نحن والعالم



خمس ساعات من القصف المتواصل.. واستشهاد فلسطينى كل دقيقة عدوان دموى جديد على غزة

20-3-2025 | 21:52
العزب الطيب الطاهر

اللجوء إلى القوة العسكرية المفرطة، هو الخيار الوحيد المتاح أمام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وهو بذلك ينسجم مع المرتكز الأساسى الذى شكل على الدوام مسار إسرائيل، منذ أن انطلق كسلطة احتلال إثر حرب 1948، وحتى فى المراحل التى سبقتها عبر عصاباته وميليشياته التى كونها ثم فى السنوات التالية.. ما يؤشر إلى أن العدوانية والدموية وممارسة القتل ضد كل ما هو فلسطينى وعربى ومسلم، فريضة توراتية مطلوبة بإلحاح لتحقيق أهداف المشـروع الاستعمـــارى الاستيطـــانى للنخـــب الحاكمــة فى هذا الكيان، بل وللمجتمع المتماهى مع فكر طموحات هذه النخب أيا كان توجهها.
 
اللجوء إلى القوة العسكرية المفرطة، هو الخيار الوحيد المتاح أمام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وهو بذلك ينسجم مع المرتكز الأساسى الذى شكل على الدوام مسار إسرائيل، منذ أن انطلق كسلطة احتلال إثر حرب 1948، وحتى فى المراحل التى سبقتها عبر عصاباته وميليشياته التى كونها ثم فى السنوات التالية.. ما يؤشر إلى أن العدوانية والدموية وممارسة القتل ضد كل ما هو فلسطينى وعربى ومسلم، فريضة توراتية مطلوبة بإلحاح لتحقيق أهداف المشـروع الاستعمـــارى الاستيطـــانى للنخـــب الحاكمــة فى هذا الكيان، بل وللمجتمع المتماهى مع فكر طموحات هذه النخب أيا كان توجهها.
 
لم تمض سوى فترة شهرين تقريبا، على بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى الذى تم بلورته بجهود مكثفة من الوسطاء مصر وقطر والولايات المتحدة فى التاسع من عشر من يناير الماضى بعد حرب إبادة استغرقت 471 يوما - ما يزيد على خمسة عشر شهرا - حتى أقدم نتنياهو وزمرته العسكرية الجديدة المتحالفة مع زمرته اليمينية المتطرفة على إعادة إنتاج هذه الحرب بداية الساعات الأولى الساعة من صباح الثلاثاء الماضى، بإصدار الأوامر المباشرة من نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس وبضوء أخضر من إدارة ترامب للمستوى العسكرى، الذى يرأسه رئيس الأركان الجديد الجنرال إيال زامير، المعروف بولائه المطلق لرئيس حكومة الاحتلال، لشن نحو 200 غارة جوية قوية المفعول، مجهزة بأحدث ما فى الترسانة الأمريكية من قنابل ذكية وغير ذكية على مختلف محافظات القطاع الخمس.
 
استهدفت معظمها منازل مدنية مأهولة ومراكز لإيواء النازحين وخيامًا للنازحين، ما أسفر عن مقتل أكثر من 420 شخصًا، بينهم نحو 150 طفلًا وعدد كبير من النساء، إلى جانب إصابة مئات آخرين فى اليوم الأول للعدوان.
 
وطبقا للمعلومات التى جمعها المرصد الأورومتوسطي، فإن هذه الغارات كانت متتالية ومتزامنة، واستمرت لنحو خمس ساعات، ما يعنى مقتل شخص كل دقيقة فى هذه المدة خلال اليوم فى قطاع غزة وهو ما يعنى أنها حملت نيّة واضحة لارتكاب عمليات قتل جماعى مقصودة.
 
ووثّق الفريق الميدانى للمرصد الأورومتوسطى مقتل نحو 30 شخصًا فى استهداف منزل لعائلة "قريقع" بحى الشجاعية شرقى مدينة غزة، ومقتل 25 شخصًا باستهداف مدرسة التابعين التى تؤوى نازحين بحى الدرج وسط مدينة غزة، إلى جانب 7 عمليات قتل جماعى أخرى فى محافظتى رفح وخان يونس جنوبى القطاع، راح ضحيتها نحو 60 شخصًا من عائلات "أبو طير" و"الحمايدة" و"اصليح" و"أبو سلطان" و"جرغون" و"غبون"، ووفقًا لتحليل بيانات الضحايا، فإنّه فى أكثر من حالة، قضت غارات جيش الاحتلال على عائلات بأكملها مكونة من الأب والأم والأبناء، أو عائلات ممتدة، بما يشمل الأجداد والأبناء والأحفاد.
 
واللافت أن هذه الجرائم التى ارتكبها جيش الاحتلال فى عدوانه الجديد على غزة الكلام للمرصد الأورو المتوسطى جاءت بعد أكثر من أسبوعين على إغلاقه المعابر مع قطاع غزة، ومنع دخول جميع أشكال السلع الأساسية والمساعدات الغذائية، بما فيها تلك المنقذة للحياة، إلى جانب الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية، ما ترك جميع القطاعات الخدمية والحيوية فى حالة من الانهيار، على النحو الذى سيعقّد من جهود الاستجابة الإنسانية، لا سيما تقديم خدمات الرعاية الطبية.
 
والمؤكد أن ثمة دلالات، أو بالأحرى مرامى وأهدافاً متعددة خطط لها نتنياهو وأركان القيادة العسكرية الجديدة، من وراء هذه العودة لوقائع حرب الإبادة فى غزة.
 
أولها يكمن فى محاولة الضغط على حركة حماس وفصائل المقاومة لتقبل بطروحاته التى لا تتسق مع ماقبل به هو شخصيا عندما أقر اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى قبل أكثر من شهرين بمراحله الثلاث، فهو لم يشأ أن يمضى باتجاه تطبيق المرحلة الثانية التى كان ينبغى أن تنطلق بعد 42 يوما مع بدء تطبيق المرحلة الأولى، وإنما كان يسعى إلى خطة جديدة نسبها للمبعوث الأمريكى للشرق الأوسط ستيف ويتكوف تقوم على إطلاق حماس سراح نصف المحتجزين المتبقين لديها، وهم الورقة التفاوضية الأهم لدى الحركة، مقابل تمديد الهدنة وتعهد بالتفاوض على هدنة دائمة ، دون أن يشير إلى إطلاق المزيد من الأسرى الفلسطينيين، وهو ما كان جزءا أساسيا من المرحلة الأولى للاتفاق، مع ممارسة ضغوط من قبل تل أبيب وواشنطن لإرغام حماس على تسليم أسلحتهم والخروج من القطاع.
وفى هذا السياق فإن كاتس، يزعم أن جيش الاحتلال "عاد إلى القتال فى غزة بسبب رفض حماس إطلاق سراح المحتجزين وتهديداتها بإلحاق الأذى بجنوده، متوعدا، فى بيان مقتضب، بفتح أبواب الجحيم فى غزة، إذا لم تفرج جميع المحتجزين، فيما سيواجه مقاتلوها قوات لم يعرفوها من قبل"، وفق تعبيره، مشددا على أن الغارات لن تتوقف ما لم يعد جميع الأسرى وتحقق الحرب جميع أهدافها، حسب قوله، وهو ما أكده مندوب إسرائيل بالأمم المتحدة، دانى دانون فى بيان مصور، وحتى لو اجتمع مجلس الأمن كل يوم ، ما يعنى تحديا شديدا للمجتمع الدولى.
 
إن نتنياهو بهذا العدوان الدموى الجديد ينسف اتفاق وقف إطلاق النار، ويعيد الأمور إلى المربع الأول، ما جعل مصر، وهى وسيط رئيسى فى هذا الاتفاق ولم تتوقف حركتها بهذا الاتجاه خلال الأسابيع، بل والساعات القليلة الماضية تندد بأشد بأشد العبارات به، واعتبرته - فى بيان رسمى - انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف اطلاق النار ويعد تصعيداً خطيراً ينذر بعواقب وخيمة على استقرار المنطقة، مجددة رفضها الكامل لكل الاعتداءات الإسرائيلية الرامية إلى إعادة التوتر للمنطقة، والعمل على إفشال الجهود الهادفة للتهدئة واستعادة الاستقرار، مطالبة فى الآن ذاته المجتمع الدولى بالتدخل الفورى لوقف العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة للحيلولة دون إعادة المنطقة لسلسلة متجددة من العنف والعنف المضاد ، داعية الأطراف إلى ضبط النفس وإتاحة الفرصة للوسطاء لاستكمال جهودها.
 
والمقاربة ذاتها تبناها الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، الذى اعتبر أن استئناف المقتلة- مفردة بالغة الدلالة- فى غزة هو عمل مجرد من الإنسانية وتحدٍ للإرادة الدولية التى ساندت وقف إطلاق النار..ونقل عنه المتحدث الرسمى باسمه جمال رشدى، تأكيده أن قادة الاحتلال يخوضون معركة داخلية على حساب دماء الأطفال والنساء فى غزة، وأنهم يغامرون بحياة المحتجزين فى القطاع، ويضربون بعرض الحائط اتفاق وقف إطلاق النار الذى كان يُفترض أن يدخل مرحلته الثانية هذه الأيام ، مشددا على ضرورة أن يتحدث المجتمع الدولى بصوتٍ عالٍ لوقف هذه المذبحة التى تطال شعباً، جرى حصاره ومُنعت عنه المساعدات الطبية والإنسانية، فى حملة غير مسبوقة من التجويع والقتل الممنهج والتطهير العرقي، مطالبا المجتمع الدولى بالضغط  على القوة القائمة بالاحتلال للعودة إلى مفاوضات وقف إطلاق النار من أجل إنجاز اتفاق شامل يقضى بتبادل الأسرى ووقف الحرب بشكل نهائي.
 
 إن العدوان الجديد على غزة هو أكبر خرق لوقف اتفاق لإطلاق النار، مستهدفا إحداث حالة من الرعب فى قلب الشعب الفلسطينى فى القطاع، وفى قلب المفاوض الفلسطينى لإيهامهم بأن شبح الحرب قد عاد، وهو ما يعكس أن القوة القائمة بالاحتلال، تحتاج إلى هذه الصورة الدامية دائمًا لإثبات أنها قادرة على فعل شيء، ومع ذلك يمكن التأكيد أن هذا العدوان لن ينجح فى تحقيق أهدافه مثلما فشلت كل الجهود السياسية خلال الفترة الماضية فى إرغام المفاوض الفلسطينى على تنفيذ مطالب الاحتلال ومن يسانده . 
 
إن العودة لخيار الحرب فى غزة - وهو ما فتئ نتنياهو يتغنى به حتى بعد التوصل لصفقة الأسرى - من شأنه أن يحول دون انفراط عقد ائتلافه اليمينى، وبالتالى انهيار الحكومة التى يرأسها، ومن ثم دخوله فى نفق المحاكمات التى تنتظره، بالذات على صعيد فشله الاستخباراتى والعسكرى، فى التصدى لعملية طوفان الأقصى فى السابع من اكتوبر من العام قبل الفائت، واللافت للنظر فى هذا السياق أنه فور الإعلان عن العدوان سارع كل من حزب الليكود الذى يرأسه نتنياهو وحزب عوتسما يهوديت الذى يتزعمه إيتمار بن غفير إلى الإعلان عن توصلهما إلى اتفاق يقضى بعودة الأخير إلى الحكومة.
 
أى أن هناك ثلاثة من وزراء الحزب الذين استقالوا مع رئيسهم، سينضمون مجددا إلى مجلس وزراء نتيناهو وسبعة من نواب الحزب سيعودون إلى تكتل الائتلاف الحاكم فى الكنيسيت، بما يرفع أغلبيته إلى 67 مقعدا بعد أن تقلصت إلى 61 مقعدا، الأمر الذى يمنحه قوة تصويتية إضافية لتمرير مشروع الموازنة الجديدة وغيرها من مشروعات كانت ستعطل بشكل أو بآخر، أو تمرر بأغلبية ضعيفة، وبذلك يكون نتنياهو قد رضخ لشروط بن غفير للعودة للحكومة وزيرا للأمن القومى، التى تمثلت فى وقف المساعدات لغزة، والعودة إلى القتال.
 
 ومن الواضح أن كل المؤشرات خلال الفترة الماضية، كانت تنطوى على رغبة القوة القائمة بالاحتلال فى العودة للحرب، خصوصا بعد قرار نتنياهو إقالة رئيس الشاباك رونين بار، والذى أحدث انقسامًا كبيرًا جدًّا فى داخل الكيان الإسرائيلي، وبالتالى كانت حكومة نتنياهو فى حاجة إلى العودة مرة أخرى إلى استئناف العدوان على غزة . 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام