عدد اليسار التذكارى



حرب الانفصال مزقت شوكته وأجبرته على التحالف مع «الإخوان».. يسار اليمن.. نضال ودم وشتات!

14-5-2017 | 18:41
إبراهيم العشماوي

 
عدن احتضنت حركة القوميين العرب مبكرا والحزب الاشتراكى تقدم صفوف التحرير وسيطر على جنوب اليمن حتى عام 1990 
 
حرب الانفصال مزقت شوكة اليسار وأجبرته على التحالف مع “الإخوان “خصومه التقليديين
 
يبدو تاريخ اليسار فى اليمن دراميا إلى حد كبير برغم حضوره المبكر فى الحياة السياسية، فقد انخرط فى العمليات الفدائية ضد الاحتلال البريطانى فى عدن، وأسهم فى تنشيط وتأسيس الأحزاب والحركات العمالية، ثم استحوذ على السلطة بعد الاستقلال، وصولا إلى المشاركة فى صنع وحدة شطرى اليمن عام 1990، وبعدها خاض حرب صيف الانفصال عام 1994، التى خسرها. وأبرم اليسار اليمنى تحالفات تكتيكية وكابد خصومات مع الكيانات التى يعتبرها رجعية مثل الإخوان المسلمين أدخلته فى نفق عميق لم يخرج منه حتى الآن.
يمثل تيار اليسار فى اليمن الحزب الاشتراكى اليمني، الذى تعود جذوره إلى حركة القوميين العرب التى تشكلت فى بيروت فى عام 1948، ولقد أُسس الحزب فى عام 1978، كامتداد للجبهة القومية وفصائل يسارية أخرى مؤمنة بالفكر الاشتراكى فى الساحة اليمنية.
وعند قيام الوحدة اليمنية فى مايو 1990م، كان شريكاً فاعلاً، ولكنه ظل يعيش على رصيده النضالى السابق، ولم يقدم جديداً على المستوى الحزبى والديمقراطية الداخلية أو على المستوى السياسى بوجه عام.
فى كتابه ( اليسار اليمني: ظالم أم مظلوم؟) يؤكد الدكتور أحمد الصياد، الدبلوماسى اليمنى أن اليسار فى اليمن تأسس على مسارات مختلفة منها الاتجاه فى السياق القومى العربى من جهة، والاتجاه الاشتراكى من جهة أخرى، وجاء تأسيس «الحزب الاشتراكى اليمني» عام 1978، ضامّاً فى هيكلته مختلف الحركات اليسارية فى الجنوب ومجموع القوى التى كانت تعمل فى الشمال. وتم تعريف الحزب الاشتراكى بأنّه طليعة الطبقة العاملة اليمنية المتحالفة مع الفلاحين والفئات الشعبية الكادحة الأخرى. 
ويخلص الصياد إلى أن اليسار اليمنى تعرّض لظلم جميع أنظمة الحكم المتعاقبة ومعها مختلف قوى الظلام علماً أنّها القوى السياسية نفسها التى تحالف معها الحزب الاشتراكى رغم اعتراضات طبقة عريضة من قواعده الحزبية وأعضائه، واعتبارها أنّ تلك التحالفات تعمل على تعطيل الدور التقدمى المناط بالحزب فى البيئة المحلية، وهى تحالفات ما زالت حتّى اليوم تعمل على إنهاك سير الحياة المدنية فى اليمن.
ويرصد قياديون فى الحزب الاشتراكى لما أسموه مؤامرات تعرض لها مشروعه الحضارى والسلمى فى الوحدة من قبل نظام على عبد الله صالح، الذى قام باغتيال عدد من قادة وكوادر الحزب الاشتراكي، تلى ذلك إشعال للحرب العبثية التى أدت إلى تحطيم الوحدة الطوعية وحولت الكثير من أنصارها إلى دعاة للانفصال بين جنوب اليمن وشماله.
 
اغتيال جار الله عمر
مثلت عملية اغتيال الزعيم اليسارى جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكى أواخر عام 2002، أمام حشد واسع من الناس وفى ظل تغطية إعلامية محلية وعربية ودولية، رسالة واضحة لليسار تقول " هكذا تصل إليكم طلقات أسلحتنا وقذائفنا ليس فى الشوارع أو داخل منازلكم فحسب، بل حتى فى المؤتمرات وأمام أعين الملايين من الناس. وحين حل الربيع اليمنى كان لقوى اليسار وعناصره أدوار مشهودة فى المبادرة بالإعداد والتنظيم وتحديد المراحل والأهداف بالتعاون التام مع شباب التغيير والحركة الإسلامية وكل القوى المنضوية فى تكتل اللقاء المشترك الذى كان الزعيم اليسارى جار الله عمر قد أسهم فى تأسيسه وتحديد أهدافه مع حرصه على تعزيز التنوع السياسى والتنظيمى والفكرى لكل القوى والعناصر المكونة لهذا التحالف السياسى التاريخي.
ويقول المحلل السياسى اليمنى فارع المسلمي: إن أحدا لم يكن يتوقع قبل سنوات إمكانية تحالف الحزب الاشتراكى اليمنى مع حزب التجمع اليمنى للإصلاح (الإخوان المسلمون) فى تكتّل سياسى واحد، بعد خوض الطرفَين حرباً فكريّة لعقود وصراعاً مسلحاً لسنوات آخرها حرب 1994، وهو ما أفقده عدداً كبيراً من أنصاره فى الشمال، ليقف وحيداً فى مواجهة مقاتلى حزب المؤتمر الشعبى العام شريكه الأساسى فى إعادة الوحدة اليمنيّة (1990)، إلى جانب مسلحى حزب الإصلاح الإسلامى حليف المؤتمر حينها. بالإضافة إلى الجهاديّين العائدين من أفغانستان. وأتى اصطفاف كلّ هؤلاء ضدّه لاعتبارات عدّة. فالمؤتمر مثلاً كان يريد التخلّص من شريكه فى الوحدة لينفرد بحكم اليمن بشماله وجنوبه، وذلك بعد القضاء على الوحدات العسكريّة لجيش جمهوريّة اليمن الديمقراطيّة التى كان يسيطر عليها الاشتراكى كحزب، كحاكم وحيد للجنوب قبل أربع سنوات فقط من تاريخه. وبالتالى يسهل على المؤتمر وضع الحزب المجرّد من السلاح تحت رحمته، فى حين أن الإصلاح كان يريد أن يحلّ حليفاً أساسياً للمؤتمر فى السلطة ويقصى الفكر الاشتراكى الذى طالما خاض صراعاً فكرياً ودموياً معه لعقود. وذلك باعتباره فرعاً للفكر الشيوعى السوفيتى الملحد بحسب ما يرى.
 
انشقاق جديد
تسببت التطورات المربكة فى اليمن مع دخول جماعة الحوثيين إلى صنعاء فى 21 من سبتمبر 2014، فى حالة انشقاق جديدة لليسار اليمنى الذى انقسم على نفسه من جديد، ما بين مؤيد لتوجهات جماعة الحوثى والذين أطلقوا على أنفسهم تيار اليسار برئاسة عبد الجبار الحاج، وما بين رافض لذلك ومتمسك بشرعية الرئيس عبد ربه منصور، وفى مقدمتهم الدكتور ياسين سعيد نعمان الذى عين سفيرا لليمن فى لندن عقب تعيينه مسشارا لرئيس الجمهورية.
 ويؤكد عبد الجبار الحاج، رفضه لسياسة قيادة الحزب الاشتراكى والتحاقها بما أسماه جوقة العمالة والخيانات التاريخية بالرياض التى شوهت الحزب وتاريخه ما يوجب فضح هذه السياسة والعمل الى اعادة نهج الحزب الوطنى والتحررى والتقدمي، رافضا أن يكون هذا موقف الاشتراكي.
ولفت الحاج إلى أهمية اتباع حراك جاد يناهض السياسات الخاطئة ويعيد الحزب إلى جادة النهج الوطنى والتحررى والتقدمى بما يليق به وبتاريخه وبتطلعات الفقراء والعاطلين فى عموم اليمن وبحزب اشتراكى يتبنى العدالة الاحتماعية منهجا اقتصاديا واجتماعيا. 
وفى الجهة المقابلة قامت سكرتارية منظمة الحزب الاشتراكى اليمنى بمحافظة تعز فى نهاية شهر يونيو الماضى بفصل عدد من الأعضاء بينهم عبد الجبار الحاج، وعلى المقطري، لخروجهم عن الخط العام للحزب، بل وتحولهم إلى أدوات طيعة بيد تحالف الانقلاب الرجعى (تحالف صالح الحوثي) يتلهى بهم كالدمى فى محاولة يائسة لإشغال الحزب ومناضليه وإثنائهم عن الاستمرار فى درب النضال الاجتماعى والوطنى على حد بيان لها.
وأكد الحزب الاشتراكى بتعز أن محاولات أجهزة صالح والحوثى شق الحزب أو تفريخه عبر استئجار بضعة أفراد مدفوعين بمصالح خاصة بهم لتشكيل ما يسمى (اللجنة التحضيرية للحزب الاشتراكي) و(اشتراكيون ضد العدوان) و(تيار اليسار الوطني)، محاولات ستبوء بالفشل الذريع، كما سابقاتها لعدم ارتكازها على أى مشروعية أو سياق موضوعي، وستتلاشى كفقاعة بفضل وعى أعضاء الحزب ويقظتهم تجاه المخططات التى تُحاك ضد الحزب.
 
كادر خاص أيضا
مؤسس اليسار اليمني عبد الفتاح إسماعيل ينتمى إلى أسرة انتقل عائلها من الجوف شمال اليمن واستقر فى قرية الأشعاب ناحية حيفان التابعة للواء تعز، حينها ولد فى 28 يوليو 1938، وتلقى تعليمه الابتدائى والمتوسط فى مدينة عدن وأصبح فى النصف الأخير من الخمسينيات عاملا فنيا تحت التدريب فى مصفاة الزيت البريطانية كما عمل بالتدريس.
تولى القيادة العسكرية بمنطقة عدن أثناء حرب التحرير عام 1964، ومارس نشاطا سياسيا فى إطار الجبهة القومية التى كانت أشبه بالقيادة اليومية. خلال عام 1966، تفاعل مع حركة التغييرات التى شهدتها حركة القوميين العرب على المستوى المركزى ونقلها الى المستوى المحلى وتبنى الخط اليسارى داخل فرع الحركة بجنوب اليمن وأستطاع أن يقيم علاقة متميزة مع قادة الحركة فى بيروت، وأن يقدم نفسه باعتباره رمز التيار اليسارى فى الجبهة القومية. تولى منصب وزير الثقافة والإرشاد القومى وشئون الوحدة اليمنية فى أول حكومة لدولة الاستقلال فى جنوب اليمن. 
فى 14 فبراير 1985 تولى عبد الفتاح إسماعيل، منصب سكرتير اللجنة المركزية لشؤون الإدارة كأولى النتائج للضغوط التى مارسها التيار المناوئ لتوجهات على ناصر محمد، إضافة إلى تخلى الأخير عن منصب رئاسة الوزراء.
فى الفترة من مارس 1985 وحتى أكتوبر 1985 برز اسم عبد الفتاح إسماعيل، إلى السطح ثانية بوضوح أشد باعتباره أهم العناصر المرجحة للصراع المحتدم داخل الحزب الاشتراكى بين جناح على ناصر وجناح على عنتر، ولعب دورا حاسما فى التهيئة لأحداث يناير 1986 الشهيرة.
فى 13 يناير انفجرت الأحداث الدامية فى عدن وتضاربت الأنباء والمعلومات حول مصير عبد الفتاح إسماعيل، حيث أجمعت على نجاته من المجزرة التى وقعت فى مبنى اللجنة المركزية وفراره مع عدد من رفاقه، ولكنها تتباين فيما جرى بعد فراره إذ إن على سالم البيض، يؤكد احتراقه فى إحدى المدرعات ويعتقد آخرون أنه اغتيل على فى إطار الصراع على السلطة.
فى 10 فبراير 1986 أعلنت سلطات الحزب الاشتراكى اليمنى فى روايتها الرسمية آنذاك غموض نهاية عبد الفتاح إسماعيل، وأكدت أن المدرعة التى حملته مع على سالم البيض، تعرضت لنيران أحد المواقع التابعة للقوات البحرية واستطاع البيض الخروج من المدرعة، بينما ظل فيها عبد الفتاح إسماعيل، وقد احترقت المدرعة ولم يعثر على أى أثر لجثته.
كرّم فى عهد دولة الوحدة اليمنية ومنح عدة أوسمة بصفته أحد مناضلى الثورة اليمنية فى جنوب الوطن ورفعت صورته إلى جانب صور الملوك والرؤساء المتعاقبين على اليمن بشطريه فى مدخل قصر الرئاسة اليمني.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام