عدد اليسار التذكارى



اليسار في تونس.. تاريخ طويل ومكانة محدودة!

14-5-2017 | 18:37
زينب هاشم

 
وائل درويش: اليسار يمتلك أكبر قاعدة جماهير لكن التشتت والانقسام أضعفاه
 
الهشيرى أحمد: أحزاب اليسار فى تونس احتكرت»الثورية»وتبنت أفكارا بعيدة عن الواقع
 
برغم أن الأحزاب اليسارية فى تونس تحظى بتاريخ طويل يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، فإنها لم تنجح فى اكتساب مكانة حقيقة فى الساحة السياسية حتى بعد الثورة، لاسيما فى تأسيسهم لائتلاف سياسى كان السبب فى معرفة الشعب التونسى بالجبهة الشعبية، إلا أن هذه الأحزاب فشلت فى اجتذاب عدد كبير من التوانسة.
بدأ اليسار التونسى نشاطه فى تونس منذ عشرينيات القرن الماضى قبل تشكل الحركة الوطنية وقبل تأسيس الحزب الحر الدستورى الجديد على يد الزعيم  بورقيبة عام 1934. وكانت بدايات  الفكر اليسارى مع ظهور الطبقة العاملة فى تونس وتشكلها فى الحزب الشيوعى التونسى والحركة النقابية التابعة له التى كانت تمثلها السى جى تى والتى أصبحت الاتحاد النقابى للعمال التونسيين، وذلك حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.
أما الطور الثانى لليسار فقد بدأ مع ظهور حركة “بيرسبيكتيف” أو  آفاق العامل التونسي، وانتهى مع تفكك الحركة نهائيا فى أواسط الثمانينات والتحول المفصلى الذى قدمته فى المشهد السياسى التونسي.
وأخيرا بدأ الطور الثالث عندما بدأ اليسار يتشكل فى أحزاب سياسية.
فيما كان اليسار التونسى يعيش حالة من الشلل السياسى والاجتماعى وممزقا بين أبجديات النضال الوطنى التى تفترض التفاعل الإيجابى مع الثقافة المحلية وبين مبادئه الشيوعية التى تشده إلى فكرة الأممية، كان الوطنيون التونسيون يجوبون البلاد ويتصلون بشيوخ القبائل وشيوخ الطرق الدينية والمواطنين العاديين ويحثونهم على النضال الوطنى من أجل تونس المستقلة.
وقد روى المؤرخون والسياسيون الذين عايشوا تلك الفترة أن بورقيبة كان يشعر أن اليسار خذله فى معركته ضد رجال الدين ومختلف القوى التقليدية التى عارضت مشروع دولة الاستقلال، فقد كان يرى فى نفسه حاملا لمشروع الحداثة فى مجتمع فتكت به الأمية والجهل. وكان يعتقد أن اليسار سيسانده فى معركته ويدعم مشروعه من أجل تحديث تونس دولة ومجتمعا.
ويرى عدد من الباحثين فى تاريخ اليسار التونسى أن الشيوعيين لم يكونوا على قدر من الوعى السياسى والتاريخى ما يجعلهم يتفاعلون مع أفكار الحبيب بورقيبة ومشروع الدولة الوطنية، ولم تفتر عزيمة اليساريين ولم تزدهم ضربات نظام بورقيبة إلا تمسكا بمبادئ الشيوعية وبأحلامهم الستالينية، فأسسوا فى بداية السبعينيات حركة العامل التونسى التى نشط فيها عدد كبير من الطلبة من ذوى التوجهات المختلفة من ماركسيين وماويين وتروتسكيين وقوميين يساريين مما أثر لاحقا على تجانسها، وكما يبدو من التسمية وجهت حركة العامل التونسى نشاطها إلى فئة العمال،  فاخترقت قطاعات حساسة مثل النقل والبريد والجامعات وكان معقلها محافظة قفصة التى تقع فى جنوب البلاد، حيث مناجم الفوسفات التى يعمل بها العمال فى ظروف قاسية.
وبرغم التحولات الجيوسياسية التى بدأ يشهدها العالم منذ أربعينيات القرن الماضي، تمسك اليسار التونسى بمظلة الاتحاد السوفيتى مقدما فكرة الأممية على فكرة الوطنية فى حالة انسلاخ مقيتة عن الهموم التى تشغل التونسيين وخصوصا النخب الفكرية الحاملة لثقافة الحداثة، بعد أن أنهت تعليمها فى الجامعات الفرنسية وتعلقت بقيم ثورة عاصمة الأنوار وبمفهوم الدولة الأمة.
وعلى مر السنين  أسهم تشرذم اليسار الشيوعى فى أفول نجمه، فمثلا تملك العائلة الوطنية الديمقراطية ذات التوجه الماوى وزنا لا يستهان به فى الجامعة التونسية، وفى النقابات غير أن التصلب الإيديولوجى جعلها مثلا فى خلاف مع حزب العمال بسبب توصيفهم للاقتصاد التونسى كاقتصاد رأسمالي، وبالتالى اعتبار الثورة المقبلة ثورة اشتراكية فى حين يعتبر الاقتصاد التونسى شبه إقطاعى شبه مستعمر، وبالتالى فإن الثورة التى تحتاجها البلاد هى حتما ديمقراطية وطنية، كما أنهم عكس حزب العمال الذى خرج إلى شبه العلنية فى أوساط الثمانينات ويعتبرون العمل السرى والعفوى أساسا وهو ما يفسر عدم انخراط كل مناصرى العائلة الوطنية الديمقراطية فى حركة «الوطنيون الديمقراطيون» (اشتراكى عِلمي) برئاسة شكرى بالعيد حتى بعد الثورة التونسية فى 14 يناير، شأنها شأن توجهات يسارية أخرى كرابطة النضال العمالى والتروتسكيين التى لم تبرز إلى العلن فى شكل تنظيمات حزبية واضحة المعالم.
يقول الإعلامى والسياسى التونسى الهشيرى أحمد: وقعت هذه الأحزاب فى مشكلات عديدة كان فى مقدممتها أنها تبنت خطابات غاية فى الشعبوية وأفكارا يراها المواطن البسيط بعيدة كل البعد عن الواقع. إضافة لاحتكارهم “الثورية” وتبنيهم لخطاب سياسى جامد لم تستطع الثورة نفض الغبار عنه، وهو الخطاب  الذى لا يختلف كثيرا مع ما جاءت به أدبيات الشيوعية فى منتصف القرن الماضي. هذا كله جعل هذه الأحزاب لا تحظى بالمكانة المتوقعة فى الساحة السياسية التونسية برغم نضالات رموزها وقادتها، الأمر الذى يظهر من خلال ما حققته هذه الأحزاب فى انتخابات المجلس التأسيسي. ومجلس نواب الشعب، إضافة لترشيح الجبهة الشعبية لحمة الهمامى القيادى البارز فى الانتخابات الرئاسية والذى لم يتمكن من المرور للدور الثاني.
ويستكمل الحديث المحلل السياسى التونسى وائل درويش قائلا: يعتبر اليسار من الأيديولوجيات التى أكل عليها الدهر، وشرب، وقد أثبتت فشلها على مدى التاريخ فى تونس، حيث يصعب الحديث عن اليسار نظرًا لصعوبة إيجاد تعريف محدد لليسار، إضافة إلى خصوصية اليسار فى تونس، خصوصا أن اليسار التونسى عرف تطورات عديدة فى تاريخ تونس المعاصر، بداية من الفرع الفيدرالى للأممية الشيوعية الذى استمد قوته من الاتحاد السوفيتى مرورا بالحزب الشيوعى التونسى واليوسفية. إضافة إلى الامتدادات الناصرية والبعثية التى تجمع بين الدراسات والعمل الاشتراكى التونسى أو ما يسمى بيرسبيكتيف الذى ترك بصمة واضحة فى المشهد السياسى التونسي، وصولا إلى الأحزاب والمنظمات اليسارية الحديثة كحركة الديمقراطيين الاشتراكيين والاتحاد العام التونسى للشغل.
ويضيف درويش قائلا: وبرغم كل نضالات اليسار للتصدى للاستعمار فى مرحلة أولى والديكتاتورية فى مرحلة ثانية وسلطة الدين فى مرحلة ثالثة إلا أن الفشل ظل يلازمه إلى يومنا هذا.
واليوم اليسار فى تونس يمتلك أكبر قاعدة جماهيرية، فإن التشتت والانقسام جعله ضعيفاً، وفى مقابل ذلك ظهرت محاولات للتجميع كالقطب الحداثى سنة 2011 والجبهة الشعبية سنة 2012  والنتائج شهدت تحسنا كبيرا لكن قوى الانقسام كانت أقوى.
كما يعانى اليسار اليوم التلاعب من الطرف الحاكم الذى استغل انتهازية وغباء بعض قيادات اليسار اللاهثين وراء السلطة والمال. واليسار لم يستوعب الدرس، حيث كان النظام السابق يتلاعب به فكان يدعمه كلما تصاعدت الحركات الإسلامية لضربها، ويدعم الحركات الإسلامية لضرب اليسار كلما استقوي.
ويمضى فى الحديث المحلل السياسى قائلا: وتعد أقوى منظمة يسارية فى الوقت الراهن هى الاتحاد العام التونسى للشغل، لكن الاتحاد انساق وراء الحسابات الضيقة واتبع سياسة الانبطاح وبدأ يفقد مصداقيته لدى الشعب.
وأيضا هناك منظمة يسارية أخرى لها وزنها فى البلاد وهى الاتحاد العام لطلبة تونس، تلك المنظمة الطلابية التى عادة ما تكتسح انتخابات الجامعة التونسية، وهذه المنظمة تشهد أكبر انشقاق فى تاريخها نتيجة التجاذبات السياسية.
ولكن يبقى الأمل فى القيادات الشابة لليسار التى قد تعيد له الإشعاع شريطة التخلى عن زعمائها الانتهازيين والمتملقين للسلطة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام