رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
محمد الفيتوري.. شاعر الحدود المفتوحة والهوية الإفريقية العميقة (2 - 2)
28-3-2025
|
01:35
إلهامى المليجى
لم تكن صداقتى بمحمد الفيتورى وليدة المصادفة وحدها، بل ولدت من رماد المسافات، من لقاء لم يكتمل فى بيروت، ومن عزلة قسرية فى طرابلس أعادت تعريف علاقتنا. لم يكن شاعرًا عابرًا فى حياتي، بل رجلًا تحمله المفارقات والمنفى والتاريخ الشخصى المثقل بالسؤال والتمرد.
فى هذه الحلقة، أنتقل من دهشة اللقاء الأول إلى عمق الحوار، من الغربة المشتركة، إلى الرفقة التى لم تعد عابرة. أستعيد لحظات جمعتنى به، حيث الشعر يتقاطع مع السياسة، والمنفى يتحول إلى حالة وجودية، وحيث كان الفيتوري، فى كل مرة، رجلًا تتعدد وجوهه، لكنها تظل مخلصة لوهجها الأول.
المشهد الثالث: قاهرتان فى قلب شاعر واحد
توطدت علاقتى به، حتى باتت لقاءاتنا فى القاهرة جزءًا ثابتًا من كل زيارة له. لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل جولات فى ذاكرة المكان والزمان، حيث تختلط الذكريات بالحاضر، ويعود الزمن ليحيا من جديد فى قصصه التى لا ينفك يعيد روايتها، ليس كمن يتذكر، بل كمن يستعيد الزمن ذاته.
كان مفتونًا بوسط القاهرة، شوارعها التى احتضنت أقدام المبدعين، أصواتهم، أحلامهم، وسجالاتهم المحتدمة. لم تكن مجرد مدينة بالنسبة له، بل كانت مدونة حية تتجدد فى المقاهى القديمة، حيث رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق العتيق، وحيث النقاشات لا تعرف النوم.
كلما جلسنا فى مقهى، أو بار، أو مطعم، كان يعيد إحياء المكان بقصصه، يستحضر وجوه أصدقائه من المثقفين المصريين والعرب، كأنها ما زالت تحيط بنا، وكأنه يرفض أن يتركهم لعاديات الزمن وحدهم. لم يكن مجرد راوٍ لذكرياته، بل كان يمنحها حياة جديدة، يملأها بروحه، كأنه يتأكد من أن تلك الأيام لم تذهب عبثًا.
لكن كان هناك مكان آخر أكثر قربًا إلى روحه، مطعم سودانى صغير، يملكه أحد أبناء بلده، يرتاده السودانيون المقيمون فى القاهرة، يقدم لهم طعامهم، لكنه يمنحهم أيضًا طمأنينة الوطن البعيد. هناك، كان الفيتورى يخلع عنه مظاهر الشاعر الكبير، ويتحدث بلهجته السودانية الصافية، يستعيد رائحة البيت الأول، كأن القاهرة التى احتضنته، لم تستطع أن تطمس جذوره، وكأن روحه تتوزع ما بين السودان ومصر، دون أن تغلب إحداهما الأخرى.
المشهد الرابع: الفيتورى بين الحب والغضب
كان رجلا يجمع بين النقيضين ببراعة مذهلة؛ عاشقًا بعمق، غاضبًا بعنف، متسامحًا بسخاء، لكنه حين يغضب، يصبح إعصارًا لا يهدأ، إلا بعد أن يقتلع كل شيء فى طريقه. لم يكن شخصًا رماديًا، بل رجلًا يحيا بانفعالاته، بحسه الشعرى الحاد، وبغضبه الذى لا يعرف نصف الحلول.
تم نقل الفيتورى إلى السفارة الليبية فى القاهرة، حيث تولى منصب وزير مفوض. لكن القرار أثار سخط وزير الخارجية الليبى آنذاك، الذى لم يكن راضيًا عن تعيينه، مما أشعل فتيل التوتر بينهما. ولم يكن ذلك الوزير الوحيد الذى اصطدم بالفيتوري، بل لحقه فى قائمة “المنبوذين” الوزير جمعة الفزاني، الذى تكررت معه المواجهة، بطابع أكثر درامية واحتدامًا.
وكعادة الفيتورى حين يغضب، لم يواجه خصومه بالأفعال، بل بالكلمات، ولم يستلّ سيفًا، بل قصيدة هجاء حادة، كتلك التى كتبها ضد الاثنين، وكأنه فارس فى حلبة مبارزة، لكنه يستخدم الشعر كسيف مسموم.
من بين الليالى التى لا تُنسى فى شقة الفيتوري، تلك السهرة التى جمعته بالشاعر والدبلوماسى السعودى عبد الله القرشي. فى البداية، كانت أمسية شعرية حالمة، لكن سرعان ما تحولت إلى حلبة صراع، حين شنّ القرشى هجومًا حادًا على الرئيس العراقى صدام حسين، الذى كان للفيتورى مكانة خاصة فى قلبه.
وكما هو متوقع، لم يدع الفيتورى الأمر يمر مرور الكرام، فانطلقت المبارزة الشعرية، كلمات نارية تتطاير فى أجواء الغرفة، كأنها سيوف تتبارز فى ساحة معركة! كنت أعتقد أن ما حدث سيترك قطيعة أبدية بين الرجلين، لكننى فوجئت فى اليوم التالى حين زرت الفيتورى بناءً على إلحاحه، فوجدت القرشى هناك، يضحكان معًا، يتبادلان الإطراء وكأن معركة الأمس لم تكن سوى مشهد من مسرحية عبثية.
هكذا كان الفيتوري، رجل التناقضات الكبرى، الذى يتقن فن الحب والغضب والمصالحة، وكأن الحياة عنده لا تكتمل إلا بكل ألوانها المتضادة. كان سريع الاشتعال، لكنه لم يكن يحمل ضغينة، يحارب بالكلمات، لكنه يسامح بسرعة من يحسن الاعتذار.
كان يكتب قصائد الحب والغضب بنفس الحبر، يؤمن بأن الحياة لا تُعاش بنصف شغف، بل بكل الجنون الممكن.
المشهد الخامس: بين عشق القاهرة وحنين الغياب
لم يكن انتقال الفيتورى من وسط القاهرة إلى الزمالك مجرد تغيير سكني، بل كان تنازلًا قسريًا أمام ضغوط الحياة العائلية. زوجته المغربية، التى كانت تنزع إلى الهدوء، لم تحتمل الازدحام والضجيج، فى شقته الواقعة فى الطابق الأول من عمارة بهلر بشارع قصر النيل، حيث تنبض القاهرة القديمة بكل صخبها وحيويتها. كان للزوجة مكانة خاصة لديه، خصوصًا بعد أن أنجبت ابنتهما الصغرى، أشرقت، لكنه مع ذلك، لم يستطع أن ينتزع نفسه من قلب القاهرة التى التصقت بروحه.
برغم أن شقته الجديدة كانت تطل على النيل، وتمنحه سكونًا يليق بشاعر تأملاتي، فإن الفيتورى ظل يتردد على وسط المدينة، كمن يبحث عن روحه الضائعة. كان يزورنى كثيرًا، ونخرج معًا نجوب الأماكن التى شهدت فصولًا من حياته، حيث كان يرتادها فى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مع كبار الأدباء والمفكرين المصريين والعرب.
فى إحدى الليالي، كنا نسهر فى النادى اليونانى المطل على ميدان طلعت حرب، بصحبة بعض المثقفين العرب، الذين جاءوا إلى القاهرة بمناسبة معرض الكتاب. خلال النقاش، تحدث أحد الشعراء العراقيين عن تراجع دور مصر السياسى والثقافي، وسانده فى رأيه كاتب فلسطينى وآخر ليبي. لم أتقبل هذه الرؤية، وقلت لهم:
ربما ضعف الوهج قليلاً، لكنه ما زال الأقوى والأكثر تأثيرًا عربيًا.””
لكنهم أصروا على موقفهم، ومع احتدام النقاش، وجدت الفيتورى ينحاز إلى رأيهم، مما زاد من استغرابي. شعرت بأنهم يجحفون الواقع المصري، فارتفع صوتي، ودافعت عن وجهة نظرى بحدّة متزايدة. ومع إصرارهم على موقفهم، غادرت المكان غاضبًا، غير مكترث بمحاولات الفيتورى منعى من الانصراف.
فى مساء اليوم التالي، طرق الفيتورى باب شقتي، وأصرّ على أن أخرج معه للسهر فى أحد أماكننا المعتادة. وبعد إلحاحه، خرجت. أوقف سيارته أمام منزلي، وقررنا المشى حتى ميدان طلعت حرب. وبينما كنا نقطع الشوارع الهادئة، بدأ حديثه قائلًا:
“لا يزايد أحد على محبتى وعشقى لمصر وامتنانى لما قدمته لي، وعندما أوجّه بعض الانتقادات، فهذا لأننى أتمناها كما كانت، رائدة فى الفكر والثقافة، وقائدة فى السياسة.”
حين وصلنا إلى الجريون، جلسنا فى ركن هادئ، وهناك، وكأنما كان يحاول ترجمة مشاعره بلغة الشعر، بدأ يلقى عليّ قصيدته “إنها مصر”، التى كتبها بعد غياب اضطرارى عن القاهرة تجاوز عقدًا من الزمان.
لا ترتجف عيناك
إن الضوء مسكوب على الأشياء
والصورة فى تموج العينين
لا ترتجف...
المشهد الأخير: الفيتوري.. مأساة المنفى وسقوط الظل
فى عام 2008، حمل محمد الفيتورى حقائبه مغادرًا القاهرة إلى الرباط، استجابةً لإلحاح زوجته المغربية، التى ضاقت بعزلتها فى مدينة لم تألفها، بينما هو يقضى أغلب وقته بين مكتبه فى السفارة الليبية وسهراته المعتادة. لم يكن رحيله اختيارًا محضًا، بل كان تنازلًا قسريًا أمام ضغوط الحياة، ومع ذلك، لم يستطع أن ينزع نفسه من القاهرة التى التصقت بروحه. لم يكن يرى فى المغرب وطنًا جديدًا، بل محطة عبور مؤقتة، لم يدرك أنها ستكون منفاه الأخير.
لم يكد يستقر فى المغرب حتى داهمه المرض بلا إنذار. أصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الحركة وأثرت على ذاكرته، فأصبح جسده سجينًا لفراشه، وروحه تائهة بين الأزمنة. كان ينسى أسماء أقرب الناس إليه، أحيانًا كان يعود للحظاتٍ من الصفاء، فيردد مقاطع من شعره القديم، وأحيانًا أخرى كان يغيب تمامًا، يتوه بين الذكريات المقطّعة والمنفى القسري.
لكن المرض لم يكن محنته الوحيدة، فقد أضافت السياسة إلى أعبائه عبئًا أثقل، إذ لم تمضِ سوى سنتين، حتى جاءت أحداث فبراير 2011، التى انتهت بمقتل معمر القذافي، الرجل الذى منحه الجنسية الليبية، بعدما أسقط عنه جعفر النميرى الجنسية السودانية.
وجد الفيتورى نفسه فى مهب العاصفة السياسية؛ فالذين استولوا على الحكم بعد اغتيال القذافى أقدموا على فصله من عمله، نزعوا عنه الجنسية الليبية، وألغوا جواز سفره، ليصبح فجأة بلا وطن، بلا هوية، غريبًا حتى عن البلاد التى منحته حمايتها يومًا.
كان ذلك أقسى ما تعرض له، ليس فقط لأن الجنسية الليبية كانت بوابته إلى العالم، بعد أن فقد سودانيته فى السبعينيات، ولكن لأن فقدانها جرّده من كرامته وكسر شيئًا فى داخله لم يُصلح أبدًا. كيف يمكن لشاعر مثل الفيتوري، الذى أنشد عن الحرية، أن يُنفى مرتين؟ مرة بقرار سياسي، ومرة بمرضٍ جعل رأسه نفسه منفى عن ذاكرته؟
فى أواخر 2014، تواصلت هاتفيًا مع زوجته المغربية، واتفقنا على زيارتى له فى المغرب للاطمئنان عليه. أخبرتنى أنه يمر بمراحل متباينة بين نوبات النسيان وصفاء الذاكرة، لكنه كان فى حالة انتكاسة حين وصلت، فاضطررت للرحيل دون أن أراه.
فى صباح 24 إبريل 2015، رحل، تاركًا فراغًا لا يُملأ، وحزنًا لا يزال يسكننى حتى اليوم.
لكن حين رحل محمد الفيتوري، لم يكن مجرد شاعر يغيب، بل كان زمنًا بأكمله يُطوى، صوتًا ظل يعلو برغم كل محاولات التهميش، وحضورًا استثنائيًا امتد من أقصى السودان إلى قلب العالم العربي.
الخاتمة لم يكن مجرد شاعر، كان صرخة تمتد عبر العصور، تقرأ التاريخ وتعيد كتابته شعريًا. لم يهادن، لم ينحنِ، لم يتراجع. حتى وهو يتنقل فى المنافى، كان يعرف أن صوته سيبقى، وأنه سيظل، كما قال عن نفسه: «عريانًا يرقص فى الشمس».
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
عمر الحامدى.. بقايا الضوء فى زمن الانطفاء (3-3)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام