية على الاقتصاد العالمى، وما تبعه من اتباع سياسات عدوانية لتفتيت الشرق الأوسط للسطو على ثروات النفط كما حدث فى غزو أفغانستان والعراق والحرب بالوكالة فى سوريا.
وكانت هذه الحروب بداية لنزوح ملايين اللاجئين والمهاجرين العرب والمسلمين إلى أوروبا ليطالب اليمين الأوروبى، بعدم فتح الأبواب للمزيد من المهاجرين الذين ينافسون الأوروبيين فى أرزاقهم ويقومون بأعمال إرهابية ضدهم مما جعل لليمين أرضية شعبية واسعة.
اليسار والحرب الباردة
أوجد اليسار الأوروبى مع نهاية الحرب العالمية الثانية رؤية يسارية مغايرة لتلك الرؤية السوفيتية، تمثلت في اليسار الأوروبي الذي عبرت عنه أحزاب اليسار الاجتماعي أو اليسار الديمقراطي، المنبثق عن رغبة اليسار في أوروبا إلى إيجاد أيديولوجية أقل راديكالية عن مثيلتها في الاتحاد السوفيتي، بل في كثير من الأحيان تناحرت معه.
وكان اليسار الأوروبي ذاته بمثابة أحد ميادين الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فالشرق الذي لم يكف عن محاولاته في استغلال ما تحمله إيديولوجية ذلك اليسار الأوروبي من قيم ومفاهيم يسارية، والغرب الذي كان يدعم وجود تلك الأحزاب من منظور التنوع وإدارته، كي لا تتحول تلك الأيديولوجيات إلى أحزاب ذات صبغة راديكالية، وبتأثير واضح للقيم الغربية الديمقراطية، نجد أن اليسار في دول مثل إسبانيا والبرتغال واليونان وفرنسا تبنى نزعة دستورية، تحمل تقديم تنازلات أيديولوجية من خلالها حافظ على التقاليد الديمقراطية الغربية وتداول السلطة في تعارض واضح مع الأيديولوجية السوفيتية.
فإن هذا لم يمنع تأسيس أحزاب يسارية شيوعية راديكالية، مما نتج عنه طيف يساري في أوروبا يشهد تنوعا بين يسار ديمقراطي ويسار راديكالي.
اليسار الراديكالى ينتصر فى اليونان
أما العلاقة بين أحزاب طيف اليسار في أوروبا، فقد شهدت تباينات عدة، فالعديد من الأحزاب اليسارية في أوروبا هي نتيجة انشقاقات داخلية نتيجة خلافات أيديولوجية، مثل الحزب الشيوعي اليوناني الذي تأسس عام 1968 من مجموعة المنشقين عن الحزب الشيوعي ذو الأيديولوجية الراديكالية، وفي مؤتمر الحزب الشيوعي اليوناني عام 1991 في ظل أجواء يخيم عليها انهيار الاتحاد السوفيتي، تم طرد جميع الأعضاء الإصلاحيين، في انتصار للتيار العقائدي، حتى إن التحالف الحاكم الآن في اليونان، وهو تحالف سيريزا، هو في الأساس تحالف من 12 حزبا وحركة يسارية راديكالية، أي التي تحتل موقع اليسار في الطيف اليساري اليوناني.
حزب العمال الاشتراكى يفرض سطوته فى بريطانيا
ويتخذ الصراع في بريطانيا منحى آخر، حيث يصطدم حزب العمال الاشتراكي ذو التاريخ العريق باليسار الراديكالي، الذي يتسم بالتفكك، ويغلب عليه زمرة من الطوائف التروتسكية الصغيرة، أمضت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في “صنع الثورة”، وأحيانا في محاولات التسلل إلى حزب العمال، وهما نشاطان اعتبرهما كثيرون متطابقين، وكان الممارس الأكثر أهمية في النشاط الأخير هو “الاتجاه المناضل” الذي ضم عدة آلاف من الأعضاء، من بينهم ثلاثة نواب، وسيطر لبعض الوقت على مجلس مدينة ليفربول، فإن حزب العمال في أثناء قيادة تاتشر طرد أعضاء المجموعة، وانتهى من تبقى منها إلى تأليف الحزب الاشتراكي لإنجلترا وويلز عام 1977، وقد تم تشكيل الحزب الاشتراكي الأسكتلندي بصورة منفصلة في الوقت نفسه، استنادا إلى عدد من المجموعات المحلية هناك.
حزب أكيل القبرصي..مرونة ساعدته على البقاء
وفي قبرص يتمثل اليسار بحزب أكيل، الذى أثبت مرونة وقدرة عالية على التنوع، جعلته أكبر حزب في قبرص ويحظى بمكانة خاصة في أوساط اليسار الأوروبي، فداخل اليسار القبرصي، يعتبر الحزب نفسه المرشد السياسي، ومن ثم يحدد الحزب خطوات التحرك للحركة الشعبية، وللروابط والمنظمات المتحدة داخلها، وذلك لكونه يتضمن اتحاد العمل القبرصي، وهو اتحاد النقابات الذي تم تأسيسه سنة 1941، ويعتبر أكبر منظمة عمالية. كما أن منظمة الشباب الديمقراطي المتحد القريبة من الحزب هي أكبر جماعة شبابية سياسية في قبرص.
واستطاع الحزب أيضا أن يكسر “تابو” العداء بين الشيوعية ومؤسسات الدين، فهناك فعليا ممثلون للحزب أو الروابط القريبة منه في المنظمات الكنسية المحلية، التي تتولى مسئولية إدارة أصول الكنيسة المحلية، ويقدم الحزب توصياته في انتخابات المناصب الكنسية، كما أن هناك بعض القساوسة يترأسون فروع الحزب في بعض المناطق. كما أن الحزب ومنذ تسعينيات القرن الماضي، لا ينظر للتطور الحالي للرأسمالية من زاوية نظرية لينين للإمبريالية، علاوة على ذلك لا يطلب من الأعضاء الخضوع لأي تثقيف أيديولوجي، كما يقدم نفسه تحت شعار “الحزب التقدمي للشعب العامل ـ اليسار ـ قوى جديدة” بهدف التوجه للأشخاص غير الشيوعيين وكسبهم لصفوف الحزب.
إيطاليا.. من الفيدرالية للانشقاقات
وفي إيطاليا ومنذ إنشائه، كان حزب إعادة التأسيس الشيوعي حزبا موحدا وبرغم ذلك كان فيدراليا في جوهره، فقد كان يتكون من التحام عائلات سياسية قائمة بالفعل على المستوى الوطني، كل منها له ثقافته الخاصة وأشكاله التنظيمية التقليدية والعلاقات الشخصية بداخله، في ترجمة فعلية لاحترام التنوع واحتوائه داخل الحزب الواحد مع وجود قاعدة أيديولوجية جامعة، وكانت القيادة في هذا النموذج تأتي إما للتوازن القلق بين تلك المكونات، أو غياب مثل تلك القيادة أساسا كما حدث بعد مؤتمر الحزب في فينيسيا مارس 2005. إلا أن هذا النموذج جلب أيضا صعوبات في تأسيس خط سياسي واضح، بل وصعوبة خلق شرعية شيوعية جديدة قائمة على مبادئ توجهية ثقافية واضحة.
وبعد مؤتمر الحزب، عرض الائتلاف الناجح الذي انتخب باولو فيريرو رئيسا للحزب على الأقلية التي يقودها نيكي فيندولا، والتي حصلت على 47 % من الأصوات، قيادة مشتركة على المستوى المركزي والإقليمي، لكن هذا العرض تم رفضه، فكانت الخطوة الأولى من عملية طويلة لانشقاق تم على مراحل وانتهت بالانسحاب النهائي لتلك الأقلية من الحزب.
صعود اليمين فى أوروبا
ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتى وانضواء معظم دول أوروبا تحت مظلة الاتحاد الأوروبى تراجع اليسار. بل على العكس صعد اليمين المتطرف إلى سدة الحكم وتراجع اليسار إلى دور المعارضة.
وحصل اليمين المتشدد على فوز ساحق فى آخر انتخابات جرت فى أوروبا، بسبب موقفه الرافض لتدفق المهاجرين العرب والمسلمين، وكانت تفجيرات باريس وبرلين والدانماراك فرصة ذهبية اقتنصها اليمين فى أوروبا للعودة مجددا للسلطة.
ففى فرنسا حصلت الجبهة الوطنية الفرنسى (اليمين المتشدد) على أكثر من 30.6 %، فيما احتل الاشتراكيون وحلفاؤهم المرتبة الثالثة بـ 22،7 % من الأصوات.. ورفض زعيم المعارضة اليمينية فى فرنسا الرئيس السابق نيكولا ساركوزى أى تحالف مع اليسار فى الدورة الثانية فى الانتخابات الإقليمية بالرغم من تقدم اليمين المتشدد.
وقد صرحت مارين لوبان زعيمة التكتل اليمينى المتطرف فى البرلمان الأوروبى بعدائها للمهاجرين، ودعت أن يعودوا على نفس السفن التى جاءوا بها. ويذكر أن بعد ساعات من التفجيرات التى وٌجهت فيها أصابع الاتهام إلى اللاجئين السوريين، بدأ التيار اليمينى فى استغلال الحادث لصالحه بتوجيه لوبين أول ضربة للمسلمين فى فرنسا بدعوتها لحظر المنظمات الإسلامية وغلق المساجد المتشددة وطرد الأجانب الذين يدعون إلى الكراهية – على حد زعمها - وأيضا “المهاجرين غير الشرعيين الذين ليس لديهم ما يفعلونه هنا”.
وفى ألمانيا تركز حركة “باجيدا” منذ شهور قليلة على معاداة ما تعتبره “أسلمة أوروبا “، حيث تعتبره اعتداء على الهوية الثقافية الأوروبية، وعمدت الحركة إلى حشد وتنظيم التظاهرات التى تؤكد رفض الرأى العام لوجود الجاليات المسلمة، واجتاحت موجة من المظاهرات ألمانيا من التيارات اليمينة المتطرفة، والذين كانوا يهتفون لرحيل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورفعوا صورا لها مرتدية الحجاب مع عبارات تتهمها بأنها ستدمر ألمانيا بالإسلام.
فى شرق أوروبا وغربها، كثر الحديث عن “وجود إرهابيين بين اللاجئين اليمين فى الدانمارك فيما قال وزير العدل الدانماركى من حكومة أقلية اليمين سورن بيند :”ما حدث فى باريس يثبت للأسف تخوفنا، أننا تركنا سوريا تنتج قوافل اللاجئين إلى أوروبا، ونحن ندافع الآن ثمن سلبيتنا بثمن باهظ جدا”.
وفى بريطانيا عززت أحداث باريس وجهة نظر بريطانيا التى يحكمها حزب المحافظين اليمنى بضرورة تقييد حرية التنقل بين دول أوروبا وخصوصا اللاجئين، وهو الأمر الذى أثار خلافات بين لندن والاتحاد الأوروبى، وكل هذه التداعيات ستعزز من رجاحة وجهة النظر اليمينة، وبالتالى ترجيح صعود اليمين الذى يكتسب تأييدا شعبيا فى مواقفه تجاه هذه القضايا والإجراءات التى يأخذها الحزب اليمينى من تشديد قوانين الهجرة بإلزام الوافدين تأمين فرصة عمل خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر من بلوغ أراضى البلاد، مع عدم حصولهم على الامتيازات الاجتماعية التى تقدمها الدولة قبل مرور أربع سنوات على الإقامة والعمل، واتخذ خطوة إضافية، بعدم استبعاده تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الاستقلال البريطانى، فى مغازلة مباشرة لليمين المتطرف لتعزيز فرصه فى الانتخابات المقبلة.
الشيخوخة الديموجرافية
ويرى الباحث د. خالد عبد العظيم فى كتابه “فرنسا بين عصرين .. التحولات السياسية والمجتمعية” أن العولمة هى السبب الأول وراء تراجع اليسار أما السبب الثاني، يتمثل في الوضع الديموجرافي في فرنسا، وبريطانيا، حيث تمثل “الشيخوخة الديموجرافية” أزمة تعانيها المجتمعات الغربية في معظمها، وهي تعني أن معدلات الإنجاب ضعيفة للغاية، وهو ما ينعكس بصورة أساسية علي نتائج الانتخابات في فرنسا.
الواقع في فرنسا يقول إن الشباب يؤيدون اليسار، في حين أن الشيوخ يختارون اليمين المحافظ. لكن الواقع يشير أيضا إلي أن الشباب لا يستطيعون أن يصلوا باليسار إلي الحكم، لأنهم لا يمثلون غالبية الناخبين الفرنسيين. بالإضافة إلي ذلك، فإن شيوخ فرنسا إدراكا منهم بحقيقة التوجه الشبابي نحو اليسار، أبدوا اهتماما بالغا بالمشاركة في الانتخابات الأخيرة، ليضمنوا وصول المرشح اليميني للرئاسة، وبالتالي استمرار انتهاج الإليزيه سياسات يمينية تحافظ علي مكاسبهم الاقتصادية.
من ناحية أخري، تمثل الجاليات الإسلامية والعربية معضلة كبيرة بالنسبة للحياة السياسية الفرنسية، حيث إن تلك الجاليات يصل عددها إلي نحو 8 ملايين نسمة، معظمها يؤيد اليسار. ولكن المعضلة الفرنسية تتمثل في أن الجاليات العربية، علي عكس المواطنين الفرنسيين الأصليين، يقبلون وبشدة علي الإنجاب، وبذلك فهذه الجاليات، بتكوينها الديموجرافي الشاب وتوجهها اليساري، إنما تمثل تهديدا لمصالح الناخب اليميني الرأسمالي المحافظ، وهو الأمر الذي يزيد من إصرار الناخب اليميني علي المشاركة في العملية الانتخابية لكبح جماح الجالية العربية، وتقليص فرص تأثيرها في الحياة السياسية في فرنسا.
وفى بريطانيا كانت الشيخوخة الديموجرافية وراء نتائج الاستفتاء الأخير بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، مما يعنى بداية انهيار الاتحاد والعودة إلى فكرة القومية الوطنية وسطوة نفوذ اليمين على حساب اليسار.
عودة اليسار مع سيبيراس وكوربين
وعلى الرغم من صعود اليمين القومي المتطرف فى أوروبا، فما زالت هناك حركات يسارية جديدة تسهم في تغيير الخريطة السياسية الأوروبية، مما يعنى أن المستقبل لا يزال أمام اليسار.
ومن أبرز عناوين هذا التغيير ما جرى في اليونان وإسبانيا. فقد فاز في الانتخابات اليونانية حزب سيريزا المنتمي إلى اليسار الراديكالي الجديد، صوت عليه الناخب اليوناني مرتين، أملا في إنقاذه من هيمنة المؤسسات المالية الأوروبية والدولية التي حولت البلاد إلى مفلسة جراء ارتفاع فوائد الديون التي تتجاوز الناتج الإجمالي القومى.
وشكل فوز سيريزا بزعامة السياسي تسيبراس دعما قويا لليسار الراديكالي الأوروبي، خصوصا في دولة مثل إسبانيا التي أنهت سنتها السياسية على إيقاع انتخابات 20 ديسمبر 2015 التى منحت لحزب بوديموس من العائلة السياسية نفسها القوة السياسية الثالثة التي تفزع ما يسمى بالمؤسسات العميقة في إسبانيا.
ويضاف هذا الفوز إلى المنعطف التاريخي وسط اليسار البريطاني من خلال وصول جيريمي كوربين إلى الأمانة العامة لحزب العمال في هذا البلد سنة 2015. وهو الزعيم الذي يحمل أفكارا يسارية جذرية بعيدة عن تلك التي كان قد بشر بها سلفه في المنصب توني بلير. وفي القارة الأوروبية نفسها، ساهم تكتل اليسار في البرتغال في عدم بقاء اليمين في السلطة عبر ائتلاف مع الحزب الاشتراكي بزعامة أنتونيو كوستا.
اليسار الجديد عقيدة متطرفة وبرامج معتدلة
يجمع خطاب حزب «بوديموس» في إسبانيا وحزب «سيريزا» في اليونان «وجبهة اليسار» في فرنسا على شجب ما يرون أنه خيانة تيار اليسار الاشتراكي – الديمقراطي وقبوله مبادئ «الاشتراكية – الليبرالية». وتندد هذه الأحزاب كذلك بسياسات التقشف «الإلزامية الأوروبية» ونقص الديمقراطية في آليـــة قرار الاتحاد الأوروبي. وتسلط الضوء على الشرخ بين أسفل الهرم وأعلاه، وبين الطبقات الشعبية والطبقة السياسية- وهذه توصف بـ»الكاست» في أدبيات هذه الأحزاب في استعارة لكلمة تستخدم في الإيطالية لوصف النافذين.
ولا يميز خطاب هذه الأحزاب الذي يدعو إلى قطيعة راديكالية، بين الحزب الشيوعي و«الاتحــــاد من أجل حركة شعبية» (يمين الوسط) في فرنســا، ويرى أن الحزب الاشتراكي العمالي هو سيان و«حـــزب الشعب» في إسبانيا، على نحو ما يدرج حزب «باسوك» (الاشتراكي الديمقراطي) و«الديمقراطية الجديدة» (المحافظ) في خانة واحدة في اليونان.
وثمة أوجه شبه سوسيولوجية بين هذه الأحزاب. وبرغم أنها تزعم تمثيل الطبقات الشعبية التي تخلت عنها الاشتراكية الديموقراطية، تستميل إليها شرائح من الطبقات الوسطى العاملة في القطاع العام من الموظفين والمـدرسين، وليس العمال والشباب. وقوى يسار اليسار (أقصى اليسار) تنشط في شمال أوروبا: حزب «دي لينكي» في ألمانيا، وتحالف «الأحمر- الأخضر» في الدانمارك وهولندا.
وفيما خلا شرق ألمانيا وسلوفينيا وتشيكيا وكراوتيا إلى حد ما، هذه الأحزاب ثانوية وهامشية في أوروبا الوسطى والغربية. ويبدو أن سكان هذه الدول لم ينسوا الماضي الشيوعي لهذه الأحزاب.
وتتـــقدم الأحزاب اليسارية الراديكالية في إسبانيا واليونان والبرتغال، أي في الدول التي خلفــــت فيها سياسة «الترويكا» الأوروبية آثاراً بالغة السلبية منها ارتفاع البطالة في صفـــوف الشباب وتعاظم هوة اللامساواة الاجتماعية. ولكن هذه الأحزاب لا تلفظ المشروع الأوروبي، برغم توجيه سهام النقد إلى الوجه الذي رست عليه أوروبا والاتحاد الأوروبي. ويستعـــيد خطاب أحزاب أقصى اليسار قضايا الأحـــزاب الشيوعية في السبعينيات، ويقرنه بالتنديد برأسمـــالية الدول الأوروبية (أوروبا الوسطى) التي تحاكـــي الرأسمالية الأمريكية. ولا تدعو هذه الأحــزاب إلى تقوقع قومي، وترفع لواء أوروبا تنتهج سياسة أخرى وتلتزم نوعاً من الكينزية الأوروبية، وترسخ الديمقراطية في المؤسسات الأوروبية. وخير مثل على مسار هذه الأحزاب هو حزب «سيريزا» اليوناني الذي هو، اليوم، قاب قوسين من سدة السلطة: التخفيف من الخطاب المغالي في التطرف والتمسك ببقاء اليونان في منطقة اليورو. والتمسك بأوروبا هو الفارق البارز بين أحزاب اليسار هذه، والتيارات الشعبوية اليمينية واليمين المتطرف التي تطعن في الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى الانسحاب من منطقة اليورو.
وأحـــزاب اليسار الجديدة اليوم في أوروبا إذ تدعو إلى تحريك عجلة الاستثمار العام وحماية مؤسسات دولة الرعاية وتوسيعها، تستعيد سياسات سبق لليسار المتطرف أن نبذها في الستينيات والسبعينيات، ودرجت الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية على تأييدها في المرحلة الذهبية لليسار الإصلاحي في أوروبا، الذي يرى اليــوم أن نموذج دولة الرعاية وزيادة النفقات العامة صــــار بائتاً ولا يناسب العالم المعولم. وثمة تباين بيـــن خطاب الأحزاب اليسارية المتطرفة اليوم وبين برامجها. وهي تدعو إلى إصلاح الديمقراطية التشاركية (التعاضدية أو المساهِمة) لاستجابة ما ينتظـــره الأوروبيون الذين يرون أن الديمقراطية التمـــثيلية التقليدية بلغت أقصاها ولم تعد ترتجى منـــها فائدة. وينقسم اليسار ويسار اليسار إزاء هذه المســـألة. وفي الماضي، كانت تيارات يسارية متبـــاينة، منها جناح متطرف، تتعايش في الأحزاب الاشــتراكية والاشتراكية – الديمقراطية. ولكن اليوم القطيعة راسخة بين يسار حكومي يصدع بوقـــائع الاقتصاد العالمي الجديدة، وبين يسار يساري يسعى إلى الاستقلال والتغريد خارج السرب. وفي ألمانيا، يشير تحالف الحزب الاشـــتراكي- الديمقراطي ودي لينكي والخضر إلى احتمال بروز صورة جديدة لليسار. ولكن نتائج اليســـار المتطرف الانتخابية لا تزال محدودة، وقــــدرته اليوم على تقويض اليسار كله والهيمنة عليه، ضعيفة، ما خلا في اليونان وإسبانيا.
كلمات بحث
الأهرام العربي
اليسار
عدد اليسار التذكارى
رابط دائم
مواضيع ذات صله
بلا كاريزما أو برنامج.. يسار فلسطين.. وقف على «سلالم» السياسة!
إنها حقا عائلة يسارية.. رفعت السعيد وليلى الشال حكاية غرام ولد فى المعتقل.. وأغاني نجاة كلمة السر
برنسيس اليسار المصرى.. إنجى أفلاطون.. الأرستقراطية المناضلة
عاشقات للتغيير ومناضلات برؤية رومانسية.. حكاية نساء اليسار المصرى
قادوا دفة الأحداث داخل القارة السمراء.. مانديلا ونكروما ولومومبا أكثر الزعماء الأفارقة تبنيا لتوجهات اليسار
المفكر اللبنانى الكبير «كريم مروة»: الشيوعيون العرب تعاملوا مع فكر ماركس بوصفه «قرآنا»
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام