عدد اليسار التذكارى



المفكر والروائى العراقى سلام إبراهيم: الفكر اليسارى أثرى الأدب الإنسانى

14-5-2017 | 18:43
حوار ـ السيد حسين

 
القصة العراقية الحديثة والرواية أسس ملامحها طورها يساريون 
 
عملت سراً مع الحزب الشيوعى وتجربة التشريد غيرت قناعاتى 
 
يؤكد المفكر والروائي العراقي سلام إبراهيم المقيم في الدانمارك حاليا، أن الحزب الشيوعي يعمل وسط مجتمع شائع فيه الفساد زادته الأحزاب الدينية التي أعادت سلطة العشائر وصاغت دستورا ملغوما. كما يري أن الفكر اليساري أثري الأدب العراقي والعربي بوجه عام.
< لم يكن 31 مارس 1934يومًا عاديًا في تاريخ العراق السياسي الحديث، حيث سعى الشاب البروليتاري المكافح يوسف سلمان يوسف (فهد) لإطلاق أول بذرة يسارية تنظيمية من رحم الجنوب العراقي الرازح تحت سياط الإقطاع والأرستقراطية الدينية ومهانة الاستعمار ماذا حدث من وقتها إلي الآن؟
فهد شخصية أسطورية في تاريخ اليسار العراقي، فهو لم يطلق بذرة اليسار، بل كان اليسار قد تبلور فكرياً منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي في بغداد بين أواسط المثقفين كحسين الرحال ومحمود أحمد السيد، وظهور فهد من مدينة الناصرية وهو عامل ثلج بسيط بحركته ونشاطه وذكائه حول تلك الحلقات المتناثرة إلى حزب أعلن عن تأسيسه في 31 مارس 1934، سرعان ما اكتسح الشارع العراقي وقاد الانتفاضات التي هددت السلطة الملكية، وخصوصا انتفاضة 1948 عقب ولادة المنظومة الاشتراكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية والمد اليساري الذي عمَّ العالم، فاعتقل “فهد” في ذلك العام وحكم عليه بالإعدام، فنفذ به واثنان من القادة 1949 ليتحول إلى رمز ويتماهى مع المسيح والحسين في دعوته للحق والعدالة والمساواة ومقاومة الأستعمار، وليذكي نضال الحزب الشيوعي ويمده بالعزيمة المستمرة حتى الآن برغم تقلبات الأوضاع السياسية والأحتلال. 
< اثنان وثمانون عامًا مرت على ميلاد اليسار العراقي الكادح، وما زلنا نراه يتصـدر ساحات الاحتجاج العراقيـة، وفي مقدمتها “ساحة التحرير”، جمهورٌ كهل، يُقاومُ اليأس بزخـمٍ معنـويٍ عـال، وسط خضم الصـراعـات المذهبيـة وإصـرار قوى الإسـلام السياسي الحاكم على تمـزيـق هوية مصيرنا المشترك، فضلًا عن التشظي المجتمعي الغارق في بـرك الطـائفية الآسـنة كيف ترى ذلك؟
أرسى مؤسس الحزب الشيوعي “فهد” تقاليد نضالية ومبادئ وتراثا نظريا ضخما. وبخلاف الأحزاب الشيوعية العربية ركزّ المؤسس على فكرة الوطن والوطنية في كل كتاباته، وحتى في المحكمة العسكرية التي حكمت عليه بالإعدام قال قولته الشهيرة “إنه قبل أن يكون شيوعيا فهو عراقي وطني، وحينما اعتنق الشيوعية صار أكثر حرصا على العراق كوطن.
 وسار الحزب على هذا التقليد برغم المذابح التي تعرض لها على يد حزب البعث في انقلاب 1963، وبرغم ارتكابه العديد من الأخطاء السياسية التاريخية، كالتحالف مع البعث 1973 ودخول مجلس الحكم عقب الاحتلال بشخص سكرتيره “حميد مجيد موسى” ومساهمته بوزيرين في أول حكومة. لكن تقاليد الوطنية مازالت راسخة، ويعد اليوم الحزب الشيوعي القوة السياسية الوحيدة المتشبثة بوحدة العراق ويضم بين صفوفه كل الطوائف والقوميات والأديان، وهذا السبب الجوهري لقيادته حركة الاحتجاجات منذ 2010 إلى الآن.
< عند الحديث عن تأثير الفكر اليساري على الأدب العراقي، هل نستطيع أن نحدد الفترة الزمنية التي بدأ بها هذا التاثر؟ وهل تأثر الأدب العراقي بالفكر اليساري أم الأدب الروسي؟
بخلاف الأدب في الوطن العربي كانت نشأة الأدب الحديث في العراق متداخلة عضوياً مع ولادة اليسار العراقي، فمن أرسى القصة العراقية الحديثة وكتب أول رواية فيها الشروط الفنية للرواية هو “محمود أحمد السيد” في عشرينيات القرن المنصرم، وكان صحفيا نشيطا وداعية يساري نشر الكثير من المقالات المحرضة مدافعا عن الفقراء ومبشرا بالاشتراكية، ليواصل الروائي والقاص غزيز الإنتاج “ذو النون أيوب” الذي كتب عشرات الروايات ومئات القصص بصيغة واقعية اجتماعية انتقادية، وكان يعمل في الحزب الشيوعي حتى أصبح عضوا قيادياً عمل مع “فهد” واختلف معه، والشاعر  محمد مهدي الجواهري الذي كان قريبا جدا من الفكر اليساري وكتب قصيدة من أشهر قصائده “يوم الشهيد” في رثاء أخيه “جعفر” الذي استشهد في مظاهرة في الأربعينيات، الشاعر بدر شاكر السياب مجدد القصيدة العربية كان شيوعياً وشعره بشكل عام مكتوب بروح الإنسانية ومعانقة المسحوقين.
 أما مؤسس الرواية الفنية العراقية الحديثة “غائب طعمة فرمان” فقد كان شيوعيا وعاش معظم حياته في موسكو لاجئاً عقب 1963 وكتب رواياته كلها عن العراق من هناك، وكذلك الروائي فؤاد التكرلي الذي كتب أرفع الروايات الفنية وأعمقها، 
الفكر اليساري لم يثرِ الأدب العراقي فحسب بل أثرى الأدب الإنساني، فكل روايات تولستوي منطلقة من ثيمة المساواة، ويكاد أشهر الكتاب والشعراء وأهمهم مروا بهذا الشكل أو ذاك بالحزب الشيوعي في بلدانهم، غوركي، همنغواي، جون ريد، جون شتنباك، سارتر، البير كامو، كازنتزاكي، نيرودا، أرغون، ناظم حكمت، غائب طعمة فرمان، بدر شاكر السياب، سعدي يوسف، وجيلنا الذي التحق بالثوار في الجبل في ثمانينيات القرن الماضي.
< يري البعض الحزب الشيوعي اليوم هو ليس أكثر من حزب احتجاجي، شأنه شأن أي تنظيم آخر خارج السلطة، وظيفته تنظيم المظاهرات الاحتجاجية للتأليب على السلطة، بحق أو بدونه؟ وفي نفس الوقت يتمتع الحزب بكوادر وكفاءات تنظيمية وثقافية وإعلامية وإدارية نزيهة، مؤهلة لتلعب دوراً بارزاً في المشاركة في حكم العراق وإعماره لو أحسن استخدامها؟
ما يميز الحزب الشيوعي العراقي هو النزاهة وقيادته مناضلين أعرف أغلبهم، كنا معاً في تجربة الكفاح المسلح طوال فترة ثمانينيات القرن الماضي، ويعرف الشعب العراقي جيدا أنهم أنزه الناس، فمن الكبائر لدي الشيوعيين السرقة والفساد. وجُرب اثنان من قادته استوزروا في السنة الأولى لتشكيل وزاري زمن مجلس الحكم ونزاهتهما يضرب بها المثل. الأحزاب الأخرى طائفية مناضلوها تحولوا إلى تجار وضموا في صفوفهم كل البعثيين ورجال زمن الديكتاتور كل في طائفته، وحتى الأكراد أعادوا الاعتبار لما كانوا يسمونهم “الجحوش” وهي القوى الكردية التي كانت تقاتل الثوار.
< ما لم يغيِّر الحزب الشيوعي العراقي نفسه، ويتحول إلى حزب جماهيري بالفعل لا بالقول والتمنيات، ولا يتشبث بأمجاد الماضي، حزب يكسب ثقة الجماهير وينال أصواتهم في الانتخابات. وهذا يتطلب من الحزب التخلي عن الكثير من شعاراته وأهدافه الطوباوية التي لا نصيب لها في التنفيذ على أرض الواقع ما رأيك؟
يعاني الحزب الشيوعي من مشاكل جمة مطلع على العديد منها، فهو منحصر جماهيراً، عجز عن استقطاب الشباب لأسباب شتى، لم يتوسع بقى محصوراً فاضطر إلى إعادة العديد من الأعضاء الذي أسقطهم حزب البعث في حملته القمعية الشهيرة 1978-1979 بعد انفراط عقد الجبهة معه، وهؤلاء المسقطين لديهم شعور بالنقص وكبار السن، وهم يقودون غالبية محليات المدن، العامل الثاني طرق ونمط التفكير الحزبي ظلت هي ما هي عليه وكأن الحزب في خمسينيات القرن الماضي وبرغم الادعاء بالانفتاح والديمقراطية لكنه داخلياً لم يزل على بنيته التنظيمية التي تعود للفترة الستالينية والتقاليد التي أرساها فهد، التعصب الحزبي الذي يتطابق تماما مع تعصب العشيرة العاطفي، والتشبث بالماضي النضالي التليد وكأنهم يضعون دم الشهداء حاجزا أما تجديد الحزب وتغيير بنيته وأهدافه كي يستوعب الوضع الجديد وينتفتح على التغيرات التي حدثت في المجتمع، التغني بسلطة الفرد فسكرتير الحزب الشيوعي “حميد مجيد موسى” الذي ارتكب خطأ عمره بالانضمام إلى مجلس الحكم لا ممثلا للحزب، بل ضمن المكون الشيعي ظل في منصبه سكرتيرا، ولا يزال منذ أكثر من عشرين عاما. وكما قلت لك تربطني علاقة نضالية واجتماعية مع قادة الحزب الحاليين، وأزور مقرهم في بغداد كل عام عند زيارتي للعراق، فتحاورت في جلسة مع عضو مكتبه السياسي د. عدنان عاكف “أبو يسار” وكان رفيقي زمن الثورة في الجبل، وطرحت فكرة تجديد الحزب بانتهاج طريق مختلف أثبت التاريخ صحته وتحويله إلى حزب اشتراكي ديمقراطي إذ بين التاريخ أن نهج هذه الأحزاب هو الأسلم لبناء مجتمع العدالة والمساواة، لاسيما أن هذا الصراع بين التيارين احتدم في الحزب في أربعينيات القرن الماضي وقمعه “فهد” الستاليني بقوة وكتب كراس مشهور “حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية”. فأجابني بأن برنامجهم ديمقراطي لكن الأسم فقط، فقلت لا يكفي أولا تغيير اسم الحزب، وثانيا تبيان خطأ الفترة الساتالينية “فهد” والقول بوضوح بالنهج الجديد، أتعرف ماذا أجاب، رفيقي سلام تريد الحزب يتفلش!. قلت له وأقول لك: سيظل حزبا منحسرا صغيرا شريفا غير فاعل، إذا بقى بهذه التركيبة والعمل والأهداف والعناصر.
< تقول كانت لديك مسافة فكرية مليئة بالشك والحوار مع كل الأيديولوجيات بما فيها الماركسية، وخلال رحلتك مع عالم السياسة والثقافة التي دخلتها مبكرا أواخر ستينيات القرن الماضي تنقلت من ماركسي يساري ثوري يؤمن بالكفاح المسلح على الطريقة الجيفارية بحيث عارضت جبهة الحزب الشيوعي العراقي مع البعث حدثنا عن تلك الفترة؟
في وقت مبكر اختلطت بالوسط الثقافي والسياسي في مدينتي، وأصبحت صديقا لصيقاً لشاعر يساري عراقي جدد في قصيدة العامية العراقية وكان لتوه خارج من سجن الحلة 1968 حيث قضى خمس سنوات، كان جاراً لنا ومن خلال هذه العلاقة والمحيط الذي دخلته تعرفت على طبيعة الصراع السياسي والمجتمعي، وكان الجو يساريا يؤمن بالعنف كطريق لتغيير المجتمع وتنقيته، ومن هنا عرفت تروتسكي وسارتر والأدب الوجودي وكل ما يعارض بنية الأحزاب الشيوعية التقليدية، فيقينا من دعاة فك التحالف مع البعث والإطاحة بهم في ثورة مسلحة لتحقيق المجتمع الاشتراكي، ومن هنا كنت متحمساً وعملت سرا مع الحزب الشيوعي زمن ضربته والتحقت مع زوجتي إلى الثوار في الجبل، ومن خلال تلك التجربة وتجربة التشريد ثم الوصول إلى الدانمارك تغيرت قناعاتي وفلسفتي في الحياة، وبتُ أنشد تحولاً سليماً للمجتمعات نحو المساواة وتقسيم الثروات بعدالة بين ساكنيها عن طريق الثقافة والوعي وسن قوانين تحترم الإنسان ووجوده وتوافر مستلزمات عيشه الكريم.  
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام