لولا 30 يونيو لانتهت «الدولة المصرية».. فما جرى كان إنقاذاً للوطن
الدولة المصرية تتعامل بحكمة فى أخطر لحظة إقليمية مشتعلة
القوات المسلحة حصن منيع للدولة.. والمواطن بات أكثر وعيا بمفهوم الأمن القومى
مصر واجهت مؤامرات مركبة.. والتماسك الداخلى كان مفتاح الصمود
برلمان ما بعد 30 يونيو أدى أدوارا محورية.. أنجزنا قوانين صعبة وسط ظروف معقدة التشريع لم يعد رفاهية بل ضرورة وطنية.. ومجلس النواب يؤدى ما عليه الدكتور أيمن أبو العلا، هو أحد الوجوه البارزة فى المشهد العام المصرى، حيث يجمع بين الخبرة الطبية العميقة بصفته استشارى أمراض الجهاز الهضمى والكبد، والعمل النيابى الواسع، باعتباره عضوا بمجلس النواب، ووكيل لجنة حقوق الإنسان، ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، هذه الخلفية المزدوجة بين الطب والسياسة، تكسبه رؤى متكاملة تتقاطع فيها الصحة بالتشريع، والإنسان بالوطن، والواقع بالإصلاح.
فى هذا الحوار الشامل، يتحدث الدكتور أبو العلا لـ «الأهرام العربي» بصراحة وتحليل عن محطات فارقة فى تاريخ مصر الحديث، بدءا من ثورة 30 يونيو وما تبعها من إعادة بناء للدولة، وصولا إلى التحديات الإقليمية التى تواجهها المنطقة، ومفهوم الأمن القومى فى ظل عالم مضطرب، كما يفتح الملفات الشائكة للقطاع الصحى، من تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، إلى أزمة هجرة الأطباء، وقانون المسئولية الطبية، فضلًا عن رؤيته لتطوير البحث العلمى فى المجال الطبي.
حديث أبو العلا ليس مجرد تصريحات، بل خريطة وعى برلمانى وطبى، تُنير الطريق أمام صناع القرار والرأى العام على حد سواء.. فإلى تفاصيل الحوار: < فى ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتوترات، وهى لحظة فارقة تتطلب أقصى درجات الحكمة وضبط النفس، ما أهمية الدور المصرى كقوة داعمة للاستقرار وصوت للعقل وسط ضجيج السلاح؟
مصر تمثل صوت العقل الحقيقى فى الشرق الأوسط، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال حرب غزة، عندما كانت هناك ضغوط هائلة تمارس عليها، فى ظل غياب الحكمة لدى أطراف عدة، حافظت مصر على توازنها، وتواصلت مع الجميع، وذلك يعكس بعد نظر القيادة السياسية، التى تمثل حجر الزاوية فى تهدئة النزاعات وقيادة المسارات الدبلوماسية.
< كيف يمكن حماية أمن المنطقة فى ظل التحديات المتصاعدة؟
حماية أمن المنطقة لا يمكن أن يتم إلا بتعزيز الحلول السياسية والتمسك بخيار السلام كمسار إستراتيجى، مصر قدمت نموذجا واضحا لذلك، سواء فى التعامل مع أزمة باب المندب أم العدوان الإسرائيلى على غزة، وراهنت على السياسة والحلول الدبلوماسية، حفاظا على استقرار المنطقة بأكملها.
< كيف تفسر امتداد الأمن القومى المصرى إلى العمق العربى والإسلامي؟ وكيف يمكن بناء وحدة عربية إسلامية تضمن النجاة من الصراعات؟
الأمن القومى المصرى لا يبدأ من حدودنا، بل يمتد إلى عمقنا العربى والإسلامى، نحن كمن يعيش فى شقة داخل عمارة اسمها "الوطن العربي"، وإذا احترقت الشقق من حولنا، فإن النيران ستصل إلينا لا محالة، لذلك، تسعى مصر دائما لتفعيل الدور العربى المشترك، مستفيدة من قوتها الجغرافية والاقتصادية والدبلوماسية، كما يجب أن تتحول جامعة الدول العربية إلى كيان فاعل ذى قرارات إستراتيجية جماعية، الموارد العربية، تكفى لبناء "ولايات متحدة عربية" واقعية إذا أحسنا استغلالها.
< كيف تقيم قرار تنويع مصادر السلاح المصرى؟
قرار الرئيس السيسى بتنويع مصادر السلاح لم يكن مجرد إجراء عسكرى، بل رؤية إستراتيجية متكاملة لتحصين الأمن القومى وردع أى تهديد، والأيام أثبتت أنه كان ضرورة وطنية.
< كيف تقيم الدور المصرى تجاه القضية الفلسطينية، برغم التحديات الاقتصادية والحرائق الإقليمية؟
مصر لم تتأخر يومًا عن نصرة القضية الفلسطينية، برغم ما تمر به من أزمات داخلية وتحديات خارجية، تتحمل عبء حماية أمنها القومى، وتتصدر المشهد فى تأمين المساعدات ووقف إطلاق النار فى غزة. المساعدات المصرية تمثل نحو 60 إلى 70% من إجمالى الدعم الإنسانى، وتصل الشاحنات يوميًا إلى معبر رفح، برغم تعنت الاحتلال ومحاولاته المستمرة لتشويه الدور المصري.
< بمناسبة حلول ذكرى 30 يونيو.. كيف تقيم المشهد السياسى المصرى قبل وبعد هذا الحدث التاريخي؟
قبل 30 يونيو، كانت مصر تعيش عاما ضائعا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كانت الدولة مخطوفة من جماعة لا تؤمن بمفهوم الدولة الوطنية، أما بعد 30 يونيو، فقد استعادت مصر هويتها، واستقرت مؤسساتها، وبدأت مرحلة إعادة البناء السياسى والاقتصادى والأمنى، هذا التحول لم يكن مجرد تغيير فى الحكم، بل كان إنقاذا لوطن بأكمله.
< هل ترى أن 30 يونيو كانت ضرورة لحماية الدولة المصرية؟
دون أدنى شك، 30 يونيو كانت لحظة فاصلة أنقذت الدولة المصرية من الانهيار، لولاها، لما كنا الآن نتحدث عن جيش موحد، أو مؤسسات مستقرة، أو اقتصاد بدأ يتعافى، كانت الإرادة الشعبية والسياسية فى هذا اليوم تجسيدا لمعنى الحفاظ على الكيان الوطنى فى مواجهة مشروع تفكيك واضح ومدروس.
< كيف ترى دور القوى السياسية المختلفة فى الفترة التى سبقت وتلت 30 يونيو؟ وما أبرز الدروس المستفادة من تلك المرحلة؟
قبل 30 يونيو، كانت هناك "سنة ضائعة من عمر مصر" ومن كان يحكم فى تلك الفترة اعتمد على "ذوى الثقة" لا "ذوى الخبرة"، واختار أشخاصًا بلا أى كفاءة لمناصب قيادية، حتى إن "وكيل مدرسة أصبح محافظًا فقط لأنه منتمٍ للجماعة". الدولة كانت تُؤخون بالكامل، كان هناك مخطط ممنهج لتغيير هوية الدولة المصرية، لكن الشعب لم يقبل بذلك، وخرج رافضًا المساس بنسيجه الوطني. القوى الوطنية التى شاركت فى 30 يونيو أدّت دورًا عظيمًا، ولا يمكن إنكار مساهمتها. وبرغم أن بعض القوى انسحبت لاحقًا وظهرت مزايدات على الدولة، فإن الحقيقة الراسخة أن 30 يونيو، أنقذت مصر وغيرت هويتها ووضعت لبنات الجمهورية الجديدة.
< ما أبرز أهداف ثورة 30 يونيو؟ وهل ترى أنها تحققت؟
الأهداف كانت واضحة: القضاء على الإرهاب، وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة. لكن دعنا نتفق أن الديمقراطية ليست مثالية كما يروّج البعض، فهى تعنى ديكتاتورية الأغلبية فى بعض الأحيان. نحن نسعى لبناء ديمقراطية حقيقية تقوم على تقبل الآخر، والاحتفاظ بالرأى دون تخوين. ولتحقيق ذلك، يجب تأسيس بنية تحتية اقتصادية واجتماعية قوية، وهو ما بدأنا فيه فعلاً. لا يمكن إنكار أن لدينا اليوم بنية تحتية تكنولوجية متميزة، مثل الفاتورة الإلكترونية وانتشار استخدام الكروت البنكية. هل تحققت الأهداف بنسبة 100%؟ لا، لكننا على الطريق. أنا متفائل بأن مصر ستعود واحدة من أفضل دول الشرق الأوسط.
< ما هى السياسات التى اتخذتها مصر بعد 30 يونيو؟
نعم، بالتأكيد. وقد بدأت الدولة بالفعل فى هذا الاتجاه منذ أكثر من عام، من خلال الانفتاح، الحوار الوطنى، لجنة العفو الرئاسى، وتصحيح المسارات. أصبح هناك توجه واضح نحو التهذيب وإعادة التأهيل، بدلاً من العقاب فقط. الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان الصادرة فى نوفمبر 2021 هى التزام واضح من الدولة، ونعمل فى البرلمان على متابعتها. الدولة قطعت شوطًا كبيرًا من التحديات، وحققت إنجازات فى ملفات مثل قانون الإجراءات الجنائية، وقانون الطفل، وقانون العمل، وغيرها.
< ما أبرز الملفات التشريعية التى توليها اهتمامًا خاصًا خلال الدورة البرلمانية الحالية؟
أهمها قانون الإجراءات الجنائية، وهو قانون جوهرى فى تصحيح المسار القضائى والجنائى، بجانب المسئولية الطبية، التى أنادى بها منذ 2016. أيضًا القوانين الاجتماعية مثل قانون الطفل، المرأة، ذوى الإعاقة، وقانون المسنين. هذه الملفات تمثل الأولوية، لأنها تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
< كيف ترى دور مجلس النواب فى الرقابة على أداء الحكومة؟
الدور الرقابى موجود وبكثافة، ولكن ربما لا يظهر للرأى العام، لأن جلسات اللجان لا تُبث. الجلسات العامة ليست المكان الوحيد للرقابة. فى اللجان، الوزراء يُسألون ويُحاصرون بأسئلة حادة، والنواب يتابعون عن كثب. الرقابة موجودة، لكنها "غير مرئية" إعلاميًا. والأهم، أن هذا البرلمان أصدر أكبر عدد من القوانين فى تاريخ الحياة النيابية.
< شاركت فى الحوار الوطنى.. ما أبرز مخرجاته؟ وهل تعتبره خطوة إيجابية؟
الحوار الوطنى فتح المجال لمشاركة الخبراء والقوى السياسية، وطرح حلولا واقعية لقضايا كبرى مثل التصدير، والانتخابات، وحقوق الإنسان. الحوار ليس بديلًا للبرلمان، لكنه منصة حوار حقيقية، وأتمنى استمراره.
< كيف ترى مستقبل الحياة الحزبية فى مصر؟ وما دور حزب الإصلاح والتنمية؟
الأحزاب فى مصر تعانى لغياب التمويل وغياب ثقة المواطن، المواطن لم يعد يهتم بالبرامج بل "هتدينى إيه؟"، وهذه كارثة. لدينا 120 حزبًا، لو طلبت منى اسم عشرة فقط مؤثرين لن أستطيع، حزب الإصلاح والتنمية لديه رؤية واضحة، وكان له دور فى المطالبة بتوسيع التمثيل النيابى للمعارضة، أنا مع دمج الأحزاب ليصبح لدينا 8 أو 10 أحزاب كبيرة تمثل الاتجاهات المختلفة: اليمين، اليسار، الوسط، بدلاً من عشرات الأسماء بلا تأثير.
< ما الدور الذى تلعبه لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب؟
لجنة حقوق الإنسان لجنة تكنوقراطية بامتياز، تتواصل مع الخارج أكثر من الداخل، تستقبل الوفود والتقارير الدولية، وتتابع الرد عليها مع الجهات المعنية، نتابع تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ونجتمع بشكل دورى مع المجلس القومى والمنظمات المعنية. أسسنا إدارات لحقوق الإنسان داخل الوزارات، وهى خطوة مهمة للغاية، ركزنا على الحقوق الاجتماعية وليس فقط السياسية، مثل التعليم والصحة والسكن وحقوق المرأة والطفل وذوى الإعاقة.
< كيف ترون المؤشرات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان فى مصر؟
هناك تحسن ملحوظ. تقرير UPR الأخير فى يناير 2025 كان من أقل التقارير التى تضمنت ملاحظات، وكان هناك تمثيل رسمى مصرى قوى بقيادة المستشار محمود فوزى وزير شئون المجالس النيابية والقانونية والاتصال السياسى ووزراء ومجالس مستقلة، مثل مجلس المرأة والطفولة. مصر قدمت ردودًا واضحة وشفافة، وقبلت ما يتوافق مع سياستها، الملف الحقوقى فى العالم كله يعانى، ومنظمات كثيرة أصبحت مُسيسة، وبعضها يُوظف الملف ضد مصر.
< كيف يتم التنسيق مع المجلس القومى لحقوق الإنسان وبقية المؤسسات؟ هناك تنسيق دائم، نحن نستدعيهم لمتابعة الإنجازات والتحديات. نراجع تقاريرهم، ونتناقش معهم بخصوص الأداء على الأرض. كما نعمل مع الوزارات المختلفة لتفعيل إدارات حقوق الإنسان. ناقشنا دور الإعلام، وطالبنا بتفعيله فى رفع وعى المواطن بشأن مفاهيم حقوق الإنسان الأساسية.
< هل هناك تعاون دولى فى مجال حقوق الإنسان وتبادل الخبرات البرلمانية؟
نعم، نتواصل مع برلمانات ومنظمات حقوقية دولية، ونشارك فى لجان دولية متعددة. نعرض إنجازاتنا، وندافع عن موقف مصر. لكن نؤكد دائمًا أن أى تعاون، يجب أن يكون فى إطار الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. ولسنا ضد النقد، لكننا نرفض التسييس والتدخل.
< بصفتك استشارى أمراض الجهاز الهضمى والكبد، وعضوًا فى البرلمان، ما أبرز التحديات التى تواجه القطاع الصحى فى مصر حاليًا؟
لا شك أن هناك تحديات كبيرة نواجهها فى القطاع الصحى بمصر. وأقول هذا من موقعى كطبيب يلمس الواقع اليومى، وكبرلمانى يشارك فى صياغة السياسات العامة. أبرز هذه التحديات تتعلق بثلاثة محاور رئيسية: التمويل، الكوادر، والإدارة. أولًا، موازنة الصحة لا تزال غير كافية برغم تحقيق الحد الدستورى فى أرقامها، لكن الحقيقة أن الموارد المتاحة ما زالت محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة لسكان يتجاوزون الـ105ملايين نسمة. الوضع الاقتصادى العام يؤثر على إمكانيات الدولة، ولا يمكن إنكار أن الدولة تبذل جهودًا لتحسين الوضع، ولكننا بحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة، والاستثمار فى النظم الذكية والتأهيل البشري. ثانيًا، هجرة الأطباء تمثل تحديًا خطيرًا. بعد فتح ألمانيا وإنجلترا وفرنسا أبوابها للأطباء المصريين دون معادلة، نشهد نزيفًا حقيقيًا فى الكوادر الطبية. لا أستطيع دستوريًا أن أمنع طبيبًا من السفر، لكن لا بد أن نُعيد التفكير فى إستراتيجية الحفاظ على هؤلاء الكفاءات داخل مصر، سواء من خلال الحوافز المالية أم التطوير المهنى المستمر أم إتاحة بيئة عمل آدمية ومحفزة. ثالثًا، لدينا مشكلة عجز شديد فى التمريض أيضًا، وهذه أزمة قديمة تتطلب حلولًا غير تقليدية، تتضمن رفع مستوى التعليم الفنى والمهنى، وتقديم حوافز حقيقية للممرضين والممرضات للعمل داخل مصر بدلًا من الهجرة للخارج.
< ما تقييمك لتطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل فى مصر حتى الآن؟ وما أبرز الإيجابيات والسلبيات؟
كنت من أوائل الداعمين لهذا المشروع الوطنى الكبير، ودخلت البرلمان عام 2012 لأدفع به، وشاركت فى إخراج قانون التأمين الصحى الاجتماعى، وقدمت حينها قانونًا لتغطية المرأة المعيلة، ثم توسعت الرؤية لتشمل الجميع. المنظومة على الورق ممتازة، لكن التطبيق العملى يواجه تحديات. الإيجابيات تشمل إنشاء هيئة مستقلة للرعاية الصحية، وبدء التشغيل فى محافظات مثل بورسعيد وأسوان، حيث شهدنا تحسنًا ملحوظًا فى البنية التحتية الصحية. لكن المأخذ الرئيسى أن التنفيذ ما زال بطيئًا. أدعو إلى فصل التمويل عن الخدمة كما ينص القانون، بحيث تقوم الدولة بشراء الخدمة من مقدمها، سواء كان حكوميًا أم خاصًا، بدلاً من الاعتماد الحصرى على بناء مؤسسات جديدة مملوكة للدولة. هذا النموذج سيسرّع التغطية الشاملة، ويوفر الخدمة الجيدة بشكل أسرع. أيضًا، لا بد أن تكون هناك إرادة سياسية واضحة لتسريع الانتقال إلى المحافظات الكبرى مثل الجيزة والإسكندرية والشرقية، مع الاستعانة بالقطاع الخاص فى تقديم الخدمات، وفق معايير جودة صارمة، إلى أن تكتمل البنية التحتية للمؤسسات العامة.
< قانون المسئولية الطبية أثار جدلاً واسعًا، ما موقفكم منه؟ وما أبرز التعديلات التى تضمنها لحماية كل من الطبيب والمريض؟
لقد تبنيت هذا القانون منذ 2014، وكافحت طويلًا حتى خرج للنور أخيرا. وأستطيع القول إن القانون الحالى متوازن إلى حد يفوق التوقعات. لقد جاء ثمرة توافق سياسى ومجتمعى، ويُعد خطوة مهمة فى تحقيق العدالة لكل من الطبيب والمريض. القانون أنشأ جهة فنية مستقلة لتقييم الأخطاء الطبية. هذه الجهة ستُصدر تقريرًا فنيًا محايدًا يحدد إن كان الخطأ طبيًا عاديًا، أم ناتجًا عن إهمال جسيم، أم لا توجد مسئولية على الطبيب. المريض أصبح لديه جهة يلجأ إليها دون أن يتحول الأمر إلى ساحة للتشهير أو الاتهامات الجائرة، والطبيب فى الوقت ذاته محمى من الملاحقات العشوائية. القانون لا يعفى الطبيب من العقاب إذا كان هناك إهمال جسيم أو ممارسة خارج التخصص، لكن يفرّق بوضوح بين ذلك وبين الأخطاء الطبية الواردة فى العمليات الجراحية أو التشخيص، والتى قد تحدث برغم اتخاذ جميع الاحتياطات. القانون يحمى الطبيب المجتهد، ويحاسب المقصّر، ويعيد ثقة الناس فى المنظومة الصحية.
< كيف يمكننا النهوض بمستوى الرعاية الصحية فى المستشفيات الحكومية والجامعية؟ وما الحلول المقترحة لمشكلة عجز الأطباء والتمريض؟
الحل يبدأ بالتمويل، ويُستكمل بالإدارة والكفاءة. لا يمكن أن ننهض بالرعاية الصحية دون زيادات حقيقية فى موازنة الصحة. لكننى أعلم أن الدولة تعانى من ضغوط اقتصادية، لذلك فإن الحل العملى هو إدارة الموارد الحالية بكفاءة أكبر، وتوجيهها إلى أولويات واضحة مثل تدريب الكوادر، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الأجهزة والأدوية. ثانيًا، يجب أن نعيد النظر فى سياسات التكليف والتعيين، ونربطها بالاحتياجات الفعلية لكل محافظة، مع توفير مزايا خاصة للأطباء العاملين فى المناطق النائية. ثالثًا، لا بد من تقديم حوافز مالية ومعنوية مجزية، مثلما تفعله هيئة الرعاية الصحية التى تقدم مرتبات مرتفعة بسبب اعتمادها على شراء الخدمة، وهو نموذج يمكن تعميمه. رابعًا، حل أزمة التمريض يتطلب الاستثمار فى التعليم الفنى والجامعى للتمريض، وتوفير بيئة عمل مشجعة ومستقرة.
< ما رؤيتك لتطوير البحث العلمى فى المجال الطبى بمصر؟ وكيف يمكن تشجيع الابتكار فى هذا القطاع؟
البحث العلمى فى مصر، خصوصا فى المجال الطبى، ما زال لا يحظى بما يستحقه من اهتمام واستثمار. لدينا كم هائل من رسائل الماجستير والدكتوراه المخزنة فى الأدراج دون تفعيل، ولا توجد جهة تقوم بدراسة جديتها أو مدى إمكانية تحويلها إلى تطبيق عملي.
نحتاج إلى جهة مستقلة تُقيّم البحوث العلمية، وتتبنى تطبيق المتميز منها، وهذا يتطلب تكاملًا بين وزارات التعليم العالى، والصحة، والصناعة. أما عن المجلات العلمية، فمصر لا تفتقر إلى العدد، لكننا نحتاج إلى مجلات طبية محكمة معترف بها دوليًا، مُدرجة فى قواعد بيانات مثل Scopus وClarivate، حتى يتمكن الباحثون من النشر المعتمد دوليًا.
وفيما يخص تمويل البحث العلمى، لا يمكن للدولة أن تتحمل العبء وحدها، ويجب إشراك القطاع الخاص، سواء شركات الأدوية أم المستشفيات أم المستثمرين فى المجال الطبى، على أن يكون هناك عائد اقتصادى واضح.
القانون المصرى بدأ يواكب هذا من خلال تشريع الملكية الفكرية وقانون تنظيم التجارب السريرية، لكن لا تزال هناك حاجة لتفعيل هذه القوانين، وتقديم حوافز حقيقية للمبتكرين والباحثين، مع تهيئة بيئة داعمة للبحث والتطوير داخل المؤسسات الصحية والجامعية.