مقالات رئيس التحرير



لعبة إشغال الإقليم

12-7-2025 | 20:32
جمال الكشكي

بالتوازى مع الاندفاع الغربى لاحتلال الشرق العربى، كان هناك تفكير رفيع المستوى، لبناء وإنشاء كيان دائم، يحمى المصالح الغربية الإستراتيجية، إذا ما خرجت قوات الاستعمار فى لحظة معينة، ويكون تمهيدا للعودة فى مرحلة لاحقة.
 
فى نهاية القرن التاسع عشر، وفى لحظات فوران الاستعمار، ظهرت فكرة «الدولة اليهودية»، وتم اختيار أكثر من مكان فى النظام الدولى: الأرجنتين، أوغندا، فلسطين، ومكان بين روسيا، والصين تحديدا فى الشمال الشرقى للصين، والجنوب الشرقى لروسيا، ولا يزال قائما إلى الآن.
 
لكن وقع الاختيار على فلسطين، التى كانت تخضع للانتداب البريطانى، فى اتفاق «سايكس بيكو»، الذى كان يسمى فى البداية «سايكس ـ بيكو ـ سازنوف»، الروسى، قبل أن يتم كشف مخطط تقسيم الإقليم الغربى، من قبل فلاديمير لينين، بعد اندلاع الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، وتخرج روسيا الشيوعية من الاتفاق، وتبقى بريطانيا وفرنسا، تتقاسمان الأراضى العربية، فيما بينهما.
كما قلنا كان من قدر فلسطين أن تكون تحت الانتداب البريطانى، الذى خرج منها ثم سلمها لدعاة «الدولة اليهودية»، أو «المسألة اليهودية»، التى أعلنها «تيودور هيرتزل»، فى مؤتمر بازل عام 1897، واستطاع بعد سنوات قلائل أن ينتزع وعدا، بإنشاء وطن قومى لليهود على أرض فلسطين، من وزير الخارجية البريطانى فى ذلك الوقت، فيما عرف بوعد بلفور.
 
ثمانية عقود، منذ أن خرجت بريطانيا من فلسطين، وتركتها لجماعة هيرتزل، ثم توالت فيها الحروب، فلم تكتف هذه الجماعة بما حققته من اعتراف فى الأمم المتحدة، حين قررت الأخيرة تقسيم فلسطين بين دولة يهودية ودولة عربية عام 1947، ومع ذلك اندلعت حرب 1948، وحازت الدولة اليهودية مساحات أخرى من فلسطين، وطاردت سكانها إلى خارج بلادهم، فيما عرف بمأساة اللاجئين، الذين صدر لهم قرار أممى لعودتهم إلى بلادهم، وهو القرار 194، الذى لم تنفذه إسرائيل قط، بل إنها تريد أن تطرد وتهجر بقية الفلسطينيين، الذين تمسكوا بأرضهم، ورفضوا التهجير.
كان لافتا للنظر، أن يقدم بنيامين نتنياهو أثناء زيارته للبيت الأبيض، خطاب ترشيح إسرائيل للرئيس الأمريكى دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام، فى وقت يعانى فيه نتنياهو، من مطاردة محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ويمارس إبادة جماعية ضد السكان الفلسطينيين.
 
يعتقد فى نفسه أنه زئيف جابوتنيسكى، أبو التطرف اليهودى، أو يظن نفسه ديفيد بن جوريون، فإذا كان بن جوريون، قد أسس الدولة عام 1948، فإن نتنياهو يرى فى نفسه المؤسس الثانى لإسرائيل الواسعة، ذات الخرائط الممتدة، مستندا إلى تراث خرافى ووهمى، يهدف إلى الاستيلاء على معظم دول الإقليم العربى، بعد أن يكون قد أجهز على الخريطة الفلسطينية الأصلية، ثم التفرغ لقيادة الشرق الأوسط، كما يردد يوما بعد الآخر، لكن هذا مجرد حلم ليلة صيف.
 
إن نتنياهو ومن سبقوه، ومن سيخلفونه، لديهم فلسفة إستراتيجية ثابتة تقوم على استخدام ورقة القضية الفلسطينية، لتحقيق مشروعاتهم فى الإقليم، وليس لديهم أية رغبة، أو نية لإغلاق ملف القضية الفلسطينية، فهم يجعلونها مجرد جمر تحت الرماد، يشتعل وقتما يشاءون، ويستخدمونها للمناورات والمفاوضات، التى تقود إلى دوائر مفرغة، تجعل القضية الفلسطينية فى عين العاصفة دائما، وتحقق الحضور الدائم لإسرائيل علی المسرح الإقليمى والدولى.
 
إنها اللعبة القديمة المتجددة، التى يحترفها قادة إسرائيل منذ تأسيسها، لكن كل هذه الإستراتيجيات والمناورات المتعاقبة، بدت مكشوفة وفاشلة، وغير قادرة على الاستمرار، ومن غير المسموح لها بالعبور.
 
كل التجارب الواقعية، تقول: إنه من دون الحق الفلسطينى فى دولة مستقلة، لن يكون هناك، لا سلام فى الإقليم، ولا خرائط مستقرة فى العالم، إنما ما يحدث فى المنطقة، هو مجرد لعبة إسرائيلية لإشعال الأمم والنفاذ، نحو تصحيح خرائطها التوسعية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام