عدد اليسار التذكارى



بسبب الانشقاقات الداخلية.. اليسار يترنح فى السودان!

14-5-2017 | 18:26
صلاح خليل

 
مركزية القرار والبيروقراطية وتضييق مساحات الاختلاف داخليا أدت إلى تراجع الحزب الشيوعى
 
أحزاب اليسار السودانية تطالب بتداول السلطة ولا تطبقها داخلها
 
ترجع بداية تيار اليسار فى السودان إلى عام 1939، وإن بدأ نشاطه الفعلى منتصف الأربعينيات، تحت اسم “الجبهة المعادية للاستعمار”،والتى عرفت لاحقا باسم الحركة السودانية للتحرر الوطنى، يمثل اليسار فى السودان، الحزب الشيوعى السودان، بالإضافة إلى القوميين العرب بأحزابهم المختلفة كالبعثيين والناصريين.
والواقع أن أهم من يمثل اليسار فى السودان هو الحزب الشيوعى السودانى، لوزنه السياسى وثقله الجماهيرى الواسع بالمقارنة بغيره من القوى التى تنتمى إلى اليسار، فضلا عن أنه أكبر من حزب سياسى، حيث يعد حركة فكرية وثقافية وسياسية سودانية مهمة.
ثمة اعتبارات أخرى تجعل من هذا الحزب أهم من يمثل اليسار، منها دوره الوطنى فى تبنى قضية الاستقلال عن الاحتلال قبل عام 1956، فضلا عن أطروحاته ومساهماته فى استكمال الاستقلال الاقتصادى والثقافى، ودوره البارز فى الدفاع عن حقوق الإنسان.
وبصفة عامة تبنى اليسار السودانى الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية، باعتبارها جزءا من الثورة الوطنية الديمقراطية، وهذا الدور الوطنى لليسار أسهم بدرجة كبيرة فى جذب طلاب الجامعات والمعاهد السودانية، فضلا عن النخب السياسية السودانية كالأطباء والمهندسين، مما أسهم فى ارتفاع شعبيته وسط السودانيين، فضلا عن أن كفاحه من أجل حقوق العمال قد أمده بحضور وقوة فى النقابات واتحادات الطلاب بالجامعات والمدارس الثانوية. ومنذ تأسيس الحزب الشيوعى السودانى، عبر عن نفسه كأيقونة العدالة الاجتماعية، فضلا عن أنه واحد من أقدم الأحزاب السياسية السودانية، وأكثرها تأثيرا فى واقعنا المعاصر.
 
اليسار يواجه أخطاءه
وبالرغم من أن القوى السياسية المعادية لحركة اليسار فى السودان، كانت تنصب له الفخاخ وتحاول إجهاض دوره ومحاصرة فاعليته، فإنه تماسك طوال حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. حيث تبنى رؤية قومية لمعالجة أزمة الاندماج والتعددية المعرقلة للمشروع الوطنى، ومن ثم فقد نادى اليسار السودانى بالتعددية العرقية والثقافية والدينية فى السودان، والاعتراف بالحريات والمعتقدات المتعددة، ورفع اليسار راية تيار الاستنارة، معتمدا على المثقفين والمهنيين والعمال والمرأة داخل المجتمع السودانى.وتميز اليسار السودانى فى خطابه السياسى الذى ركز فيه على مسألة القومية والتحولات الاجتماعية الداخلية.
أما أهم الإشكاليات التى أعاقت حركة اليسار فى السودان، هى التمادى فى تقوية التنظيم على حساب الرؤية السياسية، حيث إنه شكل خلايا سرية تفوق بها على الأحزاب اليمينية الأخرى فى السودان، ولكن فى الوقت نفسه عانت الأحزاب اليسارية من سيطرة الوجوه النخبوية القديمة التى تعبر عن مصالحها، وقد ظن البعض أن الحزب الشيوعى السودانى قد يصبح تجربة حزبية يسارية رائدة فى السودان، ولكنه فشل بسبب مركزية عملية صنع القرار فى الحزب، وإصابته بداء البيروقراطية، وتضييق مساحات الاختلاف داخله، وبخاصة مع زيادة حدة الاستقطاب السياسى فى المجتمع السودانى على مدار التحولات السياسية التى شهدها السودان إبان فترات الديمقراطية الأولى والثانية والثالثة.
ومنذ النشأة برزت إشكاليات بنيوية أخرى، كموقف الحزب الشيوعى السودانى، من الدين والديمقراطية مما جعله فى حالة صدام مع كثير من الجماهير التى لديها ميول إسلامية. على مدار العقود الستة الماضية سار الحزب الشيوعى على رسم بيانى صعودا وهبوطا، وارتكب أخطاء سياسية وتنظيمية ، والكثير ممن ترك الحزب أو غادروه، انتقدوه على أسس بنيوية وموضوعية.
يضاف إلى ما سبق إشكالية أخرى وهى ظاهرة الانشقاقات الداخلية فى الأحزاب اليسارية السودانية، التى ألحقت ضررا كبيرا فى البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، وأضعفت إلى حد بعيد قدرتها على تطوير بنائها تنظيما وتوسيع قواعدها الشعبية، بالتالى حالت دون ممارستها لدور فاعل وبناء فى الحياة السياسية السودانية.
برغم الانتماء إلى منظومة فكرية وأيديولوجية متقاربة فإن أحزاب اليسار أصابتها حالة التشرذم التنظيمى مما أعاق قدرتها على تشكيل تحالفات سياسية متماسكة، سواء لخوض الانتخابات، أم اتخاذ موقف جماعى تجاه قضية ما. وربما كان ذلك نتيجة الخلافات الفكرية داخل هذا التيار حول بعض القضايا مثل الدين، الإضرابات العمالية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، مما أنعكس على اليسار ككل والحزب الشيوعى بصفة خاصة.
وقد تلقى الحزب الشيوعى السودانى- على وجه التحديد ، ضربات موجعة خصوصا فى منتصف الستينيات، ففى عام 1965 عندما تم تعديل الدستور الذى يمنع قيام أحزاب يسارية فى السودان، وجد اليسار فى السودان نفسه متكيفا لفترات زمنية طويلة مع صيغة الحكم القائمة على نظام الحزب الواحد، وقد يعد الحزب الشيوعى نموذجا بارزا لحالات التشرذم داخل اليسار، حيث ظهرت الانقسامات داخلية مبكرا فى عام 1971، وقد مثلت إشكالية النخبة داخله أحد أخطر أزماته على الإطلاق. كما تعمدت القوى السياسية التقليدية، على مدار الانتفاضات التى جرت فى السودان،  استهداف القوى السيارية، محاولة منها للحد من تأثيرها، وتحجيم دائرة نفوذها، باستخدامها الديمقراطية البرلمانية الليبرالية مثل طرد النواب من البرلمان. 
وذلك بالنظر إلى اعتمادها على مركزية شديدة وبيروقراطية معطلة، ناهيك عن الخلافات التى تحدث بصفة دورية بين النخب داخل التنظيم على المناصب السياسية، الأمر الذى يؤدى إلى جنوح الفئات الشبابية داخلها إلى تكتلات سياسية أخرى، أو حتى الابتعاد عن العمل الحزبى نهائيا، وبخاصة فى ظل الفوارق العمرية الشاسعة بين شريحة الشباب والقيادات.
وبالرغم من حالة الزخم السياسى التى أحاطت باليسار السودانى فى بداية الستينيات بشخصيات ذات وزن سياسى ثقيل مثل: عبد الخالق محجوب، جوزيف قرنق، الشفيع أحمد الشيخ، محمد إبراهيم نقد، التيجانى الطيب، فاطمة أحمد إبراهيم، خالدة زاهر سرور، الخاتم عدلان، عمر مصطفى المكي، عزالدين على عامر، معاوية إبراهيم و غيرهم ممن أحدثوا عدة تطورات أحسن اليسار استغلالها، مثل انتفاضات 1964 و1985، أسهمت بزيادة ملحوظة فى نشاط بعض أحزاب اليسار التى كانت موجودة مثل الحزب الشيوعى والبعثيين والناصريين الثوريين، ظل السكرتير العام للحزب الشيوعى السودانى محمد إبراهيم نقد، التيجانى الطيب، يوسف حسين، وسليمان حامد يتمسكون بالتيار الاستالينى فى أروقة الحزب، وهو تيار رافض لعملية التجديد والتحديث، فى الواقع أن أحزاب اليسار فى السودان تطالب بالتداول السلمى للسلطة والديمقراطية، إلا أنهم فى الوقت نفسه يرفضونها داخل الأحزاب.
أما خلال المرحلة الحالية، فإن التشرذم لا يزال باديا على الحزب الشيوعى السودانى، حيث أصدرت اللجنة المركزية قرارها الصادر فى 7 يوليو 2016، بفصل الدكتور “الشفيع الخضر سعيد” من عضوية الحزب، ويعتبر الدكتور سعيد واحدا من رواد التغيير والاستنارة داخل اليسار السودانى بعد رحيل جيل المؤسسين، وهكذا مثل الفصل التعسفى، واحدة من العوامل التى أدخلت الحزب الشيوعى السودانى فى مأزق تاريخي، وهو ما سيلقى بظلاله حتما على مسيرة أحد أكبر الأحزاب الشيوعية فى إفريقيا، وإن كانت ظاهرة الانقسامات، لازمت كل الأحزاب اليسارية فى المنطقة العربية.
 
رهانات المستقبل 
تبيانت الرؤى لدى الكثيرين حول مستقبل اليسار فى السودان، وخصوصا بعدما أصاب الوهن الحزب الشيوعى، كما لم تعد أطروحاته جذابة، وقد انطفأ وميضه لعوامل شتى سواء داخلية كالانشقاقات العديدة، أم خارجية كتراجع اليسار عالميا نتيجة انهيار الكتلة الشرقية وتفكك الحزب الشيوعى الروسى، فضلا عن أن مستقبل اليسار فى السودان، كاد قوسين أو أدنى أن يتحول إلى ماض، بسبب ساحة التنافس غير المشروع من قبل القوى السياسية الأخرى، فضلا عن عوامل محلية وإقليمية ودولية. وبدلا من أن تتمسك الأحزاب اليسارية بأجندة تتسق مع تراثها الفكرى وأزمات مجتمعها، كالتركيز على المعركة السياسية، وتجنبها للمعارك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لجأت إلى بناء تحالفات تتناقض ومبادئها الأيديولوجية، ومع أحزاب أخرى ساهمت بدرجة فى تهميش دورها فى الحياة السياسية. 
وتظل أية فاعلية لأحزاب اليسار فى السودان فى المستقبل، مرتبطة بتقديم حلول جذرية لأزماتها الداخلية، فأحزاب اليسار تحتاج إلى تقديم خطاب سياسى أكثر واقعية، يحمل رؤى فكرية سياسية موضوعية، تواكب الوضع الراهن، بالإضافة إلى تجديد فى بنية الاحزاب سواء التنظيم أم الأفكار أم الأشخاص، والإقرار بمشروعية التعددية داخل الحركة اليسارية فى السودان والسماح بمشاركة أوسع للشباب، وتبنى آليات ديمقراطية داخلية شفافة ونزيهة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام