مقالات



عن ماذا أكتب؟.. فقد طفح الكيل

6-7-2025 | 15:10
د.عمرو بسطويسى

هكذا حال الكتّاب والصحفيين، عندما يقترب موعد الإصدار الجديد للمجلات والصحف التى يكتبون على صفحاتها، تجد عقولهم تعمل بجد لرسم المقال المقبل، وتنشغل عقولهم بالمحتوى والعنوان وما إلى ذلك من مفردات العمل الصحفى الأدبية، والفنية والتقنية، يُضاف إلى ذلك تلك اللمسات الشخصية التى تميز كلَّ كاتبٍ عن غيره.

من أكثر ما يشغل عقل الكاتب هو «اختيار الموضوع» الذى يكتب عنه، الذى عادةً ما يكون واحداً من القضايا التى تشغل الرأى العــام، أو أنهــم يكــتبــون عــن  أمــرٍ مــا يشغل عقل الكاتب نفسه، وغير ذلك كثير من الشئون السياسية والأدبية والفلسفية والدينية.

فى حقيقة الأمر، نجد أنه فى الأعوام الأخيرة أصبحت المتغــيـرات الســياسـية والـتقــلبات الإســـتراتيـــجية، والانتهاكات الحربية فى المنطقة العربية، هى الشغل الشاغل لغالبية الكتّاب، وفى هذا الأمر، هناك الكثير مما يُمكن أن يُكتب، سواءً فى ثوابت القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، وكذلك تلك المتغيرات السريعة التى نشهدها ونتابعها على مدار الساعة.
وحقيقةً، أننى فى هذا الأسبوع - وهذا اعترافٌ منى - قد ترددت كثيرا، وتلعثم قلمى عن أن يسطُر على الورق ما يجول فى جنبات عقلى كما تعودت، ولا يعود ذلك إلى كثرة ما يضج به دماغى من مواضيع وأفكار بقدر ما إننى قد طفح بى الكيل.

نعم، لقد طفح بى الكيل بسبب ذلك الكم الضخم من المتناقضات السياسية و«اللا منطق» الدولى وسلبيات الأوضاع والمآسى التى ملأت العالم، التى آلت بمنطقتنا العربية إلى أسوأ ما يمكن تخيله من أوضاع تناقضية عجيبة، وكشفٍ لأوراق، وملفات لم تكن فى الحسبان، على الأقل بالنسبة للبسطاء من أمثالى وكذلك عموم الشعوب.
عن ماذا أكتب،  بينما «إسرائيل» - دولة الاحتلال - تتبوأ مقعداً دائماً فى الأمم المتحدة فى حين نجد الفلسطينيين، أصحاب الأرض الحقيقيين، يجلسون على الهامش بصفة مراقب، مع محاولات كثيرة فاشلة من أجل الاعتراف بأصحاب الأرض كدولة كاملة العضوية.

عن ماذا أكتب، بينما دولة الاحتلال رابضةٌ على أرضٍ ليست لها وتمارس القتل والتنكيل بأصحاب الأرض الأصليين، وقد دمر الجيش الإسرائيلى قطاع غزة، بشكل شبه كامل وقتل ما يزيد على 57 ألف فلسطينى، وجرح ما يناهز المائة وعشرين ألفاً منذ أكتوبر 2023، ناهيك عن الآلاف من الشهداء الراقدين تحت ركام البيوت، كل هذا ولم تتمكن دول العالم من إيقاف هذه المجزرة، وما زالت إسرائيل تقتل المئات يومياً وتمارس “التهجير القسرى” و“التجويع” ، و“قتل الجياع” ، ذلك بينما تتمتع بحصانة دولية، ضد أى قرار يصدر ضدها بفضل “الڤيتو” الأمريكى والذى جعل من مجلس الأمن الدولى مضيعةً للجهد والوقت ومصدراً للإحباط الدولى، والإنسانى.

عن ماذا أكتب، وأنا أرى إسرائيل التى زرعها الغرب فى قلب الوطن العربى، يعلن حكامها المتطرفون كل يوم عن أحلامهم التوسعية “من النيل إلى الفرات”، ويسعون إلى ذلك سعياً مدعومين بالترسانة العسكرية الأمريكية، وبالكثير من قوى الخيانة هنا وهناك.

عن ماذا أكتب، ونحن نرى ونسمع كلمات وجملا ملأت آذاننا من الأبواق الغربية، على مر العقود تتحدث عن حقوق إنسان، وحريات وديمقراطية، ونسوا أن يخبرونا أنها حقوق الإنسان الغربى، وحسب، وأن الحريات المزعومة، إنما منحوها لأنفسهم دون غيرهم، وأن تلك الديمقراطيات ما هى إلا زيف وباطل، استخدموه فقط كحجة لزعزعة أمن واستقرار دول المنطقة.
عن ماذا أكتب، ونحن نرى إسرائيل، وأمريكا تهاجمان إيران، الدولة ذات السيادة، وتدمران منشآتها الإستراتيجية، وتقتلان قياداتها وعلماءها دون دليل يثبت، أى تجاوز من قبل الدولة المعتدى عليها، كل ذلك دون إدانة دولية رسمية، وفى حالة تشابه احتلال العراق، وتدميره دون سند مادى وقانونى، بحجة وجود أسلحة دمار شامل، لم يجدوا لها أثراً .

عن ماذا أكتب، بينما أمريكا، وهى أقوى دول العالم عسكرياً وسياسيا، تُكرِّس نفسها بكل ما تملك من أجل تحقيق كل الأحلام المريضة لدولة الاحتلال، ضاربةً بعرض الحائط تاريخ المنطقة العربية، وحقوق الإنسان العربى، وحقوق أصحاب الأرض المحتلة، وحتى مصالح الشعب الأمريكى أصبحت فى المرتبة الثانية بعد المصلحة الصهيونية.
لعل سلوانى الوحيد، الذى يجعلنى أظل أكتب ما حييت، هو أننى واحدٌ من الملايين من أبناء مصر القوية الصامدة.
مصر القوية بجيشها الوطنى الذى لا يحمل ولاءً إلا للوطن.
مصر القوية بأجهزتها الأمنية التى تعمل فى صمت من أجل تراب الوطن بينما تُحاك من حولها المؤامرات ومن كل اتجاه.
مصر القوية بحكمة، وهدوء قيادتها وبحنكة دبلوماسيتها،  وتحركاتها الدولية.
مصر القوية بزعامتها التى منحها لها التاريخ، وريادتها التى وُلدت من بطن حضارة سبقت التاريخ.
مصر الصامدة بصلابة وصبر ووعى أبنائها، الذين كَثُر ما قدموا أرواحهم دون تراب الوطن.
سأظل أكتب

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام