عدد اليسار التذكارى



مجنون.. أهوج.. كافر ومستغل.. اغتيال اليسارى على شاشة السينما!

14-5-2017 | 18:32
ماهر زهدى

 
الهجوم الصريح على اليساريين وتشويهم بدأ خلال حقبة السبعينيات وفيلم «الكرنك» الأكثر فجاجة
 
كمال الشيخ أظهره كشخص انتهازى فى «اللص والكلاب» و«ميرامار»
 
حرصت السينما المصرية على تقديم معالجات سينمائية تحمل الفكر اليسارى، سواء بشكل أيديولوجي يحمل فكرا منهجيا مقصودا أحيانا، أو عن دون قصد، عبر تقديم العديد من الأعمال التي رصدت الكثير من قضايا الواقع، وتعرض المجتمع للقهر والظلم، عبر مراحل وأنظمة عديدة ومختلفة، فجاءت هذه الأعمال كرد فعل لما عانى منه المواطن المصرى، غير أنه من المفارقات المثيرة للدهشة والعجب معا، أن تهتم السينما المصرية، في بعض مراحلها، بشخصية النصاب والمحتال، بل القاتل والفاسد، وتقدمه في صورة البطل الشعبى الذي يثير الإعجاب ويكون مدعاة للفخر، في الوقت الذي قدمت فيه الكثير من الأعمال السينمائية، وبعض الأعمال التليفزيونية، شخصية اليساري على اعتبار أنه شخص "مجنون" متهور أو أهوج، دائم الاعتراض، بسبب ودون سبب، على نظام الحكم لمجرد المعارضة، يمتلك صوتا أجش محشرجا، ربما بسبب تعاطيه المخدرات والخمر، صوته لا يرتفع إلا للهتاف في المظاهرات، متحرر اجتماعيا من كل القيم الأخلاقية والدينية، وأحيانا يتم اتهامه صراحة بأنه "شيوعي كافر" وفي أعمال أخرى صورته على أنه مدع وشخصية مستغلة للآخرين، ليست له مبادئ، ومعارضته للنظام من أجل الشهرة فقط، أو للحصول على ما يريد من مصالح شخصية.
حاول المخرج كمال الشيخ إظهار صورة اليساري أو الاشتراكي في أسوأ صورة يمكن أن يقدمها، سواء من خلال فيلم "اللص والكلاب"، الذي لم يكتف بتقديم إدانة واضحة له، بل حاول إظهاره في صورة الانتهازي الذي يمكن أن يبيع كل شيء حتى مبادئه وأخلاقه، وهو ما كرره أيضا في فيلم "ميرامار" 1969، عبر شخصية "سرحان البحيري" عضو الاتحاد الاشتراكي، بنفس الصورة الأحادية، بل مؤكد أنه سبب رئيسي في فساد المجتمع. 
عكس المخرج صلاح أبو سيف الذي قدم من خلال فيلم "لا وقت للحب" 1963، للكاتب يوسف إدريس، قصة البطل المصري "حمزة البسيوني"، أحد أبطال اليسار المصري الذين شاركوا في التنظيمات السرية لمحاربة الاحتلال البريطاني في أربعينيات القرن الماضي، وتضحياته من أجل حرية الوطن، وإن كان بعض النقاد قد أخذ على أبو سيف اختيار الفنان رشدي أباظة، ذي الملامح الأوروبية، ليلعب دور البطل الأسمر "حمزة" ابن قرية "نوسة الغيط" بمركز أجا في الدقهلية، وكأنه من المشين أن يمثل دور حمزة، رجل يشبه البطل الحقيقي، وربما استشعر أبو سيف هذا الخطأ فحرص على أن يتداركه في لقائه مجددا مع نجيب محفوظ عبر رواية "القاهرة الجديدة" أو فيلم "القاهرة 30" عام 1966، باختياره الوجه الجديد عبد العزيز مكيوي، ليقدم شخصية المناضل اليساري "علي طه"، الذي مثل حالة النقاء الوحيدة في العمل، بل الذي يدفع ثمن أخطاء الجميع.
بدأ الهجوم الصريح المباشر على اليساريين وتشويه صورتهم في السينما، بدأ خلال حقبة السبعينيات، ليس فقط من أجل تسفيه مبادئه السياسية وتقديم مبادئ مضادة، لكن فقط من أجل التشوية الشخصي لليساري، دون التفرقة إذا ما كان يساريا أو ناصريا أو شيوعيا، وربما دون موضوع سياسي في العمل الفني يستدعى التنويه إلى ذلك، فتتم الإشارة إليه فقط على اعتبار أنه شخص مضطرب نفسيا، منبوذ من كل من حوله، بسبب عدم نظافته الشخصية، وملابسه الرثة، ما اعتبره بعض من الأجيال السينمائية المتعاقبة صورة "نمطية" لليساري على الشاشة، فقدم ممدوح الليثى من إنتاجه فيلم "الكرنك" عام 1975، الذى كتب له السيناريو والحوار عن قصة نجيب محفوظ، وإخراج على بدرخان، متعمدا تشويه الحقبة الناصرية سياسيا واجتماعيا، كما قدم شخصية اليسارى من خلال "حلمى" الشاب الجامعي المنتمي لليسار، وعبر السيناريو والحوار الذى كتبه الليثى يدين اليسار، مؤكدا تناقضات السلطة خلال فترة الحكم الناصري التي ترفع شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، لكنها تتصرف على النقيض منها تماما، في الوقت الذي يقيم هذا الشاب علاقة غير شرعية مع صاحبة المقهى "قرنفلة" ليبدو في الوقت نفسه انتهازيا بلا مبادئ!
ربما كان فيلم "الكرنك" النموذج الأكثر فجاجة، خلال حقبة السبعينيات، غير أنه لم يكن الوحيد، فقدم خلال هذه الفترة عدداً كبيراً من الأفلام التي تناولت شخصية اليسارى أو الشيوعى أو حتى الناصرى، دون التفرقة بينهم، لتظهره كشخص أصبح خارج التاريخ والجغرافيا، منبوذا من كل المجتمع، خصوصاً بعد تعمد تقديمه في صورة "الملحد" الكافر، الذي يحاول نشر أفكاره الملحدة في المجتمع، بل بالغ البعض في تقديمه في صورة كاريكاتورية هزلية، وهى الصورة التي انتقلت بالتبعية من السبعينيات إلى الثمانينيات، فكتب الكاتب أحمد رجب قصة فيلم "فوزية البرجوازية" 1985، الذى كتب له السيناريو والحوار عاطف بشاى، وأخرجه إبراهيم الشقنقيري، إذ أظهر الفيلم، في إطار كوميدى ساخر، اليسارى كاتب الروايات "المتقعرة"، وزوجته اليسارية الشاعرة "المدعية" باعتبارهما انتهازيين يستغلان جهل من حولهما في التحكم بهما واستغلالهما، وهو النموذج الذي تم تكراره في العديد من الأفلام، بتنويعات أخرى، مثلما قدمه المؤلف يوسف معاطي بصورة كاريكاتورية ساخرة في فيلم "الثلاثة يشتغلونها" إخراج على إدريس، والأمر نفسه تكرر مع المؤلف بلال فضل في فيلم "الرجل الغامض بسلامته" إخراج محسن أحمد.
وبرغم نشأة الفنان عادل إمام في أسرة بسيطة من الطبقة المتوسطة، أكثر الطبقات التي استفادت من النظام الاشتراكي، حيث نال تعليمه منذ المرحلة الابتدائية، وحتى تخرجه في كلية الزراعة جامعة القاهرة، مجانا، فضلا عن بدايته كممثل التي جاءت من خلال "مسرح التليفزيون" الذي أنشأه النظام الاشتراكي للدولة، وحقق من خلاله نجوميته المبكرة، مثل كل جيله، إلا أنه كان أكثر نجوم جيله، وربما الوحيد من بينهم، الذي راح يشن هجوما ضاريا، ليس فقط على اليسار واليساريين، بل على المبادئ الاشتراكية، بما فيها "مجانية التعليم، والقطاع العام، والعدالة الاجتماعية" وحاول، حب الجماهير له، أن يكرس في أفلامه، منذ صعود نجمه، مفهوم البطل "النصاب والفهلوى" الذي يمكن أن يحقق الثروة والنفوذ بسطوة "الذراع" برغم أنه لم يكن يملك مؤهلات "البطل" القوى مفتول العضلات، مثل "رجب فوق صفيح ساخن، المحفظة معايا، الجحيم، شعبان تحت الصفر، غاوى مشاكل، على باب الوزير، عصابة حمادة وتوتو، المتسول، الهلفوت، حنفى الأبهة، مسجل خطر، طيور الظلام، مرجان أحمد مرجان، وبوبوس" وغيرها.
 وربما كان النموذج الأكثر فجاجة جاء من خلال فيلمه "السفارة فى العمارة"،  الذي كتبه يوسف معاطى، وأخرجه عمرو عرفة، والذى جسد بطولته الفنان عادل إمام والفنانة داليا البحيري.
لم يكتف عادل إمام ويوسف معاطي بتقديم تلك الصورة من خلال السينما، بل ذهبا بها أيضا إلى الدراما التليفزيونية، من خلال مسلسل "أستاذ ورئيس قسم" 2015، الذي كررا فيه نفس الصورة المشوهة لليساري، سواء كان أستاذا جامعيا، أم حتى من أبناء الطبقة الدنيا، لا فرق بينهما في الأفكار والمفاهيم، وبالتالي في العادات والتقاليد المشوهة، ليحول اليساريين من أصحاب فكر ومبادئ كانت سببا في نهضة حقيقية في كل المجالات خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات، كما ظهرت بشكل واضح، وحملت الجماهير شعاراتهم فوق اللافتات خلال ثورة 25 يناير 2011، ليحولهم كل من يوسف معاطي وعادل إمام إلى نماذج انتهازية مستغلة فاشلة، يسعون طوال الوقت إلى الرذيلة، بعكس ما فعله وحيد حامد مع عادل إمام نفسه من خلال فيلم "طيور الظلام" للمخرج شريف عرفة، الذي قدم اليساري الناصرى، في صورة متوازنة، محافظا على مبادئه، قابضا على جمر الحياة، برغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام