نحن والعالم



عدوان إسرائيلى وصبر إيرانى استمرا 12 يوماً.. المنطقة بين «نهاية الصراع» و«الهدنة الطويلة»

25-6-2025 | 23:57
د. أيمن سمير

وقف الحرب بين إسرائيل وإيران يمنع تمدد الصراع إلى مناطق أخرى

تكاليف الحرب والخوف من الانزلاق نحو حروب لا تنتهى ساعدا على قرار وقف إطلاق النار

ظهور «نافذه للدبلوماسية» لبناء سلام حقيقى فى الشرق الأوسط

دخول الولايات المتحدة الحرب أسهم فى تدمير المنشآت النووية فى «فوردو ونطنز وأصفهان»


عقب إعلان الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل ساد السؤال الكبير: هل نحن أمام  «نهاية للصراع»  أم أننا أمام «هدنة طويلة»، ليعود بعدها الصراع من جديد، والسبب فى طرح هذا السؤال يعود إلى «الغموض وغياب التفاصيل» بشأن اتفاق وقف إطلاق النار الذى فسره الجانبان الإسرائيلى والإيرانى على أنه انتصار خاص وتاريخى له.
رئيس الوزراء الإسرائيلى يزعم أنه حقق كل أهدافه من الحرب على إيران بتدمير البرنامجين النووى والصاروخى لإيران، بينما إيران تقول إنها فرضت «معادلة ردع»، جديدة على إسرائيل من خلال استهداف دقيق لكل الأهداف الحيوية فى مختلف المدن الإسرائيلية على مدار 12 يوماً، وأن اسرائيل هى التى طلبت وقف إطلاق النار، وليس إيران.

هناك أسئلة أخرى تتعلق بمستقبل البرنامج النووى الإيرانى، حيث تحتفظ إيران باليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، فى أماكن آمنة وفق ما قاله المسئولون الإيرانيون، ولدى إيران نحو 12 ألف عالم نووى، وتمتلك المعرفة الكاملة لتخصيب اليورانيوم، وما تم تدميره فقط هى المنشآت النووية، كما أن إيران أثبتت أن لديها برنامجا صاروخيا متقدما حتى لو عانت من ضعف فى الدفاعات الجوية، وكلها قضايا يمكن أن تكون على مائدة الدبلوماسية، حال اتفق الجانبان الأمريكى والإيرانى، على استئناف المفاوضات مرة أخرى، وحال عدم الذهاب إلى المفاوضات سوف تظل الشكوك مستمرة، ويسود وقتها “ عدم اليقين “ بشأن السلام الاستقرار فى المنطقة.
قبل الدخول فى وقف إطلاق النار رسمياً، حاولت كل من إسرائيل وإيران رسم “صورة نصر”، خاصة بها، حيث أطلقت إيران 6 رشقات صاروخية متتالية على إسرائيل، مما أدى إلى مقتل 8 إسرائيليين دفعة واحدة فى مدينة بئر سبع جنوب إسرئيل، وهو ما يقول إن إيران لم تخسر كل صواريخها، فى المقابل استمرت إسرائيل فى قصف طهران بعنف، حتى تقول إنها لم تستسلم لإيران حتى اللحظات الأخيرة قبل وقف إطلاق النار.

الجميع خاسرون من الحرب
خسائر الأيام الماضية، كانت باهظة على الطرفين بنسب متفاوتة، فقد كلفت الحرب إسرائيل مئات الملايين من الدولارات يوميا، إذ تعتبر كلفة الصواريخ الاعتراضية التى تتصدى للصواريخ، والمسيرات الإيرانية كبيرة، وتصل تكلفتها إلى 200 مليون دولار يوميا.
فنظام “مقلاع داود”، الذى يسقط الصواريخ قصيرة وطويلة المدى، كلف نحو 700 ألف دولار، فى كل مرة تم تنشيطه، كما أن نظام «أرو 3»، وهو نظام آخر استخدم خلال المواجهات، لإسقاط الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، كلف نحو 4 ملايين دولار لكل اعتراض واحد، أما النسخة الأقدم من «أرو»، المعروفة باسم «أرو 2»، فكلف نحو 3 ملايين دولار لكل اعتراض، فى حين قدرت كلفة إصلاح المبانى المتضررة فى إسرائيل، لاسيما تل أبيب وحيفا وبئر السبيع بأكثر من 400 مليون دولار، ينما سجل مقتل ما يقارب 38 إسرائيلياً خلال المواجهات.
أما فى إيران، فنظراً للأضرار المادية الأكبر التى لحقت بعدة مناطق، ومنها المواقع العسكرية والنووية، فلا شك أن التكلفة مرتفعة أيضا، وتصل إلى مليارات الدولارات، علما أن حجم الأضرار التى لحقت بالمنشآت النووية لاسيما فى أصفهان، ونطنز وفوردو، بعد قصفها من قبل الولايات المتحدة، السبت الماضى، لا يزال غير معروف على وجه الدقة حتى الآن، لكن جهد سنوات طويلة لإنشاء هذه المواقع النووية كلف طهران المليارات، ولا شك أن إعادة بنائها “إذا حدث” سيكلفها باهظاً.
ترامب مهندس الاتفاق
وهنأ الرئيس ترامب، إيران وإسرائيل على امتلاكهما القدرة على الشجاعة، والذكاء لإنهاء ما ينبغى أن تسمى بحرب الأيام الـ«12»، معتبراً أن هذه حرب كان يمكن أن تستمر لسنوات، وتدمر الشرق الأوسط بأكمله، وختم ترامب منشوره قائلاً: فليبارك الله إسرائيل، وليبارك الله إيران، وليبارك الله الشرق الأوسط، وليبارك الله الولايات المتحدة، وليبارك الله العالم، وقبل ذلك وصف ترامب الهجوم الإيرانى على قاعدة العديد القطرية كان “ضعيفاً للغاية”، داعيا إلى السلام.
وشكر ترامب، فى منشور على منصة “تروث سوشيال”، طهران على إبلاغ واشنطن “مبكراً” قبل الهجوم الصاروخي، معتبراً أن ذلك “سمح بعدم إزهاق أرواح أو إصابة أحد”، وشجع إيران وإسرائيل على “المضى قدماً نحو السلام والوئام فى المنطقة”.
وأشار ترامب إلى أن الهجوم الإيرانى، الذى جاء رداً على ضربات أمريكية استهدفت مواقع نووية إيرانية، “كان متوقعاً”، وأنه تم مواجهته بـ”فعالية كبيرة”، مشيراً إلى أن الإيرانيين “أطلقوا 14 صاروخاً”، فيما تم “إسقاط 13 صاروخاً، وترك الأخير يسقط فى منطقة لا تشكل أى تهديد.
وذكر ترمب أن الهجوم لم يتسبب فى إصابة أى أمريكى أو قطرى بأذى، مشيراً إلى أن الإشعار الإيرانى المبكر “قبل الضربة جعل من الممكن إنقاذ الأرواح، وعدم إصابة أى شخص”.
وأضاف أنه “ربما يمكن لإيران الآن أن تتجه نحو السلام والوئام فى المنطقة، وسأشجع إسرائيل بشدة على فعل الشيء نفسه.
الموقف الإيرانى
بدوره قال عباس عراقجى وزير الخارجية الإيرانى، إن “العمليات العسكرية التى نفذتها إيران على إسرائيل حتى الدقائق الأخيرة قبل وقف إطلاق النار تظهر قوة إيران وبسالة شعبها، وقال “بالنيابة عن جميع أبناء الشعب الإيرانى، أتوجه بالشكر لقواتنا المسلحة الشجاعة، التى تظل مستعدة للدفاع عن وطننا العزيز حتى آخر قطرة من دمائها، والتى ردت على كل هجوم للعدو حتى الدقيقة الأخيرة”.
ولم تعلن إسرائيل وإيران حتى يوم الثلاثاء الماضى رسمياً، موافقتهما على إعلان الرئيس الأمريكى، فيما قال البعض إن دولة خليجية ضمنت موافقة طهران على المقترح الأمريكى، لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، خلال اتصال هاتفى مع مسئولين إيرانيين، بعد الهجمات الإيرانية على قاعدة العديد الأمريكية فى قطر.
 عصر السلام
وترى الولايات المتحدة، إن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران‪ ،”‬ربما يشكل عصراً جديداً لحقبة اقتصادية من الازدهار لإيران والشرق الأوسط”، وأنها مستعدة للتوصل إلى تسوية طويلة الأمد” مع طهران، تحقق السلام فى المنطقة بشرط عدم امتلاك إيران للسلاح النووى، ويعتقد البيت الأبيض أن واشنطن حاولت استخدام المسار الدبلوماسى قدر الإمكان، وعندما قررت أن ذلك لن ينجح، اتخذت الإجراء اللازم، وهو الضربات الأمريكية التى استهدفت 3 منشآت نووية إيرانية.
ووفق الحسابات الأمريكية، تعتقد الولايات المتحدة، أنها الآن فى مرحلة جديدة، لقد كانت عملية عسكرية ناجحة للغاية لتدمير البرنامج النووى الإيرانى، والآن، حان وقت الانتقال إلى المرحلة التالية، سواء باستخدام السلام أو القوة، وذلك يتوقف على ما ستفعله إيران من الآن فصاعداً.
بدوره قال جى دى فانس، نائب الرئيس الأمريكى عن الرواية المتداولة عن القصف الايرانى لقاعدة العديد فى قطر قال، إن الإيرانيين قدموا لنا تحذيراً مسبقاً، ونعتقد أنهم فعلوا ذلك لأنهم لم يريدوا قتل الأمريكيين، ولم يرغبوا فى التصعيد”، معتبراً أن “هناك رمزية واضحة فى هذا”.
وذكر أن “الهجوم الإيرانى تضمن 14 صاروخاً، ونحن ألقينا 14 قنبلة خارقة للتحصينات على المنشآت النووية الإيرانية، وكما قال لى الرئيس، قنابلنا كانت أكبر قليلاً من صواريخهم، وقنابلنا حققت الهدف، وهو القضاء على برنامجهم النووى”.
وعن إمكانية الحوار مع إيران، أعرب نائب الرئيس الأمريكى، عن رغبة بلاده فى الحديث مع إيران “بشكل مباشرة”، وقال: “الرئيس كان واضحاً فى هذا بأننا نرغب فى حوار مباشر بشأن كيفية المضى قدماً.
وعن تصريحات ترامب بشأن تغيير النظام فى إيران، ذكر فانس، أنه “إذا أراد الشعب الإيرانى تغيير قيادته، فهذا أمر يعود إليهم، أما المصلحة القومية الأمريكية، هنا فهى بسيطة، وتتمثل فى تدمير البرنامج النووى الإيراني، وهذا ما فعلناه.
وتابع: “الآن، مع انتهاء حرب الأيام الـ12 فعلياً، لدينا فرصة لإعادة إطلاق عملية سلام حقيقية، وليس الأمر متعلقاً فقط بإيران وإسرائيل، بل بجميع دول الخليج العربى، فهم يريدون السلام والاستثمار وتطوير أجهزة الذكاء الاصطناعى والدخول فى الاقتصاد الجديد”.
وأكد أنه “فى حال تصرفت إيران بحكمة فى المرحلة القادمة، فقد تكون هذه فجر مرحلة اقتصادية جديدة من الازدهار لحلفائنا الخليجيين، ولنا، وللإسرائيليين، وللجميع، لكن هذا سيتطلب من إيران أن تتصرف بذكاء”.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إيران مصممة على بناء سلاح نووى فى المستقبل، أعرب نائب الرئيس الأمريكى، عن أمل بلاده بأن “يكون الدرس الذى تعلمته إيران، هو أننا نستطيع أن نطلق قنبلة خارقة للتحصينات من ولاية ميزورى إلى إيران دون أن يتم رصدنا، ودون أن نضطر للهبوط فى أى مكان، ونستطيع تدمير أى قدرة نووية تقومون ببنائها”.
وأردف: “أعتقد أن هذا هو الدرس الذى سيجعلهم يترددون فى إعادة بناء قدرتهم النووية”.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إيران قد أخفت سابقاً اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، أعرب جى دى فانس، عن قلقه من هذا الأمر، لكنه قال: “حتى لو كان لديهم يورانيوم مخصب بنسبة 60 %، لكنهم لا يملكون القدرة على تخصيبه إلى 90 %، ولا يملكون القدرة على تحويله إلى سلاح نووى، فذلك يعتبر نجاحاً للمهمة.
وأشار نائب الرئيس الأمريكى، رداً على سؤال عن مكان وجود اليورانيوم عالى التخصيب، إلى أن “هذا النوع من اليورانيوم متوفر بكميات كبيرة. وكان هدفنا هو دفن هذا اليورانيوم، وأعتقد أننا فعلنا ذلك، لكن هدفنا الأكبر كان القضاء على قدرة إيران على التخصيب، وعلى قدرتها على تحويل الوقود المخصب إلى سلاح نووى.
أرجع الرئيس ترامب الفضل فى وقف الحرب، والدخول فى سلام إلى ذكاء ومهارة طيارى القاذفة “ بى 2 “، التى قصفت مفاعل فوردو الذى عجزت الطائرات الإسرائيلية على مدار 12 يوما من القضاء عليه.
وبعدما شنت الولايات المتحدة ضربات، وصفها الرئيس دونالد ترمب بـ”الناجحة”، تأكد أن 7 قاذفات إستراتيجية أمريكية من طرز “ بى 2 “ انطلقت من ولاية ميزوى الأمريكية، على بعد 17 ألف كلم لقصف مفاعل فوردو، وفى سبيل ذلك حلقت دون توقف لمدة 37 ساعة، لقصف منشأة «فوردو» النووية الإيرانية بالتزامن مع قصف مفاعلات أصفهان، ونظنز بصواريخ توما هو ونحو 125 طائرة من طراز “ إف 35، وإف 16 “.
وتتمتع قاذفة ”بى 2“، بقدرة اختراق أكثر للدفاعات الجوية، وتمثل رادعاً قوياً وفعالاً للسيادة الجوية، حتى القرن الحادى والعشرين.
ويعود ضعف قابلية رصد طائرة “بى 2”، إلى انخفاض بصماتها تحت الحمراء والصوتية، والكهرومغناطيسية والبصرية والرادارية.
ويتألف طاقم طائرة “بى 2 “ من طيارين، طيار فى المقعد الأيسر، وقائد المهمة فى المقعد الأيمن، مقارنة بطاقم “ بى 1 “الذى يتكون من 4 أفراد المكون من 5 أفراد.
كل المؤشرات تقول، إن إسرائيل هى التى طلبت أولاً وقف إطلاق النار بسبب الخسائر المادية والبشرية، وعدم قدرتها على تحمل حمل استنزاف طويلة، لهذا وافقت على اقتراح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بوقف إطلاق النار مع إيران، معتبرة أنها حققت هدفها المتمثل فى القضاء على التهديد النووى والصاروخى الإيرانى، وتدعى إسرائيل أنها تسيطر بشكل كامل على أجواء طهران، وأنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقيادة العسكرية، ودمر عشرات الأهداف المركزية للحكومة الإيرانية.
العلاقات الإيرانية - القطرية
شكل ضرب الصواريخ الإيرانية لقاعدة العديد، صدمة لكل الذين يعرفون قوة ومتانة العلاقات الإيرانية - القطرية، وقالت قطر إلى العلاقات مع إيران سوف تتأثر سلباً بهذا الهجوم، لكن إيران أكدت أن هجومها الصاروخى على قاعدة العديد فى قطر، هو عمل دفاعى، لا علاقة له بقطر التى وصفتها بالجارة الصديقة والشقيقة.
وقال المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى، إن “الضربات العسكرية التى نفذها الجيش الإيرانى على القاعدة العسكرية الأمريكية “العديد”، جاءت فى إطار حقنا المشروع فى الدفاع عن النفس، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ردا على العدوان الأمريكى غير المبرر، على وحدة أراضى، وسيادة إيران الوطنية، والذى وقع فى 22 يونيو 2025.
ووصف بقائى: “هذا العمل الدفاعى لا علاقة له بجارتنا الصديقة قطر، حيث تربطنا بها علاقات ممتازة وعميقة الجذور، وأن بلاده ملتزمة بسياسة حسن الجوار تجاه دولة قطر وسائر دول الجوار”.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام