عدد اليسار التذكارى



اليسار العراقى.. بداية قوية وانتشار سريع .. ثم تراجع لافت للنظر وانحسار كبير

14-5-2017 | 18:40
محسن عوض الله

 
ساندوا عبد الكريم قاسم ضد الانقلاب .. فخشى قوتهم وأمر باعتقالهم
 
الخلافات مع البعث تقود اليساريين للحظر السياسى نهاية السبعينيات 
 
الخلافات مع البعث تقود اليساريين للحظر السياسى نهاية السبعينيات 
 
منتظر ناصر: انتشار الفساد فرصة لعودة اليسار للمشهد ولكنهم لا يملكون مقومات الوصول للسلطة 
 
البعث اعتبرهم فلول قاسم وقتل منهم  5000 شخص
 
"انحسار وضعف بعد انتشار وقوة "جملة تعبر بشكل كبير عن تطور حال القوى اليسارية داخل المجتمع العراقى. لعب اليساريون فى العراق دورا كبيرا فى الحياة الاجتماعية منذ تأسيس العراق الحديث فى  العام 1921، وكان للتيار اليسارى دور كبير فى الانتفاضات الشعبية التى حصلت فى عام 1948، وقدموا عشرات بل مئات الشهداء، وأثبت الشيوعيون وقتها دلالات على قدرة فعلية بحشد المواطنين للتظاهر والرفض لسياسة التبعية لبريطانيا.
وكانت الأفكار الماركسية قد دخلت إلى العراق فى العقد الثانى من القرن العشرين، على يد عدد من المثقفين الذين تأثروا بالأفكار الماركسية والاتحاد السوفيتي، وجلبوا عددا من الكتب الماركسية من سوريا، وبلدان أخرى، وانكبوا على دراستها وتداولها بين عدد محدود من الأشخاص فى بادئ الأمر خوفا من اكتشاف السلطة لهم.
وتلا ذلك صدور مجلة علنية باسم "الصحيفة" كانت تصدر مرتين فى الشهر، صدر العدد الأول منها فى 28 سبتمبر 1924، عالجت المجلة أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ولم تدم طويلاً وبادرت السلطة الحاكمة إلى غلقها بسبب توجهاتها الماركسية.
وفى عام 1927، تشكلت المجموعة الماركسية الأولى فى البصرة وبعدها تكونت خلية أخرى فى الناصرية أصدرت منشوراً شيوعياً بعنوان "يا عمال وفلاحى البلاد العربية اتحدوا" موقعا باسم الحزب الشيوعى العراقى ووزع فى الناصرية فى ديسمبر 1932.
فى 1934، انعقد فى بغداد اجتماع تأسيسى حضره شيوعيون من مختلف أنحاء العراق، وأعلنوا توحيد منظماتهم فى تنظيم مركزى واحد باسم (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) الذى تغير اسمه فيما بعد إلى الحزب الشيوعى العراقى حيث اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان اسم الحزب الشيوعى العراقى بدلاً من الاسم السابق فى عام 1935.
قوة وانكسار 
كان للحزب الشيوعى دور بارز فى دعم ثورة عبد الكريم قاسم عام 1958، وبحلول 1959، أصبح للحزب قاعدة جماهيرية يقدر عددها بأكثر من مليونى عضو، مما أوجس خيفة فى قلب الزعيم عبد الكريم قاسم، خصوصاً بعد أن قامت جحافل محسوبة على الشيوعيين بارتكاب المجازر المعروفة فى العراق باسم (مجازر كركوك والموصل) إثر محاولة ضباط فى الجيش محاولة انقلاب لم تنجح، لشعبية عبد الكريم قاسم ومساندة جموع الشيوعيين له، ولكن عبد الكريم توجس خيفة من نفوذ الشيوعيين المتزايد مما حدا به إلى قمعهم وزج الكثير منهم فى السجون.
وسقط عبد الكريم قاسم، فى انقلاب قادة حزب البعث فى 1963، وعندما حدث الانقلاب كان عدد المنتمين للحزب الشيوعى أقل بكثير من عام 1959، وأصبحوا هدفاً للبعثيين الذى ربطوا اسم الحزب الشيوعى مع عهد عبد الكريم قاسم، مع مجازر كركوك والموصل فوجه ضربة شديدة إلى الحزب، وقاموا فى عام 1963 بحملة منظمة لقتل الشيوعيين راح ضحيتها ما يقارب 5000 شيوعى.
فى يوليو من عام 1973، انضم الحزب الشيوعى إلى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية جنباً إلى جنب مع حزب البعث، ولكن الخلافات بدأت تطفو على السطح تدريجياً بسبب ميل حزب البعث إلى الانفراد بالسلطة إلى أن تم حل الجبهة الوطنية عام 1979، وأصبح الحزب الشيوعى حزبا محظورا.
الاحتلال الأمريكى
على الرغم من معارضة الحزب للغزو الأمريكي، فإن الحزب شارك فى العملية السياسية حيث أصبح سكرتير الحزب حميد مجيد موسى، عضوا فى مجلس الحكم فى العراق وشارك الحزب فى الانتخابات العراقية تحت اسم "اتحاد الشعب" ودخل الانتخابات الثانية مع القائمة العراقية الوطنية. 
ويرى الكاتب الصحفى العراقى منتظر ناصر، أن اليسار العراقى بعدما نجح فى تأسيس تيار سياسى وثقافى واسع إبان العقد الثانى من عمر الدولة العراقية الحديثة، وتمكن من الهيمنة على رموز الثقافة والأدب والفن، مستفيدا من شعبية شعاراته التى رفعها بالدفاع عن الفلاحين والكادحين ضد الإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال، تراجع تدريجيا بشكل كبير فى العقود الماضية بسبب تراكم الأخطاء، وبروز عدد من المتغيرات السياسية.
وقال ناصر فى تصريحات خاصة لـ"الأهرام العربى" إنه يحسب لليسار العراقى نقده المبكر والحاد لقيم وثقافة المجتمع السائدة، ودخوله فى صدامات حقيقية مع البنية الكلاسيكية له، ومواجهات محتدمة مع ما بات يعرف بمصادر التخلف و"الرجعية".
ولفت رئيس تحرير جريدة العالم الجديد العراقية النظر إلى أن ظهور عيوب اليسار العديدة أدى إلى ضياع شعبيته، وتحوله إلى نخبة مقهورة وضعيفة.
مشيرا أن من تلك العيوب إصرار اليسار على إقحام الأفكار الجاهزة المتعارضة مع التقاليد المتجذرة والراسخة، فى مرحلة عاشت فيها الدولة مرحلة انتقالية خطيرة، رافقت تعزيز بناء الدولة التى يقودها القوميون، وتعاظم مواردها المالية (بسبب النفط)، ودخوله (أى اليسار) فى صراع فكرى كبير مع بروز عدو جديد، وهو "الإسلام السياسي" الذى أطل برأسه فى النصف الثانى من القرن الماضي، وقد تمكن القوميون من استغلال ذلك أبشع استغلال، من أجل الانقضاض على غريمهم التقليدى (الشيوعيين)، الأمر الذى أثّر على مساحة قبوله داخل شرائح المجتمع، وشتت جمهوره الذين تقلصوا بشكل كبير.
اليسار ودعم الاستبداد
بالإضافة إلى تبنيه فى تلك المرحلة الحساسة للفكر الشمولي، ووقوفه ضد النهج الديمقراطى واعتناقه مبدأ عزل الأحزاب المنافسة، الأمر الذى قاده إلى صراعات دموية.
وأشار الكاتب العراقى إلى أنه بعد سيطرة الفكر والحزب الواحد على الدولة بالحديد والنار، وطرد الأفكار الأخرى من البلاد فى سبعينيات القرن الماضي، وجد الحزب الشيوعى العراقى الذى يعتبر نفسه الممثل الشرعى لليسار العراقي، نفسه فى الشتات، وظل جمهوره مغلوبا على أمره طوال ثلاثة عقود، فإنه عاد للالتحام بقيادته عقب سقوط النظام السابق فى 2003، لكن أهم ما لوحظ عليه هو أن الأعم الأغلب من مؤيديه من كبار السن، وأن الحزب يعانى من انقطاع حقيقى فى تواصل الأجيال، ما تطلب إعادة بناء لقواعده التى فشل باستثمارها فى خمس دورات انتخابية لاحقة، فيما اقتصر نجاحه على تغاضى جماهير الأحزاب الإسلامية عن انتشار مقراته صغيرة الحجم والمتشحة بلافتات حمراء لا تتجاوز الثلاثة أمتار داخل المدن والضواحى والقرى فى بغداد والمحافظات الأخرى.
وحول توقعاته لمستقبل اليسار فى العراق أكد ناصر أن قوى اليسار لم تكن فاعلة بما فيه الكفاية فى بعد سقوط صدام، إلا أن شيوع الفساد ورسوخ الطبقة السياسية الفاسدة، وزيادة الرفض الشعبى، ونجاحها باستثماره، وانحسار الإرهاب، عوامل قد تؤدى لتأهيلها فى المرحلة المقبلة لتكون أكثر فاعلية فى الشارع، غير أن ذلك لن يمكّنها من الإمساك بالسلطة أو التأثير فيها على المدى القريب بسبب حجمها المحدود.
سياسة الانغلاق
ويرى فادى عاكوم، الباحث اليسارى اللبنانى أن اليساريون قدموا دورا كبيرا فى الحياة الاجتماعية منذ تأسيس العراق الحديث فى  العام 1921، فإن الانتشار كان على حساب معاداة الغرب وقيمه التى كان يحاول نشرها بشتى الوسائل، وبدا من الواضح أن معاداة الغرب هذه لم تجلب إلى العراق والمنطقة إلا المزيد من الانغلاق والتقوقع الذى أنتج الأحزاب الاستبدادية تحت ستارة الحماية من الأفكار الغربية الرائجة آنذاك.
 وقال عاكوم لـ"الأهرام العربي" يؤخذ على التيار اليسارى فى العراق عدم التجدد والسير إلى الأمام أو على الأقل مجاراة واقع العولمة التى تجتاح العالم، وعدم التعاطى السياسى الجدى مع الملفات الحساسة، مما سمح للأفكار الرافضة لأى تيار علمانى بالانتشار، وظهرت التيارات الدينية المتشددة، بالتزامن مع التيارات القومية للأكراد والآشوريين والسريان، فبات العراق تحت رحمة هذه التوجهات العرقية والدينية - المتطرفة، وبقى بعض فلول اليسار فى مراحل تنظيرية، بل تخبط بعضهم بين اليسار والشيوعية وبين الليبرالية والليبرالية التقدمية والتقدمية نفسها، فضاعت التوجهات والأفكار وضاع معها الانتشار فى المجتمع والتأثير فى الشارع.
التبعية للتطرف 
وأشار الباحث اللبنانى إلى أن الحالة المزرية التى وصل لها اليسار العراقي، ترجع لكون المنظرين وقادة الحركات اليسارية ناموا على الحرير، وظنوا أن أمجاد الماضى كفيلة وحدها لإستمرار البقاء، وظلوا يفكرون بأسلوب الاتحاد السوفيتى الذى نفض عباءته الخاصة وظلوا هم أنفسهم يتعلقون بها دون تقديم أى حلول واقعية للأحوال التى تمر بها المنطقة، خصوصا أن الأزمة موحدة شاملة، والتفكك لم يقتصر على التفكك الداخلى فقط، بل كان شاملا لكل الأطراف اليسارية فى المنطقة العربية، وخير مثال الحرية النسبية التى تمتعت بها الأحزاب اليسارية والشيوعية فى لبنان، فالمجال كان مفتوحا أمامهم للاستمرار بالحالة الذهبية التى وصلوا إليها، فإن البقاء بالزمن الماضى أعادهم إلى الوراء، وفرضوا على أنفسهم حالة من التبعية لتيارات سياسية دينية متطرفة لا تمت بصلة لأى فكر تقدمى أو يساري، وكأن الهدف من وجودهم هو فقط رفع الأعلام الحمراء وبعض المهرجانات الرنانة فقط.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام