عدد اليسار التذكارى



تاريخ أحزاب اليسار فى إيران.. جفاء مع الشارع وصدام مع السلطة!

14-5-2017 | 18:44
أحمد السيوفى

 
سياسة الاغتيالات والتفجيرات أحدثت شرخا بين «مجاهدى خلق» والشعب الإيرانى
 
قتلوا أكثر من 70 شخصا من قيادات الدولة وأصابوا خامنئى بإصابة ما زالت تؤثر على يده اليمنى
 
“معسكر أشرف” أنشأه صدام حسين لـ”مجاهدى خلق “على أرض العراق.. وحكومات ما بعد الغزو الأمريكي أنهت وجوده
 
“فدائيان خلق” ترددت فى اللجوء للعنف ثم أقرته بعد رفض حكومة بازرجان تحقيق مطالبها
 
منذ ظهرت الأفكار الشيوعية فى حقول النفط فى «باكو»، حتى تبلورت فى صورة أحزاب، مرورا بما شهدته من انقسامات واندماجات، لعب اليسار دورا مهما فى التطور السياسى فى إيران سواء خلال حكم الشاه الأب رضا بهلوى، أم الشاه الابن محمد رضا بهلوى، أو إبان اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979. ومع ميل معظم تلك الأحزاب إلى العنف وسياسة الاغتيالات، كان بديهيا أن يتسم تاريخها بالصدام مع السلطة ووجود جفاء بينها وبين الجماهير.
تشير المعلومات أن بروز الأفكار الشيوعية فى إيران، بدأ فى حقول النفط فى باكو قبل ثورة 1917، من خلال آلاف العمال المهاجرين الإيرانيين المستخدمين من قبل النظام القيصرى مع العمال الآذاريين والأرمن. ولعب هؤلاء العمال دورا مهما فى نشوء الحزب الشيوعى، وكان نحو 50 % من عمال باكو من الإيرانيين، ويقال إن عددهم كان 190 ألف عامل (مائة وتسعون ألفاً) وأن هناك 300 ألف عامل إيرانى هاجروا إلى روسيا فى عام واحد، وأن كل هؤلاء المهاجرين كانوا يحملون الأفكار البلشيفية ويعودون بها إلي بلادهم، وفى هذا المناخ تشكل الحزب الشيوعى الإيرانى عام 1920، وبدأ الحزب الشيوعى نضاله ودخل فى صراع مع الأسرة البهلوية بقيادة رضا بهلوى، الذى استولى على السلطة من الفاجاريين عام 1921، وقام الحزب الشيوعى بمظاهرات كثيرة كان أبرزها مظاهرات عام 1920، ورفعوا شعارات مناهضة للملك، مطالبين باستقالة الحكومة واستمرت التظاهرات لمدة ثلاث سنوات، التي كانت عنيفة على الجانبين، وقد أثر قمع السلطة للشيوعية على حالة الحزب الشيوعى الذى أصابته حالة من التردى، وعلى إثر الحرب العالمية الثانية سمحت إيران لقوات الحلفاء بنشر قواتها على الأراضى الإيرانية، فكانت النتيجه أن أجبر الشاه رضا خان، على الاستقالة لصالح ابنه محمد رضا بهلوى، الذى أصبح ملكا لإيران عام 1941م. وكان أول عمل قام به طرد جميع الألمان والإيطاليين من إيران، ثم قام بإطلاق سراح جميع المساجين بما فيهم الشيوعيين، وفى هذه الظروف خرج حزب توده من رحم الحزب الشيوعى، وقد أدى موقف السلطة إلى حدوث تحول فى حزب توده الذى انقلب 180 درجة، كما فعل ستالين القدوة لهم بمساندة الحلفاء ضد ألمانيا، وبدون أى تفسير أسقط الحزب عداوته لبريطانيا التى كانت ركيزة أساسية له، وتبنى دعما كاملا للحلفاء الديمقراطيين ضد ألمانيا.
ثانيا: حزب توده
ظهر حزب توده إلى الوجود من رحم الحزب الشيوعي الإيراني، فى الثانى من أكتوبر 1941، وانعقد مؤتمره الأول فى 9 أكتوبر1942.
حيث قامت كوادر الحزب الشيوعي بقيادة سليمان محسن إسكندري، بتأسيس الحزب. وكان سليمان من أشد المؤيدين لمحمد مصدق، ومن مقاومي النفوذ الأمريكي وكانت لهذه المجموعة رؤية اقتصادية تتعلق برفض اليمين الرأسمالية. كما ترفض منح امتيازات النفط للشركات الغربية مثلما فعل الشاه في حقول النفط الإيرانية، وظل الحزب يناضل علي الساحة الإيرانية حتي نجح في إقامة جمهورية مستقلة في أذربيجان في أيام 1945، بمساعدة الاتحاد السوفيتي. واستطاع الشاه القضاء علي هذه الجمهورية المتمردة بعد عام واحد فقط، وبعد هذه الضربة التي وجهها الشاه لحزب توده، قرر الحزب تجميد نشاطه لمدة 25عاما، ثم جاء ليعاود نشاطه من جديد قبل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وكانت علاقة حزب توده بآية الله الخوميني علاقه جيدة، لأن الإمام الخوميني كان يقف بقوه ضد الهيمنة الأمريكية وكانت معركة حزب توده الرئيسية ضد الأمريكان، وكان الاتحاد السوفيتي يرعاه رعاية كاملة.
وما إن خفت صدمة الاحتلال السوفيتى لأفغانستان، حتى بدأ حزب توده فى مساعدة الماركسية داخل قيادات الطلاب المناضلين فى السفارة الأمريكية، لشن هجوم منظم لتشويه صورة أعوان الخومينى وتم تحديد بعض الشخصيات مثل قطب زاده وبازرجان وبنى الصدر، باعتبارهم عناصر معادية للسوفيت ولهم ميول تجاه الولايات المتحدة، حيث بادر هؤلاء بالبحث عن حل سلمى لأزمة الرهائن، الأمر الذى مكن حزب توده من توثيق اتهامه لهم.
المعروف على الساحة الإيرانية أن حزب توده لم يكن له دور يذكر فى الثورة الإيرانية التى اندلعت ضد الشاه، حيث إن الحزب عجز أن يكون له تنظيم قوى حتى عام 1978، حتى إن أحد قادة توده قال إن قادة الحزب كانوا يتمتعون بالأمان فى منفاهم بالاتحاد السوفيتى أو دول أوروبا الشرقية، فى حين كان المجاهدون وفدائيان يواجهون فرق الإعدام من السافاك وغرف التعذيب.وبدأ الحزب يلجأ إلى تشكيل عصابات مسلحة يمكن أن تكون رادعة فى حال اشتداد الصراع مع النظام، فى أعقاب عزل بنى الصدر فى 24 يونيو 1981، وحدث صراع عنيف بين الحزب والسلطة وأعدمت السلطة عددا من قيادات الحزب عام 1988. وما زال الصراع قائما وأغلب قيادات الحزب يعملون خارج إيران.
ثالثا:  مجاهدى خلق
من أكثر المنظمات اليسارية الإيرانية التى لعبت دورا عنيفا ضد نظام الشاه ونظام الجمهورية الإسلامية، حيث تشكل تنظيم سازمان مجاهدى خلق (منظمة مناضلى الشعب بالترجمة العربية)  عام 1965، على أيدى مثقفين إيرانيين وأكاديميين، بهدف إسقاط نظام الشاه والذين لعبوا دورا مهما بالفعل فى الثورة ضد الشاه. وخصوصا بعد أن أعدم الشاه عددا من قيادات المنظمة ومؤسسيها، وتعتبر منظمة “مجاهدى خلق” جزءاً من ائتلاف واسع شامل يسمى المجلس الوطنى للمقاومة الإيرانية، يعمل كبرلمان فى المنفى ويضم خمس منظمات وأحزاباً و550 شخصية من الشخصيات السياسية الثقافية والاجتماعية والفنانين والمثقفين.
تأسست المنظمة عام 1965، بقيادة محمد حنيف نجاد، وحسين محسن، وعلى أصغر بديع زاركان، باعتبارها منظمة مسلمة ثورية وطنية وديمقراطية، وكان هؤلاء الثلاثة المؤسسون من خريجى الجامعات وناشطين تأثروا بتجربة محمد مصدق، ثم أصبحوا أعضاء فى حركة التحرير بزعامة آيت الله السيد محمد طلقانى، والمهندس مهدى بازرجان، وطبقا لما هو وارد على موقع مجاهدى خلق على الإنترنت، فإن أيديولوجية هذه المنظمة هى أنها ترتكز على الإسلام كأيديولوجية ديمقراطية ذات ديناميكية استنادا إلى التراث والسنة المطهرة للنبى الأكرم والأئمة الأطهار عليهم السلام، معتبرين أن الإدراك والاستيعاب الموضوعى للإسلام من الالتزام بقاعدتين مقدستين، هما الفداء والتضحية لتحقيق الحرية فى المجتمع لرفع الاضطهاد والظلم والقمع عن المجتمع والنضال ضد الديكتاتورية الحاكمة.
وفى عام 1972، أعدم الشاه مؤسسى المنظمة مع عدد من أعضاء لجنتها المركزية، بعد أن قاموا بمرافعات أمام محاكم الشاه للدفاع عن الإسلام والحريات، وقد حاولت المنظمة أن تنخرط وسط الجماهير وتجند العشرات والمئات من المواطنين، وكان لهم زخم كبير فى المظاهرات وخصوصا فى عاشوراء ضد الشاه، وشاركوا أيضا فى الثورة على الشاه عام 1979، وبعد قيام الثورة الإيرانية ظل مجاهدى خلق ينعمون بالحرية والديمقراطية على حد وصفهم، ثم وقع صدام مع السلطة الجديدة بقيادة الإمام الخومينى، حيث اتهموا السلطة أنها تقمع مظاهراتهم وفاعلياتهم، فاتجهت المنظمة إلي تفعيل الميليشيات العسكرية عام 1981، أى بعد مرور عامين على اندلاع الثورة، وبعد مرور أقل من عام على تشكيل مسعود رجوى فى يوليو 1980، للمجلس الوطنى للمقاومة، والدعوة إلي الانضمام إليه، وانفجر الصراع بعد رفض رجوى تسليم أسلحتهم للدولة بعد طلب الإمام الخومينى ذلك. واستطاع رجوى مع الرئيس الإيرانى أبو الحسن بنى صدر، بعد إقصائه من السلطة، من السيطرة على إحدى الطائرات والتوجه بها إلي باريس. ومنذ تلك اللحظة بدأ الصراع بين الطرفين يتسع ويتخذ بعدا دوليا، ونجحت المنظمة فى توجيه عمليات اغتيالات طالت كبار الشخصيات الدينية والسياسية، منها تفجير الحزب الجمهورى وقتل أكثر من 70 من قيادات الدولة والحزب ورجال الدين على رأسهم الرئيس محمد رجائى. كما أصيب فيه السيد على خامنئى بإصابة شديدة فى يده اليمنى التى مازال يجد صعوبة فى استخدامها حتى الآن. كما قامت المنظمة بعمليات اغتيالات وتفجيرات كثيرة كان ضحاياها عدداً كبيراً من الشعب الإيرانى. وقد تسببت هذه العمليات فى إيجاد شرخ كبير بين المنظمة والشعب الإيرانى بسبب هذه العمليات المرعبة.
وما زالت المنظمة تمارس نشاطها السياسى والعسكرى من خارج إيران، وكان “معسكر أشرف” هو أكبر قاعدة عسكرية للحركة أنشأها صدام حسين، لهم داخل الأراضى العراقية وقامت هذه الحركة بكثير من العمليات على الحدود بواسطة هذا المعسكر. غير أن الأوضاع تغيرت بعد الغزو الأمريكي للعراق، حيث إن الحكومات الجديدة التى تربطها بايران علاقات متميزة وتحالفات،أوقفت نشاط هذا المعسكر ولولا ضغوط غربية لتم طرده من العراق تماما، خصوصا بعد أن أعلن الغرب أن “مجاهدى خلق “منظمة إرهابية. ثم تراجعت أمريكا والدول الغربية عن ذلك الوصف لتستخدم الجماعة كورقة للضغط على الحكومة الإيرانية.
رابعا: فدائيان خلق
أى بمعنى فدائيو الشعب – وتعتبر الحركة الأكثر ماركسية ولكنها أقل عنفا من مجاهدى خلق.
تربت الحركة على كتاب “الكفاح المسلح التكتيك والإستراتيجية”، الذى ألفه مسعود أحمد زاده وأقرته الحركة فى الستينيات، وطبقة بهجوم على الجيش العام وأوقعوا العديد من القتلى فى عام 1966، وهذا الأمر الذى دفع عدداً من قيادات الحركة بالاحتجاج على هذه الممارسات العنيفة التى تزهق الأرواح ولا تغير النظام، وأن الأمر يحتاج إلي رؤية جديدة يمكن أن تغير النظام وتقضى على التغول الرأسمالى والبرجوازى.ولهذا أعلنت الحركة فى إبريل عام 1979، عزل أحد قيادى الحركة أشرف دهقانى من الحركة ومن قيادتها، وعندما جاء استفتاء إبريل الذى تجاوزت نسبة الموافقة فيه على إسلامية الدولة اكثر من 90 %. فإن فدائيان خلق كانت من الحركات الرافضة لأسلمة الدولة، وطلبت الحركة آنذاك من حكومة بازرجان منح امتيازات للطبقة العاملة. إلا أن الحكومة رفضت مطالبهم، مما أدى إلي التعجيل بالصدام بين الطرفين واعتبرت الحركة أن الكفاح المسلح أصبح مشروعا لسببين أولهما إعداد الجماهير للدفاع عن الثورة، والآخر الحيلولة دون تدخل القوى الإمبريالية عسكريا فى إيران. وكان دهقانى لا يزال غير مؤمن بممارسة الكفاح المسلح ضد الخومينى فركز هجومه على قيادات الحركة وعلى حزب توده. إلا أن لغته الضعيفه لم تقنع كوادر الحركة ولم تحذ حذوه مجموعات قليلة جدا وأخذت ترى أنها التنظيم الشيوعى الحقيقى الوحيد وفى عام 1981، أعلنت الحركة الكفاح المسلح ضد النظام، غير أن احتلال السفارة الأمريكية فى طهران قلل من مساحة التطرف والصراع بين الطرفين الحركة والسلطة مؤقتا.ولم تكن الحركة على علم مسبق باحتلال السفارة أو احتجاز الرهائن، ولم تشارك فى هذه العملية غير أنها كانت تطالب بمحاكمة الرهائن وكانت ترفض أى فكرة لإيجاد حل سلمى للأزمة، وحينما استمرت الأزمة إلي الربيع ثم الصيف وجدت حركة فدائيان نفسها أول المستهدفين فيما عرف بالثورة الثقافية، وحينئذ أدى الانشقاق الفكرى القضايا السياسية والداخلية والخارجية الكبرى إلي تمزيق الحركة إلى عدة أحزاب ومن ثم حدث تشظى وتشرذم للحركة، مما أفقدها الكثير من فعاليتها.
خامسا: الأفكار اليسارية داخل النظام الإسلامى
هناك كثير من الإيرانيين يرون أن المفكر الإيرانى الكبير على شريعتى، والرجل الوطنى الدكتور محمد مصدق، هما النموذجان الوطنيان والإسلاميان لبذر بذور ما يسمى باليسار الإسلامى، حيث إن كتابات شريعتى فى أغلبها تنتصر للفقراء وتحث على العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الفقراء. كما إن تجربة مصدق فى مواجهة الاستنزاف الأمريكى والغرب الرأسمالى لمقدرات ايران هى خطوة فى اتجاه اليسار الوطنى الرافض للتبعية الأمريكية والغربية والرافض للاستغلال الامريكى لحقول النفط الوطنى، وهى ثروات الشعب الإيرانى وخصوصا المستضعفين الذين عادة ما يدفعون الثمن.
وبهذا يتضح لنا أن اليمين واليسار داخل المنظومة الإسلامية يحملونا رفضا لسياسات الولايات المتحدة الساعية إلى الهيمنة وتفضيل للعلاقة مع الاتحاد السوفيتى أو روسيا من منظور مصالح الجمهورية الإسلامية. وهذا ما يصنع الفرق بين اليسار التقليدى بأجنحته الاشتراكى والشيوعى والماركسى وبين اليسار الإسلامى. 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام