مقالات



مصر.. تعرف الطريق

19-7-2025 | 13:48
د.عمرو بسطويسى

منذ بدء الخليقة، كانت أحوال الشعوب تتقلب ما بين حربٍ تارةً، وفتراتٍ من السلام تارةً أخرى.

يأتى السلام، فيأتى معه الرخاء والنماء والثروات، والذى يحتاج إلى أعوامٍ طوال، ثم تأتى الحروب، فتأكل الأخضر واليابس فى أيامٍ معدودات، وتعود بالناس والبلاد عقوداً إلى الوراء.
والحروب تحركها أسبابٌ عِدة، منها ما هو حقٌ يبحث عن التحرر والاستقلال، ومنها ما هو باطل تحركه رغبات الاستعمار والتسلط وسرقة ثروات الشعوب.

والتاريخ يعلمنا كيف أن الحروب تشتعل فى لحظة وتدمر وتقتل فى فترات قصيرة. والتاريخ أيضاً يعلمنا كيف أن تحقيق السلام بعد الحروب هو من الصعوبة بمكان، ولا يقدر عليه إلا الأقوياء وأصحاب البصيرة، ولعل لهذا السبب، توجد هناك جائزة نوبل للسلام، ولا يوجد مثيل لها للحروب.

وقدَر المنطقة العربية أن تكون مرتعاً للحروب ومطمعاً للاستعمار، والذى توج وجوده ورسّخه فى المنطقة، حينما زرع فى قلبها الكيان الصهيونى تحت مسمى “دولة إسرائيل” لتصبح المندوب الدائم لدول الاستعمار فى المنطقة.

ومنذ إعلان دولة إسرائيل على أكتاف فلسطين التاريخية، ونحن نشهد ذلك التوسع الصهيونى على حساب الأرض العربية، وعلى حساب أرواح الآلاف من الشهداء.
ذلك التوسع لم يوقفه إلا انتصار المصريين فى حرب أكتوبر 1973 حين حرروا الأرض وردوا الكرامة وعبروا القناة، ولم ينقذ دولة الكيان منهم إلا التدخل الأمريكى.

ولم يكن انتصار مصر العسكرى فى حرب أكتوبر وإدراك الكيان الإسرائيلى لقوة مصر - حين ينتفض أبناؤها - إلا سبباً وحيداً وأكيداً لقبول إسرائيل لمبادرة السلام المصرية والتى انتهت باتفاقية كامب ديفيد فى سبتمبر 1978 وعودة كامل الأرض المصرية فى سيناء لحضن الوطن.

تلك المبادرة المصرية للسلام، والتى سبقت عصرها وسبقت الفكر الجمعى فى ذلك الزمن، واجهها تكتل مضاد من الدول العربية، والذى كان سبباً فى أن تفقد فلسطين الفرصة الذهبية لتحقيق حل الدولتين وترسيخ السلام فى المنطقة.

سارت مصر وحدها فى درب السلام، سلام الأقوياء واستردت الأرض المسلوبة كاملةً وارتفعت رايتها على آخر ذرة رمال مصرية، بعد معركة طابا الدبلوماسية والقانونية فى مارس 1989.
من هنا تتضح ريادة مصر وخبرتها فى الحرب والسلام على حدٍ سواء، تلك الريادة التى رسمها التاريخ لمصر الدولة ولمصر الشعب. وهى ريادة لم تنبع من صفحات التاريخ وحسب، بل من الواقع الذى يتجدد كل يوم، الذى أثبت ويثبت صحة الرؤية السياسية المصرية على مر العصور.
لقد أخطأ الأشقاء يوم أداروا ظهورهم لمبادرة السلام المصرية، بقيادة الرئيس السادات، رحمه الله، حين دعاهم إلى مفاوضات السلام، التى كانت ستنتهى بحل الدولتين.
وكذلك أخطأت إسرائيل عندما أدارت ظهرها لمبادرة السلام العربية فى قمة بيروت عام 2002، ذلك أنها تتعارض مع أحلام التوسع والاحتلال.
ويدور الزمن لتحصل اليوم إسرائيل على سلامٍ من هنا وهناك، لكنه سلامٌ بلا ثمن، اقتنصته بيدٍ من ناحية، بينما اليد الأخرى تعيث قتلاً وتدميراً على الأرض الفلسطينية. هذا السلام الممنوح بلا ثمن يُضعف ويقوِّض الموقف الإستراتيجى العربى، ويمنح دولة الكيان تصريحا غير معلن، لتستمر فى مخطط التدمير والاحتلال. إن السلام الذى يدوم هو “سلام الأقوياء” وليس “سلام الاستسلام”.
وكما أخطأ الأشقاء أول مرة بعزوفهم عن مشاركة مصر فى معركة السلام، سيكون خطؤهم أكثر جسامة وأسوأ مصيراً، إن أداروا ظهرهم لمصر مرةً أخرى اليوم فى موقفها المتوازن أمام المحور الأمريكى - الإسرائيلى.

اليوم ونحن نرى الجموح الصهيونى فى أسوأ مراحله، والدعم الأمريكى فى قمته كاشفاً برقع الحياء السياسى، ومتعدياً كل حدود ومعايير الإنسانية، نجد المنطقة العربية فى حاجة إلى أن تتوحد لخلق توازن قوى أمام المد الصهيونى والمدعوم أمريكيا.

مصر، قيادةً وشعباً ترى الأمور من منظور خبرتها التاريخية فى الحرب والسلام، ومن منطلق زعامتها التاريخية للمنطقة ورؤيتها المبنية على الفهم العميق والمدروس لكل المحاور السياسية فى المنطقة والعالم، فمصر اليوم صامدة على المبادئ على الرغم من كل المخاطر والتهديدات.

نعم هى صامدة كما نعرفها، كما أنها صامتة، صمت الأقوياء، فى حالةٍ من الهدوء الواعى والقراءة الهادئة.

وبينما تمارس إسرائيل آلة القتل اليومية على الأرض الفلسطينية، مستخدمة الترسانة العسكرية الأمريكية والتى ينعم عليها بها الرئيس ترامب، نجد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يتقدم للرئيس الأمريكى بخطاب ترشيح لجائزة نوبل للسلام، فى مشهد عبثى يمثل قمة التناقض الأخلاقى والسياسى الفج، والذى اعتدنا رؤيته كل يوم.

ذلك التدليس السياسى وتمويه الحقائق الذى تمارسه إسرائيل كل يوم، يخبرنا عن أهمية التضامن العربى المبنى على رؤية واضحة للواقع السياسى، الذى لا غنى عنه للحفاظ على الأمن القومى العربى.

إن ادعاء قادة أمريكا وإسرائيل بأنهم يحققون السلام فى المنطقة، عن طريق فرضه بقوة السلاح، هو ادعاء ظاهري، يخفى من ورائه أطماع الصهيونية العالمية فى احتلال الأرض وتهجير أصحابها، هو ادعاء يثبت زيفه، ما يحدث على الأرض من تدمير كامل للمدن وتطهير عرقى وقتل بالبارود وبالتجويع.

وكما أن مصر سارت فى طريق الحروب والنصر، فإنها سارت فى طريق السلام وتدركه وتعرفه جيداً، فلقد طرقته دون غيرها وقبل الجميع، وهى التى تستطيع قيادة المنطقة إلى تحقيق الأمن القومى العربى واستعادة الحق الفلسطينى.

مصر التى تعرف الطريق لاتزال تمسك بالبوصلة، وتملك ما لا يملكه سواها، واقعية الرؤيا، ومنطقية الحلول وصلابة المبدأ.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام