رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
عدد اليسار التذكارى
سينما اليسار.. «الحاضر الغائب» بين «رغبات السبعينيات» وتغييب «الألفية الثالثة»
14-5-2017
|
18:25
ماهر زهدى
"أفلام الطبقة الوسطى" تتوه وسط زحام سينما المقاولات الموسمية
"لاشين" تنبأ بثورة يوليو قبل قيامها بـ 14 عاما.. و"السوق السوداء" يفضح أثرياء الحرب
وشاية أنور وجدى تتسبب فى منع عرض " الأسطى حسن" لفريد شوقى برغم أنه يروج لأفكار يسارية
كمال سليم أول من انتقل بكاميرات السينما من حياة القصور إلى تفاصيل الحارة الشعبية فى فيلم "العزيمة"
عندما قرر رائد ومؤسس السينما المصرية الأول المخرج الراحل محمد بيومي، أن يقدم تجربته في السينما الروائية، قام بكتابة وإخراج وتصوير فيلمه الصامت "برسوم يبحث عن وظيفة" في العام 1923، بطولة بشارة واكيم، وعادل حميد، وأنفق على صنعه آنذاك ما يقرب من المائة جنيه، ليشبع من خلاله تلك الرغبة المحمومة بداخله لصنع "سينماتوغراف" مصري، ذلك الفن الذي عشقه، غير أنه حرص في الوقت نفسه على أن يختلف محتواه الفني عما قدمه "الأخوان لوميير" من تجارب سينمائية، ليكون أول فيلم روائي قصير يصوره، ويخرجه ويكتب له السيناريو ويحمضه وينتجه ويطبعه مصري، بل يتناول من خلاله، قضايا وهموما مصرية خالصة.
برغم أن السينما المصرية كانت لا تزال في مهدها في ذلك الوقت المبكر من القرن العشرين، لا تحكمها أيديولوجيات أو توجهات، فإن الرائد محمد بيومي حرص على أن يقدم رؤية يسارية إلى حد كبير من خلال الفيلم.
تلك الرؤية بدت أكثر وضوحا منذ بداية السينما الروائية الناطقة مع فيلم "أولاد الذوات" عام 1932، قصة وحوار يوسف وهبي، سيناريو وإخراج محمد كريم، الذي ناقش سلوكيات أبناء الطبقة الأرستقراطية وما يشوبها من استهتار بالقيم المجتمعية الراسخة، التي قد تدفع المجتمع للانهيار، وبرغم تركيز الفيلم على سلوكيات الطبقة الأرستقراطية، وإظهار مشاكلها مع المجتمع، فإن لم يقع في فخ الانحياز لهذه الطبقة.
بداية الصدام
في هذا الاتجاه، وبعيدا عن الفكر اليساري المباشر، يأتي العام 1938، بفيلم هز مصر كلها آنذاك، حيث قدم ستوديو مصر، فيلم "لاشين" للمخرج فريتز كرامب، الذي لعب بطولته ممثل مصري، تعلم فن التمثيل في فرنسا، ولم يقف أمام كاميرات السينما إلا عبر هذا الفيلم فقط، هو الفنان حسن عزت، وشاركته الممثلة الناشئة نادية ناجي، كتب له السيناريو أحمد بدرخان، وحوار الشاعر أحمد رامي، عن فكرة رواية للكاتب الألماني هنيريش فون ماين.
دارت فكرة الفيلم الرئيسية حول قائد الجيش "لاشين" الذي يتميز بالعدل، المنحاز دوما إلى الشعب حتى لو كان على حساب حريته وحياته، فكانت النتيجة أن وجهت وزارة الداخلية - التي تعمل على مراقبة الأعمال السينمائية والمسرحية آنذاك - تهمة "الشيوعية" للفيلم وصناعه، وانحيازه إلى الفكر اليساري، فضلا عما يحمله من إسقاط واضح على الحاضر، بل واتهامه بتحريض الشعب على أن يثور على أوضاعه الاجتماعية المتردية، فتم رفع الفيلم من دور العرض في ليلة عرضه الأولى، وظل "حبيس العلب" لم يفرج عنه إلا بعد عام 1952، خصوصا بعد أن رأى البعض أنه تنبأ بالثورة قبل قيامها بأربعة عشر عاما.
برغم ذلك لم يتردد "استوديو مصر" في أن يسند للمخرج كمال سليم في العام التالي 1939، إخراج فيلم "العزيمة"، الذي كتب له أيضا القصة والسيناريو، وكتب الحوار بديع خيري، ليضع به قواعد "الاتجاه الواقعي" في السينما المصرية، بتعرضه لطبقة العمال والمهمشين، حيث انتقل كمال سليم لأول مرة بكاميرات السينما من حياة القصور، إلى تفاصيل الحارة الشعبية المصرية.
حيث تطرق كمال سليم إلى العلاقة بين الطبقة البرجوازية صاحبة رأس المال، وبين طبقة الفقراء، الذين يقومون غالبا على خدمتهم، من أجل أن تسمح الأولى للثانية بالحياة إلى جوارها، مقدما رؤية رائدة، ليس في تاريخ السينما المصرية فحسب، بل وكما قال الناقد والمؤرخ الفرنسي "جورج سادول"، في تاريخ السينما العالمية، حيث بشر سليم بهذا المنهج، قبل ظهور الواقعية الجديدة في إيطاليا عام 1942، وهو العام نفسه الذي قدم فيه المخرج هنري بركات تجربته الكوميدية "لو كنت غنى" أول فيلم يكتبه أبو السعود الإبياري، ولعب بطولته بشارة واكيم، وأنتجته آسيا داغر، ثاني منتجة في السينما المصرية بعد عزيزة أمير، غير أن الفيلم حمل وجهة نظر مزدوجة، فمثلما تحدث عن معاناة الفقراء والمهمشين ومشاكل العمال، والحرص على حقوقهم، حرص أيضا على أن يكرس مفهوم "أن الفقر هو طوق النجاة لهذه الطبقة"، للهروب من حالة التفسخ الاجتماعي، بل وربما عمل المال على إفسادها، وهو المفهوم الذي عمل عليه عدد كبير من مسرحيات وأفلام الثلاثينيات والأربعينيات، الكوميدية والتراجيدية، على حد سواء، حتى إن نجيب الريحاني قدم المضمون نفسه من خلال مسرحية "الجنيه المصري"، التي أعيد تقديمها في الخمسينيات في فيلم "الدنيا لما تضحك" بطولة إسماعيل ياسين، وإخراج عبد الجواد، والذي انتهى نهاية فيلم "لو كنت غني" ربما ليضبط كفتي الميزان مرة أخرى.
وضوح الرؤية
بعد أربعة أعوام من "العزيمة" يجمع المخرج اليساري أحمد كامل مرسي الثنائي "فاطمة رشدي وحسين صدقي" مرة أخرى من خلال فيلم "العامل" عام 1943، وهو الفيلم الذي كان مقررا أن يخرجه كمال سليم، غير أنه اختلف على الأجر مع منتجه الفنان حسين صدقي، الذي باع مصاغ كل أسرته من أجل أن يقوم بإنتاج الفيلم، وتولى أحمد كامل مرسي إخراجه، عن قصة حسين صدقي، سيناريو وحوار محمد عبد الجواد.
قدم الفيلم الشاب أحمد العامل الذي يدخل في صراع مرير مع الطبقة البرجوازية ليجبرهم على الاعتراف بحقوق العمال، فكانت النتيجة أن تمت مصادرة الفيلم ومنعه أيضا، عندما شاهده الملك فاروق في الإسكندرية، وخرج من منتصفه ثائرا، فكانت تلك إشارة كافية لمنع عرض الفيلم بعد ذلك، الأمر الذي كاد ينهي حياة حسين صدقي السينمائية، بعد أن وضع في إنتاج الفيلم كل ما يمتلكه هو وأسرته وأقاربه، فلجأ إلى وزير الشئون الاجتماعية آنذاك عبد الحميد عبد الحق، الذي استطاع أن يقنع الرقابة بحذف بعض المشاهد التي أثارت غضب الملك، خصوصا مشهد تحريض العمال على الإضراب، ومن ثم السماح بعرض الفيلم!
المثير في الأمر أنه بعد عرض الفيلم، وتحقيق نجاح جماهيري غير مسبوق، مكن حسين صدقي من تسديد كل الديون، وصدرت عدة قوانين وتشريعات تقضي بتنظيم النقابات العمالية، ثم قانون التأمين الإجباري عن حوادث العمل، وأخيرًا صدور قانون العمل الفردي رقم 41 لسنة 1944، قبل أن تأتي ثورة 23 يوليو وتصدر قانون العمل الموحد، وتوالى صدور القوانين التي عكست الاتجاه المتصاعد للانحياز الصارخ للأغنياء "أصحاب الأعمال" قبل أن يتبنى الرئيس السادات نظام الرأسمالية المتوحشة، الذي كان شعاره: "كل الدعم للأغنياء ولا مكان للفقراء"!
قام المخرج اليساري صلاح أبو سيف، عن قصة وإنتاج وتمثيل فريد شوقي، بتوجيه اللكمات إلى تلك الطبقة، التي أحاطت نفسها بسياج حديدي، لتنفصل اجتماعيا واقتصاديا دون غيرها من طبقات المجتمع، من خلال فيلمه "الأسطى حسن" مطلع العام 1952، ليقدم واحدا من أهم الأفلام التي تناولت هذه القضية، من خلال العامل البسيط، الذي يحاول أن يطلب حق اللجوء للطبقة الأرستقراطية، غير أنه يكتشف أن دور هذه الطبقة لا يقتصر فقط على جني الثمار وحدها، بل أيضا يمكن أن تمتص دماء من يفكر في الاقتراب منها!
خلال هذه الفترة أنتج أنور وجدي فيلما بعنوان "مسمار جحا" عن قصة الكاتب علي أحمد باكثير، سيناريو وحوار أبو السعود الإبياري، وإخراج إبراهيم عمارة، حول فكرة الحاكم المستبد.
عرض الفيلمان في يوم واحد هو 23 يونيو عام 1952، ففوجئ أنور وجدي بالرقابة ترفع فيلمه، بحجة أنه يتعرض لجلالة الملك، فأسرع بمقابلة الدكتور إبراهيم عبده، مدير المطبوعات والنشر آنذاك، واستطاع أن يقنعه بأسلوبه، أن الفيلم يظهر الفرق بين الحكم العثماني المستبد، وبين حكم جلالة الملك فاروق، فتم الإفراج عن فيلمه، غير أن أنور وجدي لم يكتف بذلك، حيث لاحظ خلال اليوم الأول من عرض فيلمه وفيلم "الأسطى حسن"، والفارق الكبير بين إيرادات الأخير، مقابل عدم الإقبال على فيلمه، فأخبر مدير المطبوعات بأن فريد شوقي يقدم فيلما يحمل أفكارا يسارية وشيوعية، وأن هذا هو الخطر الحقيقي على البلاد، فتم الإفراج عن فيلم "مسمار جحا" ورفع "الأسطى حسن" بحجة أنه يساري شيوعي، وعبثا حاول فريد شوقي إثبات حسن نيته، لكن دون جدوى، ولم ينقذ الفيلم سوى قيام ثورة 23 يوليو بعد أيام قليلة من رفع الفيلم من دور العرض، لتأتي الثورة لتضع العمال في المقدمة وتستجيب لها السينما بالعديد من الأفلام المهمة التي تعلي قيمة العمل والعمال.
البداية الحقيقية
برغم ليبرالية الأديب الكبير نجيب محفوظ، وانتمائه الوفدى، فإنه عند لقائه مخرجين يساريين أمثال صلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، وتوفيق صالح، سادت وجهة نظر المخرج إلى حد كبير، وهو ما وضح من خلال أفلام ليوسف شاهين مثل "جميلة،" 1958، الأرض" 1969، "الاختيار" 1971، أو أفلام مثل "لك يوم يا ظالم" 1951، "الأسطى حسن" 1952 للمخرج صلاح أبو سيف، الذي لم يكتف بفكرة العدالة الاجتماعية، في عدد من أفلام التي تحمل رؤية يسارية، بل حاول أن يقدم رؤية مختلفة من خلال فيلميه "مجرم في إجازة" عام 1958، الذي كتب له السيناريو والحوار نجيب محفوظ، الذي حاول من خلاله مناقشة فكرة الظلم الإنساني المرتبط بالمنظومة المجتمعية والأخلاقية، ودور المثقف اليساري في رفع هذا الظلم، وفيلم "بين السماء والأرض" عام 1960، عن قصة نجيب محفوظ، سيناريو وحوار السيد بدير وصلاح أبو سيف، في تجربة جريئة، يعلن من خلالها فكرة المساواة والعدالة الاجتماعية، من خلال تعطل مصعد تتوحد فيه مصائر مجموعة من البشر يمثلون كل شرائح المجتمع، الأرستقراطي المتكبر، والموظف، ونجمة السينما، ونصف المجنون الذي انهكته الأوضاع الاجتماعية فادعى الجنون، و"الأعزب المتحرش" واللص المتواضع، واللص الكبير، والمرأة الخائنة، والفتاة الرومانسية التي تبحث عن حب ضائع، والعجوز المتصابي، والخادم الذي يعلنها صراحة أنه لم تعد هناك فوارق بين الطبقات.
ماكارثية السبعينيات
برغم أن هذه النوعية من الأفلام التي تحمل الرؤية اليسارية، التي تدافع بكل قوة عن فكرة العدالة الاجتماعية، لتفسح الطريق للطبقة الوسطى التي تحمل الرؤية والفكر والعلم، فإن حقبة السبعينيات جاءت لتحاول بكل قوة محو هذه الرؤية من ذاكرة السينما المصرية، فيما يشبه الإجراءات الماكارثية التى شهدتها السينما الأمريكية فى خمسينيات القرن العشرين، مارس النظام خلال سبعينيات القرن الماضي، ضغوطا شديدة على اليسار المصري بشكل عام، والمبدعين اليساريين بشكل خاص، مستخدما في ذلك التيارات الإسلامية، لإزاحة اليساريين، سواء من المشهد السياسي، أم الثقافي والإبداعي، دونما تفرقة بين الناصري واليساري، والشيوعي والاشتراكي، وهو المنطق نفسه الذي تعاملت به معه كل الأنظمة التالية، ليكون التركيز على نوعيتين من الأفلام، الأولى محاول تسفيه فكرة العدالة الاجتماعية والدعوة إلى الفهلوة والتقليل من شأن العلم، مقابل المتاجرة بكل شيء، بما في ذلك الأخلاق والجسد، أما النوعية الثانية فقد تخصصت في الهجوم غير المبرر على فكرة اليسار واليساريين، والتأكيد على أنهما أسباب كل ما عانى منه المجتمع من كوارث، وفي مقدمتها "نكسة 67"، وإن كان هناك عدد من الأفلام التي استطاعت أن تفلت من هذا التوجه العام للدولة آنذاك، مثل "العصفور، والناس والنيل" 1972، "عودة الابن الضال" 1976، ليوسف شاهين، و"شيء في صدري"، سيناريو وحوار رأفت الميهي، إخراج كمال الشيخ، "خلي بالك من زوزو" لصلاح جاهين والمخرج حسن الإمام، و"زائر الفجر" 1975، سيناريو وحوار رفيق الصبان، إخراج ممدوح شكرى، لتأتي حقبة الثمانينيات متمردة على كل ما هو قائم، وتبدأ عبر مجموعة متميزة من المخرجين الشباب، حاولوا رد اعتبار السينما، وتحديدا سينما اليسار، قبل إثبات ذاتهم وقدراتهم، من خلال مجموعة من المخرجين يكمل كل منهم الآخر، هم: داود عبد السيد، خيرى بشارة، عاطف الطيب، محمد خان، وعلي بدرخان، صعدوا جميعا محملين بأحلام وأعباء وانتصارات وانكسارات المهمشين، فقدموا بطلا اختلفت ملامحه عن بطل سينما السبعينيات، بل والستينيات والخمسينيات، فقدموا صورة صادقة للمواطن المصري، عبر سينما تحمل "نكهة يسارية" تسلّط الضوء على المواطن المسلوب حقه في الحياة، الذي يعاني من السلطة التي تنتهكه طوال الوقت.
انتصار الثمانينيات
جاءت هذه الحقبة بعدد كبير من الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية، برؤية يسارية من منظور اجتماعي، خصوصا بعد الحالة التي خلفها ما يسمى بـ "الانفتاح الاقتصادي" في نهاية السبعينيات، والقضاء على "الطبقة الوسطى" وصعود طبقة "أغنياء الحرب" الذين تاجروا بقوت الشعب، ليدفع الفقراء والمهمشون "الفاتورة" مرتين، فقدم عاطف الطيب فيلميه المهمين الأول مع الكاتب بشير الديك، "سواق الأتوبيس" عام 1983، والثاني مع الكاتب وحيد حامد "البريء" عام 1986، وكلاهما يفضح من سرق أحلام البسطاء الذين دفعوا ثمنا غاليا، أيضا المخرج على بدرخان، الذي بدأ كمخرج عام 1973، قدم فيلم "أهل القمة" عام 1981، عن قصة نجيب محفوظ، سيناريو وحوار مصطفى محرم، وفيلم "الجوع" 1986 المأخوذ أيضا عن قصة نجيب محفوظ، وشارك في كتابة السيناريو له على بدرخان مع مصطفى محرم وطارق الميرغني، والذي يتناول كلاهما قصة البطل الصاعد من قاع المجتمع، محملا بكل مساوئ وانتهازية بعض من ينتمون إلى هذه الطبقة.
قدم محمد خان أيضا خلال هذه الحقبة، عددا كبيرا من الأفلام تحمل تلك الرؤية بدأها بفيلم "ضربة شمس" عام 1980، مرورا بأفلام مثل "موعد على العشاء، خرج ولم يعد، الحريف، عودة مواطن، زوجة رجل مهم، وأحلام هند وكاميليا"، كذلك خيري بشارة بفيلميه "العوامة رقم 70، ويوم مر ويوم حلو"، لينضم إليهم قبل نهاية الحقبة اثنان من المخرجين خرجا من عباءة هذا الجيل، وبدآ على دربه، هما محمد النجار بفيلمه الأول "زمن حاتم زهران"، ومنير راضي بفيلمه الأول أيضا "أيام الغضب"، مع الأخذ في الاعتبار أن القاسم المشترك الأكبر ككاتب سيناريو لعدد كبير من أفلام هذه الحقبة، السيناريست بشير الديك.
مع بداية حقبة التسعينيات، وبرغم وجود هذه الكتيبة المقاتلة من المخرجين الذين يحملون رؤية يسارية، والذين باتوا يمثلون جيل الوسط، بين جيل الكبار، وجيل المخرجين الجدد، فإن الأوضاع السياسية والاقتصادية، وبالتبعية الاجتماعية، انعكست بشكل واضح على السينما، ليست تلك التي تحاول الإفلات برؤيتها اليسارية، لكن السينما بشكل عام، وانتشار ما أطلق عليه "سينما المقاولات" إلى جانب الأفلام الموسمية التي تنتظر قدوم السياحة العربية، حتى إنها باتت تمثل النصيب الأكبر من الإنتاج، وسط محاولات فردية من الأجيال الثلاثة، ففي النصف الأول من التسعينيات يقدم من جيل الوسط محمد خان فيلمه "سوبر ماركت" الذى رصد فيه بصدق شديد انهيار الطبقة الوسطى، بل وتنبأ بما يمكن أن يعقب هذا الانهيار، وهو ما فعله أيضا عاطف الطيب في فيلمه "ضد الحكومة"، ومن رؤية مختلفة قدم داود عبد السيد فيلمه "الكيت كات".
مقابل ذلك يقدم صلاح أبو سيف من جيل الكبار "المواطن مصري" الذي ذهب في فيلمه إلى بداية هذا الانهيار، وعدم الاكتفاء بسرقة أحلام البسطاء، بل سرقتهم هم أنفسهم، ومن جيل الشباب – آنذاك – يقدم شريف عرفة فيلمه "المنسي" ورضوان الكاشف فيلمه "ليه يا بنفسج"، فيما يقدم في النصف الثاني داود عبد السيد "سارق الفرح"، ومجدي أحمد على فيلمه "يا دنيا يا غرامي" وشريف عرفة "اضحك الصورة تطلع حلوة"، واللافت للنظر أنها جميعا، سواء ما قدم في النصف الأول أم النصف الثاني، تتناول الرؤية اليسارية من منظور اجتماعي، في محاولة للبحث عن الحق في "العيش والحرية"، وهما حقان لا يمكن تصور الحصول عليهما دون كرامة إنسانية، عبر العيش في مجتمع متوازن يحق لأغلبيته التمتع بالثروات التي تنتجها بنفسها، واستعادة ما تم نهبه، وربما ذلك الطريق الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية، فيما حاول المخرج الكبير يوسف شاهين من خلال فيلمه "الآخر" تقديم رؤية يسارية للبحث عن مجتمع ديمقراطي، تشارك فيه تلك الأغلبية في اتخاذ القرارات في كل مناحي حياتها، والأهم تقليص الفوارق بين طبقات المجتمع وإعادة تشكيل خريطته الطبقية، من خلال تطهير مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلتها، وربما هو الهدف نفسه الذي سعى إليه كل من يسرى نصر الله مع بداية الألفية الثالثة من خلال فيلمه "المدينة" وأسماء البكري في فيلمها "كونشرتو درب سعادة" ليعود خالد يوسف إلى فكرة "العيش والحرية" من خلال فيلمه "حين ميسرة" في 2007، وهو العام نفسه الذى يشترك فيه مع أستاذه يوسف شاهين في تقديم فيلم "هي فوضى" في محاولة للبحث عن فكرة العدالة الاجتماعية والمجتمع المتوازن إنسانيا، يدخل بسببها في مشاكل مع الرقابة، ولم يسمح بعرضه إلا بعد موافقة "وزارة الداخلية"، لتتوه مجددا الرؤية اليسارية وسط زحام "سينما الرغبات"، سواء خلال السبعينيات من القرن الماضي، أم ما استجد منذ مطلع الألفية الثالثة، من محاولات تتعمد تغيبها، لتصبح "طيفا" على السينما المصرية، يزورها من آن لآخر، ووفق أكثر من مفهوم ورؤية، وإن كانت جميعها تصب في اتجاه واحد، لتحقيق فكرة "العدالة الاجتماعية"، كلما سمحت الظروف بذلك.
كلمات بحث
الأهرام العربي
اليسار
سينما اليسار
عدد اليسار التذكارى
رابط دائم
مواضيع ذات صله
تأسس كثورة على سياسة التتريك.. «حزب البعث» الأب الشرعى للأحزاب الاشتراكية العربية
المفكر والروائى العراقى سلام إبراهيم: الفكر اليسارى أثرى الأدب الإنسانى
المفكر اللبنانى الكبير «كريم مروة»: الشيوعيون العرب تعاملوا مع فكر ماركس بوصفه «قرآنا»
اليسار الصهيونى.. فكر الاحتلال يحرك كل الأحزاب السياسية فى إسرائيل
تاريخ أحزاب اليسار فى إيران.. جفاء مع الشارع وصدام مع السلطة!
الحزب الشيوعى التركى يرى الانضمام للاتحاد الأوروبى استسلاما للإمبريالية
اليسار فى أمريكا اللاتينية.. صعود هائل فى مطلع الألفية وتراجع كبير بعد عقدين
من ماركسية لينين حتى «بريستوريكا» جورباتشوف.. أهم مصطلحات اليمين واليسار فى العالم
«حدتو».. قادت المقاومة الشعبية فى بورسعيد وعلمت المساجين فى المعتقلات
تباينت مواقفهم من الصهيونية.. «يهود النيل» ساهموا فى تأسيس الحركة الشيوعية
رئيس حزب الاشتراكى المصرى: اليسار يحتاج إلى ترك برجه العاجى ولغته المقعرة
عبد الغفار شكر: اليسار عائد وعليه أن يبدأ من نقطة الصفر
سمير أمين: الحقبة الناصرية أنهت المد الثورى الذى بدأ فى مصر منذ العشرينيات
مسيرة 40 عاما من النضال الوطنى.. حزب التجمع.. منبر اليسار فى مصر
مع ازدهار الفكر الاشتراكي فى الخمسينيات والستينيات.. الواقعية تفرض ظلالها على الأدب
مجنون.. أهوج.. كافر ومستغل.. اغتيال اليسارى على شاشة السينما!
سينما اليسار.. «الحاضر الغائب» بين «رغبات السبعينيات» وتغييب «الألفية الثالثة»
على عهدة ومسئولية اللواء عبد الحميد خيرت: بين كل اثنين يساريين واحد يعمل لحساب أمن الدولة!
نبيل زكى: «اليسار» ضمير الشعب المناضل من أجل العدالة الاجتماعية
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام