عدد اليسار التذكارى



الدستور الملكي والكتاب الأخضر منع التعددية السياسية.. تجربة اليسار لم تكتمل فى ليبيا

14-5-2017 | 18:31
أحمد إبراهيم عامر

 
أحمد يوسف بورحيل وعبد المولى دغمان فصلا من جامعة القاهرة بتهمة اعتناق الفكر الماركسى فى بداية الخمسينيات.. والملك إدريس توسط لإعادتهما
 
الدستور الملكى منع التعددية السياسية والكتاب الأخضر كرس أحادية الفكر السياسى، فظل فكر اليسار بعيدا عن التنظيمات السياسية
 
اليسار فى ليبيا تجربة لم تكتمل، لأسباب تاريخية خاصة بالواقع الليبى الذى سننظر إليه منطلقين من بداية الإعلان عن الدولة الليبية فى 24 من ديسمبر 1951، فقبل هذا التاريخ لم تكن هناك دولة ليبية يمكن أن نتكلم عن تدافع سياسى فكرى فيها. ومن جهة أخرى فإنه من غير الممكن قبل إعلان الدولة أن نتحدث عن توجهات فكرية أو تنظيمات سياسية، فى الوقت الذى كان خلاله الليبيون منشغلين بمحاربة الاستعمار وتحرير بلادهم.
 
بعد الاستقلال ومنذ البداية اعتمد الدستور الليبى الملكية نظاما للحكم فى البلاد، يمنع التعددية السياسية، وبالتالى يمنع تشكيل الأحزاب حتى لا يؤثر ذلك - فى يقينهم - سلبا على الدولة الوليدة المكونة من اتحاد هش بين ولايات طرابلس غربا وبرقة شرقا وفزان جنوبا، قبل أن يعلن إلغاء الأقاليم الثلاثة فى 26 إبريل 1963، ويتم تعديل اسم الدولة إلى المملكة الليبية المتحدة واستبدال عاصمتى المملكة طرابلس وبنغازى، وتسمية مدينة البيضاء بالعاصمة.
 
وبرغم أن الدستور حظر التنظيمات السياسية قانونا، لكن هذا الحظر لم يمنع وجودها واقعيا، فظهرت فى البلاد مختلف التوجهات السياسية .
 
وبعد سقوط الحكم الملكى عام 1969 جاء القذافى، وأعلن عن نظامه الخاص “سلطة الشعب” سنة 1977 مكرسا للأحادية السياسية، وهنا يلعب الحظ السييء لليسار دورا بصدور الفصل الثانى من الكتاب الأخضر- بمثابة إعلان للشيوعية فى ليبيا على غرار كتاب “ماو الأحمر” .
 
لكن مع التطبيق السيء لمقولات وأفكار كانت سيئة فى ذاتها، ضاقت ليبيا بما رحبت. وأصبحت الشيوعية خاصة واليسار عامة فى قاموس الليبيين علما على الفقر فى بلد من أغنى دول العالم.
 
واختلطت الأفكار بشكل عشوائى، وحاكم نظام القذافى أحيانا أخلص رجاله بتهمة الشيوعية برغم تضمن الاسم الرسمى للبلاد لـ”الاشتراكية” وتسمية ميدان الشهداء بالساحة الخضراء تيمنا بساحة موسكو الحمراء .
 
كل هذه التراكمات شكلت عقبة أمام اليسار الليبى عندما حاول كغيره من التيارات الوجود داخل ليبيا.
 
البداية من مصر
عن تاريخ وبداية اليسار فى ليبيا، يحدثنا خالد الترجمان الذى سجن 12 عاما أثناء دراسته للحقوق فى قضية الطلبة، التى عرفت داخل ليبيا بأحداث 7 إبريل، حيث خرجت مظاهرات فى الجامعات الليبية ضد حكم القذافى عام 1976، وتم القبض على أعداد كبيرة من طلبة الجامعات الليبية، وحكم على أغلبهم بالمؤبد وبعضهم بالإعدام وكانت تهمة الترجمان طالب كلية الحقوق هى الانتماء للفكر الماركسى، ومشاركته فى مظاهرة لقلب نظام الحكم وحكم عليه بالإعدام وخفف للمؤبد. 
 
يقول خالد الترجمان: تأسس الفكر اليسارى فى ليبيا من خلال: أحمد يوسف بورحيل نجل أحد أهم قادة الجهاد الليبى، وعبد المولى دغمان، أحد رموز الوطنية الليبية، وكانا قد فصلا من جامعة القاهرة بمصر فى بداية الخمسينيات، وكانا ضمن أول بعثة دراسية فى عهد المملكة للدراسة فى مصر، وجاء تقرير المخابرات المصرية ليبين أن سبب فصلهما أنهما ينتميان لخلايا يسارية ماركسية.
 
وعندما عادا إلى ليبيا تمت دعوتهما إلى الديوان الملكى لمقابلة الملك إدريس شخصيا، وتم الحوار التالى بينهما وبين الملك والذى سمعته على لسان المرحوم الأستاذ أحمد يوسف بورحيل شخصيا داخل سجن الكويفية عام 1977 عندما صدرت علينا أحكام بالإعدام وبالمؤبد:
 
وداخل السجن كان الأستاذ أحمد بورحيل يتحدث إلينا حديث الأب والأخ الأكبر، وذكر لنا هذه الحادثة لكى يوضح لنا فرق التعامل بين حكم الملك إدريس وبين قادة انقلاب سبتمبر 1969، فقد روى أنه عندما دخل وزميله عبد المولى دغمان إلى الديوان الملكى استقبلهما الملك بترحاب وبابتسامة، ثم بدأ الملك الحوار، مؤكدا أن قرار رفتهما من الجامعة هو قرار مصرى وليس ليبيا، برغم اختلافه معهما فى الرؤية والفكر.
 
تحدث معهما الملك بوصفهما من الشباب الذى يعد أملا للبلاد، وبالتالى عليهما التركيز على الدراسة وعلى العلم، لكى يستطيعا أن يفيدا بلدهما، وقال الملك :” إننا نذهب لمصر لنتلقى العلم فقط، فمصر لها مشاكلها ولها حساباتها، وعندما تعودان إلى بلادكما افعلا ما شئتما “. وقام الملك بمخاطبة السلطات المصرية للموافقة مرة أخرى على استكمال دراستهما الجامعية.
 
وجود محدود وانهيار سريع 
 
ويضيف الترجمان: هذه بدايات اليسار فى ليبيا كما سمعتها على لسان الأستاذ أحمد بورحيل، بعد ذلك تأتى فترة شبه صامتة وغير واضحة حول وجود اليسار فى ليبيا، ولم يكن لليسار وجود فعلى إلا بعد نكسة 1967، فما كان موجودا فى ليبيا قبل تلك المرحلة، هو تنظيم القوميين العرب وتنظيم البعث وتنظيم الإخوان المسلمين، وربما كان الأقوى والأكثر انتشاراً، هم حركة القوميين العرب لما لهم من صلات مع كل التنظيمات القومية فى المنطقة العربية وخصوصا فى فلسطين.
 
ويضيف الترجمان: بعد “نكسة 67” طرح على أعضاء حركة القوميين العرب، استبدال المنهج القومى العربى التى رأى بعض قادة الحركة بأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الفشل فى المنطقة بالمنهج الماركسى الذى تبنته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتى كانت جزءا من حركة القوميين العرب برئاسة “جورج حبش”، وبدأ قادة القوميين العرب فى تدارس هذا الفكر وطرحه على الكوادر، وانتقل كثير منهم إلى تبنى المنهج الماركسى.
 
قبل هذا وذاك كان هناك بعض الأشخاص ممن تفاعلوا مع الفكر الماركسي، من خلال دراستهم وإطلاعهم على الأدب الروسى أو من خلال زيارتهم وإقامتهم ببعض الدول العربية فى مصر وسوريا والعراق، ولكن لم يكن فكرا حزبيا أو منطلقا من عقيدة لتغيير الواقع الاجتماعى والسياسى فى ليبيا.
 
بعد حكم القذافى فى 1969 بدأ الكثير سواء فى شرق البلاد أو غربها يتبنون الفكر اليسارى، وحاول القذافى ضرب كل هذه التيارات اليسارية، على الرغم من عدم نضوجها أو تشكيلها لمنظومة لقلب نظام الحكم، وكان أغلبها فاعلياتها عبارة عن مجرد لقاءات وحوارات لم ترتق لتنظيم حقيقى به قادة وكوادر.
 
وتراجع الفكر اليسارى فى ليبيا وبدأ فى الانهيار التام بعد سقوط الاتحاد السوفيتى.
 
وبعد ثورة فبراير 2011 تشكل كثير من الأحزاب ولكن لم يكن هناك أى حزب يسارى على الرغم من محاولة البعض لتكوين أحزاب بفكر اشتراكى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام