مقالات



(3) من ملفات الـ «F.B.I»

11-3-2025 | 01:48
د. إيمان طاهر

كانت ولا تزال أمريكا، تحقق أهدافها التى قد تعتبرها مشروعة لأسبابها الاستعمارية المريضة عبر أساليب غير مشروعة متلاعبة بالقوانين، متأهبة دائمًا لتدخل فى حالة تشابك وصراع متواصل، يصل للعنف مع أى دولة كانت إذ لم تنفذ أوامرها المشبوهة أو أعاقت خططها. وعلى الرغم من الهالة التى أحاطت نفسها بها والادعاءات باحتضانها الحريات ونشر الديمقراطية والسلام إلا فإنها فى الواقع لم تكن إلا خادما لعينا لمصالحها القديمة.
وفى إطار سرد لخلفية تاريخية واسعة على أرض الواقع، لن نستطيع تسليط الضوء على جوانب كثيرة مجهولة، وبدت مبهمة أمامنا، ولكن من خلال بعض المواقف والخلفيات التاريخية التى قد تهيئنا لنفهم ونتقبل الحلول التى ستطرح فيما بعد والخطوات التى ستترك بصماتها على سجل تاريخنا المعاصر والقادم، سنحاول تقديم جزء من الصورة الحقيقية.
لم يكتف هذا الجهاز برصد وصنع أحداث كارثية فى كل دولة بل كان يتجسس أيضا على السياسيين بداخل أمريكا ومنهم السيناتوران ويليام يورا، وهو رئيس مجلس إدارة لجنه العلاقات الخارجية وطوماس والش وبورتون بولر ووضعوا أجهزة التنصت وكاميرات المراقبة بداخل منازلهم وهواتفهم، ولعل كل من يعمل بالسياسة الأمريكية يعلم بأنه مراقب!، وكان هؤلاء السيناتورات تحديدا لهن يد فى محاولات استجواب هوفر رئيس هذا الجهاز بشأن الاعتقالات الواسعة وغير القانونية التى قام بها فكان لابد أن يخلق وهما كبيرا كنوع من القضاء على سمعتهم قبل أن يكشفوه أمام الرأى العام، وسخر كل أدواته للنيل منهم وكانت له أساليب خبيثة فى أى معركة سياسية يخوضها من بدء أعداد ملفات وتمويل والاستعانة بالصحفيين مقابل الأموال وسائر الخدمات الخاصة، كان منهم الصحفى ريتشارد وينى فى وكالة «أسوشيتد برس» الصحفية فكتب سلسلة مقالات مليئة بالأكاذيب ومثيرة للقلائل جمعت فيما بعد بكتاب اسمه الشيوعيين فى أمريكا.
وعلى الرغم من محاولات إيقاف السيناتورين وتلفيق تهم رشاوى لهما، إلا فإنهما استمرا فى فضح ممارسات هذا الجهاز وكشفا أمام الرأى العام العديد من الحقائق، حيث كان ومازال يسيطر على هذا الجهاز رجال المال والأعمال ويزدرون الحكومة والقوانين ويضللون الشعب، وكانت من فضائحه التى هزت الرأى العام، هو تلقى وزير الداخلية ألبرت فول رشاوى وصلت لـ300 ألف دولار من شركات النفط، مقابل السماح لهم باستخدام احتياطى النفط الإستراتيجى التابع للبحرية، وعلى الرغم من صحة كل الوثائق تغاضت وزارة العدل عن الملف وأوقفت التحقيقات!
وفى عام 1973 وصل نيويورك شاب عراقى رصدته أجهزتهم بالتعاون مع المخابرات الإسرائيلية، وبعد تبادل المعلومات وجدوا أنه من الممكن أن يكون عضوا فيما أسموه عصابة إجرامية تسمى “أيلول الأسود” بقياده ياسر عرفات، رئيس منظمه التحرير الفلسطينية، وكانت هذه العصابة لها يد فى اغتيال السفير الأمريكى ونائبه فى السودان فاستدعوا هذا الشاب وحققوا معه وأخبرهم أنه جاء للالتحاق بكلية الطيران، وتم الإفراج عنه وكان هذا دليل على مدى سطحيه هذا الجهاز فى التعامل مع الوقائع الواضحة، ليقوم هذا الشاب ومعه آخرون بتحضير 3 سيارات محملة بقنابل وأجهزة شديدة التفجير ووضعوا أول سيارة قرب مخرج شركة «العال» الجوية الإسرائيلية فى مطار كيندى، حيث كان من المقرر وصول وزيرة الخارجية الإسرائيلية جولدا مائير وسيارتين أمام مصرفيين إسرائيليين بمنهاتن بذات الوقت اعترضت وكالة الأمن القومى لأمريكا رسائل موجهة من البعثة العراقية للأمم المتحدة تكشف فيها المخططات كلها وسرعان ما تم سحب واحتواء السيارات وأبطال القنابل.
كان من ضمن الجيل الثالث لـ «F.B.I» روبرت هانسن والذى أمضى ما لا يقل عن 25 عاما بداخل هذا الجهاز، ولكنه كالعديد منهم تحول لجاسوس لموسكو وقدم للروس ملفات عديدة، تحمل خططا وأسرارا، ووثائق قدمها طوعا مقابل الأموال وتم اكتشافه فيما بعد خروجه من الجهاز واحتواء الفساد. 
ومثل هذا الجهاز كان القائمون على البيت الأبيض لا يختلفون أبدا، فها هم أمام الرأى العام مناصرون للحقوق المدنية والقانون، وبداخل جدران هذا البيت أكثر توحشا وصرامة مما يدعونه. ففى عهد أوباما، وحين زار مكتب التحقيقات الفيدرالى صرح للشعب بأنه علينا اختيار مثلنا، وبعدها بدقائق كان يوقع سرا قرارات تعقب واغتيال الآلاف من مناصرى تنظيم القاعدة والجهاد بأفغانستان وباكستان، وحولهما لساحة حرب مفتوحة وضحى بالعديد من الأبرياء، واعتقل الكثيرين من المدنيين بداخل أمريكا بزعم الاشتباه فيهم لمجرد انتمائهم للدين الإسلامى!.
وتم استخدام هذا الجهاز فى التحضير لثورات الربيع العربى تحت مسمى الديمقراطية ومنحهم أوباما كل السلطات والأموال للسيطرة والتحرك وبلا أى مسألة قانونية لتنفيذ مهامها وإتمام تغيير الأنظمة بداخل الدول المستهدفة فتحول هذا الجهاز لشبكة عالمية النطاق تتألف من أنظمة أمن متداخلة ومتصلة بشبكة من المعلومات السرية يتشاطرها عناصر من الشرطة والجواسيس بالعالم!، وتحول الشعب الأمريكى فى الداخل بفعل هذا الجهاز لخاضعين معتادين على مدى 24 ساعة لتحديق الكاميرات لأدق تفاصيل حياتهم، وتخلوا عن حرياتهم مقابل الوعود بالأمن والأمان الوهمة.
هذا الجهاز مازال حتى الآن يفتقر لميثاق قانونى معترف به من الحكومة أو الكونجرس، حتى فى ظل صلاحياته الكاملة، وغير محدودة لأعضائه، بتنفيذ أى مهام غير قانونيه بداخل أمريكا أو خارجها. وعلى الرغم من الحصار الإعلامى حول دور هذا الجهاز بالعالم كله وزرع الفوضى والصراعات والفساد تظل هناك منافذ للوعى والمعرفة تطل منها الحقائق للشعوب.
ويبقى السؤال: هل سيظل الشعب الأمريكى، الذى ميثاق وجوده فى الأساس هو الديمقراطية والحريات مشاركاً بهذه المسرحية الهزلية؟.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام