وجوه عبر الزمن



أبو القاسم... ظلال الفن وومضات الروح (2)

12-7-2025 | 21:43
إلهامى المليجى

مع الدكتور أبو القاسم، لا تكتب عن سيرة شخص عابر، بل تكتب عن حُلم عاش فى جسد إنسان، عن شجرة ظلّها واسع، جذورها تمتد فى تربة الفن، والأدب، والإنسانية، وفروعها تعانق السماء فى كل مشروع، فى كل لقاء.

تجلس معه، فتشعر أنك أمام رجل لا يكتفى بأن يعيش اللحظة، بل يصنعها، يلونها، يترك فيها أثرًا لا يُمحى. رجل حول الفن إلى وطن بديل، والكتابة إلى صلاة صامتة، والعمل إلى طقس يومى مقدس، يُمارسه بحب وإصرار، مهما أثقلته الأوجاع والخذلان.
أبو القاسم عمر صميدة، لم يكن مجرد رئيس شركة إنتاج سينمائى، أو كاتب موسوعى، أو صحفى صاحب تجارب متميزة، بل كان قلبًا كبيرًا يسع الجميع، يربط بين المشرق والمغرب، بين الحلم والحقيقة، بين البدايات القلقة والنهايات المفتوحة.
واليوم، وهو يواجه آثار الجلطة، ويصارع القيود الجسدية، أشعر بأن روحه لم تتراجع خطوة، وأن قلبه، برغم التعب، ما زال يكتب مشاهد جديدة، ويخزّن فى ذاكرته أفكارًا لم تُعرض بعد، وأحلامًا تنتظر الانطلاق.


هذه الكلمات ليست مجرد شهادة، ولا مجرد محاولة لتوثيق مشاهد جمعتنا. هذه الكلمات دفقة حياة، هدية صغيرة إلى رجل يؤمن بأن الفن يمكنه أن يداوى، وأن الكلمة قد تكون أقوى من الدواء، وأدفأ من أى يد.
إنها نداء عودة... إلى ذلك القلب الذى لا ينكسر، حتى لو خذله الجسد. إنها يد ممدودة، وصوت خافت يهمس: «ما زال فيك ما يكفى لتنهض، لتكمل، لتكتب، وتضحك، وتحب الحياة كما أحببتها دائمًا».
المشهد الأول: «أرض الخوف»... جسر الصداقة ومرآة الروح

حين خرج فيلم أرض الخوف إلى النور، كانت شركة «شعاع» والدكتور أبو القاسم، حديث الوسط الثقافى والسينمائى والإعلامى. فى تلك اللحظة، لم تكن علاقتى به قد بلغت عمقها الذى ستشهده السنوات التالية، لكن هذا الفيلم كان المفتاح الذى فتح بيننا بابًا واسعًا من الودّ والثقة واللقاءات التى لا تُنسى.
أرض الخوف، فى رأيى، يتربع فى صدارة الأفلام العربية، ليس لأنه فيلم جوائز فقط، بل لأنه رحلة إنسانية فى قلب المجهول، مغامرة فكرية وبصرية، جمع فيها داوود عبد السيد خلاصة حِرفته، ونسج أحمد زكى شخصية لا تنسى، كأنه يكتب جزءًا من روحه الأخيرة على الشاشة.

نال الفيلم جوائز عربية ومصرية، ورُشّح من قبل المركز الكاثوليكى للمشاركة فى مسابقة الأوسكار، حتى كتبت عنه مجلة فارييتى الأمريكية، أنه «فيلم يستطيع المشاهد الغربى أن يفهمه ويقدّره»، شهادة نادرة فى حق فيلم عربى.
أتذكر تمامًا ذلك اليوم، حين أخبرنى أبو القاسم بفرحة طفل، أن الفيلم قُبل للعرض فى قسم الأفلام الأجنبية على هامش الأوسكار. كنت أتابع تلك التفاصيل بشغف، وكتبت عنها فى الأهرام العربى، وبدأ منذ ذلك اليوم يحرص على أن يشاركنى أحلامه ومشاريعه، كأن الفيلم لم يقرّبنا من بعضنا فحسب، بل جعل بيننا حبلًا سريًّا من الإيمان بالفن والحياة.
وتبقى التفاصيل الصغيرة محفورة فى الذاكرة، مثل طرائف أحمد زكى، حيث بدأ تصوير فيلم «أيام السادات»، واندمج كعادته فى الشخصية. وفى هذا يذكر حين خططت شعاع لعرض خاص فى دبى، اشترط زكى استقبالًا بالبِساط الأحمر، وألا يبقى فى المدينة إلا بقدر مدة العرض، وأن يُعامل كما لو كان رئيس دولة!

أما حين شاهد العقيد معمر القذافى الفيلم وأُعجب به، دعا أحمد زكى إلى طرابلس. فما كان من زكى إلا أن خلع قبعته، فبدا شبيها حد التطابق للرئيس أنور السادات وقال ضاحكًا: «أنا السادات... كيف أذهب إلى خصمى القذافى؟ أتريدون أن يعتقلنى هناك؟» واعتذر عن الدعوة، ما اضطر أبو القاسم إلى اصطحاب السفير الليبى فى القاهرة، ليشهد بنفسه على رفض زكى، حتى لا تفسَّر الأمور خطأ.
وراء هذه التفاصيل، كان قلب أبو القاسم حاضرًا فى كل خطوة، يراقب، يحلم، يتحمل، يبتسم، وكأنه هو نفسه بطل الفيلم الخفى.
المشهد الثانى: مسيرة كسر الحصار... والابتسامة الملتبسة
فى عام 2001، حين اشتدّ الحصار الجائر على ليبيا بذريعة قضية لوكربى، ولدت فى قلبى فكرة، تشاركها معى الدكتور على إبراهيم، أمين عام اتحاد الصيادلة آنذاك: تنظيم مسيرة برّية إلى طرابلس، يشارك فيها نقابيون، كتّاب، فنانون، صحفيون... لنكسر العزلة، ونقول إن ليبيا ليست وحدها فى وجه العالم.
وباقتراح من الكاتب الكبير أحمد عز الدين، عرضنا الفكرة على الأديب الراحل سعد الدين وهبة، رئيس اتحاد النقابات الفنية العربية وقتها، فكانت مشاركته زخمًا كبيرًا، أعطى للمبادرة دفعة رمزية وثقافية.
سافر معنا فى هذه المسيرة عدد كبير من الشخصيات، بينهم الفنان محيى إسماعيل، الذى بدا وكأنه خرج لتوّه من مشهد سينمائى حيّ: أطال شعره ورتّبه بطريقة تشبه القذافى، ارتدى ملابس تُقرّبه أكثر من صورة الزعيم، حتى خُيّل إلينا أنه يحلم بأن يصير نسخة حية منه.

هناك، فى خيمة القذافى الشهيرة بصحراء سرت، لفت محيى إسماعيل نظر العقيد، اقترب من المنصة، وقال له بعينين مليئتين بالحماسة: «يا سيادة القائد... أتمنى أن أجسّد شخصيتك فى فيلم من بطولتى»، ابتسم القذافى ابتسامة غامضة، لم تحمل موافقة واضحة، لكن محيى قرأها وكأنها تصريح إنتاج مفتوح.

عاد محيى إلى القاهرة مملوءًا بالنشوة، زار أبو القاسم فى مكتبه، وأعلن بعدها، بكل ثقة، أن شركة شعاع ستنتج فيلمًا عن القذافى، من بطولته. انتشر الخبر بسرعة البرق، وأغضب القذافى، الذى لم يعطِ أى إشارة أو وعد.

وجد أبو القاسم نفسه وسط زوبعة، فجاء إليّ، صديقًا وأخًا، طالبًا مشورتى وسندى. كتبت حينها تكذيبًا رسميًّا فى “الأهرام العربى”، نفيت فيه تمامًا علاقة الشركة بهذا الإعلان، وأرسل أبو القاسم نسخة إلى طرابلس، لتُهدّئ الغضب، وتُعيد الأمور إلى نصابها.

تبدّدت العاصفة، وبقى أبو القاسم شامخًا، يشبه تلك الخيمة وسط الصحراء: ثابتاً، صامداً، يحمى حلمه وحبّه للفن، حتى فى أصعب اللحظات.
الخاتمة: حين يصبح الوطن دواءً والقلب كتابًا مفتوحًا

لم تكن نهاية المشاهد مع أبو القاسم مشهد وداع أو انطفاء، بل كانت بداية فصل جديد من حكاية لم تكتمل بعد.

فى محطاته الأخيرة، تلقّى ضربات قاسية، لم تكن جسدية فقط، بل نفسية أيضًا. أصيب بالتهاب العصب السابع، ذلك أدى لتوقف عضلات نصف وجهه الشمال، ما أدى لإعاقة فى القدرة على الكلام والأكل، بعد أن مورست عليه ضغوط قاسية، وأُقصى من مكانه ظلمًا، على يد ضابط من رفاق القذافى، أحد “الضباط الأحرار” الذين شاركوا فى ثورة الفاتح، والذى مُنح سلطات واسعة. جعلته يضيّق عليه الخناق، حتى أقصاه بعيدًا عن حلمه.

ثم جاءت الضربة الأكبر، حين عاد إلى ليبيا بعد أحداث 17 فبراير، فوجد الوطن الذى أعطاه عمره، وقد صار مكسور القلب، ممزق الروح، غائب الأمن، بعيدًا عن دفء الأيام الأولى. هناك، جاءت الجلطة، لتضيف صفحة موجعة أخرى فى كتاب جسده.

رحل للعلاج بين تونس وتركيا، لكن الشفاء الحقيقى كان ينتظره فى مكان آخر... فى مصر. فى تلك الأرض التى شهدت أجمل أيام تألقه، وعرفته صاحب حلم كبير، واحتضنته كواحد من أبنائها. حين عاد، بدأ جسده يتحسن شيئًا فشيئًا، ليس فقط بفضل الأطباء المصريين وطبيب العلاج الطبيعى، بل لأن روحه تنفست من جديد بين شوارع القاهرة ودفء الناس الذين أحبوه.

حين زرته فى صباح عيد الأضحى، شعرت أنه يكتب من جديد، دون ورق ولا قلم. يكتب بابتسامة خفية، وبنظرة عميقة، وكأن قلبه يقول: “ها أنا أعود، ولو خطوة بخطوة، لأكتب الفصل الأخير بيدي”.
أؤمن، وما زلت أؤمن، أن الكلمات تداوى، وأن الكتابة قادرة على إعادة النبض لقلب متعب. هذه الحلقات، وهذه المشاهد، ليست فقط تكريمًا لتاريخه، بل جرعة أمل أرسلها له، لعلها توقظ فى داخله مشاهد جديدة، وتجعلنا نراه ينهض، يضحك، يخطط، ويصنع دهشة أخرى.

وهكذا، تظل حياة أبو القاسم مفتوحة، مثل كتاب لم تُكتب خاتمته بعد، وما زالت فيها صفحات بيضاء تنتظر أن يملأها بيده، وتوقيعه، وصوته. الخاتمة إشارة أخيرة
ما زالت هناك مشاهد كثيرة، وتجارب إنسانية عميقة مع أبو القاسم، لم تسعها هذه الحلقة، لكنى التزمت بالحجم الذى تفرضه القواعد الصحفية للمجلة. وربما، فى وقت لاحق، نعود لنروى المزيد من خيوط هذا الوجه العربى النادر، الذى ظل يكتب قصته الحقيقية خارج الأضواء، فى صمتٍ يليق بالكبار.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام